الموت…(حرقا)

عبير حميد مناجد

هو ألنهاية ألتي اخترنها نساء كردستان العراق . لأنهاء معاناتهن وآلامهن التي ارتهنت لها حياتهن طال زمهنا ام قصر .  فقررن في لحظة يأس وفقدان للأمل, ان تكون النهاية( الموت) ,  ولو بأبشع الطرق واكثرها بعدا عن طبيعة المرأة وحساسيتها وانوثتها… لعلهن يجدن الخلاص.
حين زرت كردستان ( قبيل الاحتلال الامريكي للعراق بفترة بسيطة)  كانت هي المرة الأولى التي أرى فيها هذا الجزء الغامض , بالنسبة لي ولجيلي,  من أجزاء العراق  فكم حاك لنا النظام البائد قصصا وأشاعات  أشبه بالأساطير الخرافية , عن خيانة وعمالة هذا الجزء من الوطن,  وانه السبب في آلام وهموم العراق,  وتهديد لقوميته على مدى التأريخ…
وحين حطت رجلي عليه كانت كوابيس هذه القصص , والخرافات تلاحقني وتؤثر بي وان حاولت انكارها,  الا أنني ومع أول تجربة أختلاط  لي الأخوة الأكراد  رحبوا بي بلسان عربي (مكسر) وجعلوني نفسيا ومعنويا محل حب وترحيب,  وشيئا فشيئا قضيت أياما وأسابيع معهم  لأكتشف ,  (كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء) أنهم بشر مثلنا فيهم ألصالح وفيهم ألطالح , وأن العائلة الكردية  كأي عائلة  عربية او شرقية ,  تحب أبناءها وأطفالها وتسهر على راحتهم,  وتخاف عليهم وعلى مجتمعها من المجهول,  وانهم مشغولين مثلنا بتوفير لقمة العيش الكريمة
الا أنهم وعلى العكس منا لم يتأثروا بأشاعات  وأكاذيب ألنظام البعثي المقبور بأن العرب كلهم أشرار و أنهم يتحينون لهم  الفرص …بل كانوا يفصلون بين ألشعب المغلوب على أمره,  وألنظام البعثي الفاشي ألذي أذاقهم الأمرين على مدى عقود طويلة من الزمن…. فصبوا وأحتسبوا حتى جاءهم الفرج من أوسع ابواب ألرحمة
الا أنني ومن واقع أهتمامي بمنظمات المجتمع ألمدني وحرصي على (نوعية ) عيش ألمراة والطفل في أي مجتمع أحل فيه رصدت واقع المراة في المجتمع الكردي . وللأسف  وجدت عيشة المراة الكردية فتاة كانت أم أمرأة عيشة صعبة جدا ..ومرهونة  تماما بيد ألرجل وسلطته الذكورية أبا كان أو أخا أو زوجا ونستطيع ان نتسلسل حتى الأجداد……
كل هذه ألسلطات تخضع ألمراة وتقيد حريتها,,  بالحلال والحرام تارة , وب(العيب) تارات كثيرة… فباتت كل حركاتها وسكناتها  مهما كانت بسيطة وخروجاتها  خارج المنزل  مرصودة من قبل العائلة  وتتم بمقاييس وضوابط محكمة  .  وقد يقول قائل  ان هذه هي طبيعة  المجتمعات الشرقية , والعربية عموما وليس فقط الكردية . وهي من باب أحترام وتقدير المراة ,  والمحافظة عليها,  وصيانتها من اي مشاكل قد تتعرض لهأ.   ا
لكني أؤكد من خلال تجربتي المتواضعة هناك. أنها ليست كذلك بل هي ما تتعرض لها ألمراة العربية, زائدا  الشرقية, مضروبا في عشرة , فحتى  التبرج الخفيف (أهتمام المراة العادي بجمالها) يعد ( عيبا) ليس فقط على الفتاة التي تنتظر نصيبها بل حتى ألمرأة المتزوجة تصوروا أن المرأة ألمتزوجة في عرفهم (عيب) أن تبدو جميلة , وان تتجمل لزوجها ,لأنه أن كان يعيش في منزل العائلة عليها أن تدفن نفسها وحريتها بين جدران غرفتها الضيقة فقط. وأن لاتبدي تبسطا أو دلالا أو تفتح حوارا مع زوجها قد تخالفه فيه الرأي فكريا أو دينيا او أي مناقشة  قد تبدو عادية  ا
من( وجهة نظرنا ) لأنها مرصودة من الجميع… وطبعا ألرجل مستسلم ومتعايش مع    واقع  هو  المرتاح فيه أكثر.
رأيت هناك قائمة  من الممنوعات تطول على المرأة  ,بحيث لاتكون لها نهاية معتدلة وهي عموما متداخلة بين الخاص والعام, والحرام والعيب, تداخلا متشابكا  ناهيك عن عادات, وتقاليد المجتمع (المحافظة جدا). وألتي تصب في ألنهاية في حرمان الجنسين ألمراة والرجل ايضا من الكثير من الحقوق الشخصية التي قد تكون  حقوقا مشروعة , وعادية في مجتمعات وظروف شرقية أخرى.
لذا لاعجب أن تزداد حالات أنتحار ألنساء في كردستان كل سنة ضعف التي قبلها مسجلة أعلى النسب في المنطقة كلها (وفق آخر أحصائيات  لمنظمات  حقوق أنسان عراقية  وعالمية,    بواقع 380 حالة أنتحار في النصف الأول من العام الحالي فقط , شملت نساء من ثقافات,  وبيئات اجتماعية متنوعة, وفي اعمار شابة جدا , وتضم نسبة لايستهان بها من المتعلمات, والجامعيات ,والمثقفات , بما يدل على أنه نمط ثقافة مجتمعية  نمطي ,  يستهدف  المرأة بشكل عام  … وهي نسبة مرتفعة بأكثر من مئة  حالة عن العام الماضي) . خاصة بعد أنفتاح الأقليم على الجنسيات والمجتمعات الأخرى, وأدراك المرأة  الكردية لواقع انها تعيش تعاسة وانغلاقا لايشبهان ماتعيشه مثيلاتها  في البلدان الأخرى, سيما وأنها مع هذا الأنفتاح والأزدهار الأقتصادي والسياسي الذي يعيشه الاقليم اليوم (الى حد ما) ,جعلها تفهم وتتعلم أن لها حقوقا مثلما عليها واجبات, وأن ماكانت تظنه حراما, وخوفا عليها , ماهو الا سلطة  ذكورية  ومجتمعية بائدة عفا عليها الزمن. وأنها في سبيل نيل حقوقها مهما كانت بسيطة كحقها في أكمال تعليمها ,او في العمل, او  حقها في رفض الزواج المبكر أو  في  أختيار شريك حياتها, أو حقها في طلب ألطلاق عن زوج لا يراعي الله فيها ,أو في  أبداء رأيها في كل شؤونها الخاصة. أمورا قد تدفع حياتها ثمنا دون  السماح لها بها .ا
لكن العجب  أن يصل ظلم الأهل والمجتمع بالفتاة أو المرأة الكردية من خلال أجبارها على نمط حياة تكرهه, الى حد أن تفضل الموت حرقا ” أحتجاجا ” على الأستمرار فيه.
وكل العجب أن لايفهم الأهل  و الأخ والزوج… والأب  تحديدا  أن   المراة أو الزوجة  أو البنت كائنا حي منفصل بذاته. وهي شريكة له في الحياة وليست ملكية خاصة, أو ملك يمين, او غرضا , او لعبة لاعقل لها  ولا طموح ولا أحساس,, كيف بالله عليكم  تكون  تلك الطفلة الرضيعة (حبيبة أبوها ), ريحانة الجنة, الشقية , التي تضج بالحياة وبالبراءة وتضحك أبيها وتواسيه  حين يكون مهموما , وتهتم به وبأشياءه وكأنه هو الصغير … وحين تكبر وتغدو كغصن البان  الأخضر المزهر,, يلقي بها الى النار.
من شدة خوفه… منها.. أو عليها ؟؟ا

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد