لاتـفـهمـونـي خطــأ

سعد عبد الوهاب طه
لاتـفـهمـونـي خطــأ
ــــــــــــــــــــــــــــــ
من الأمور الطريفة هناك بعض الكلمات المتداولة بيننا لها عدة معان ٍ وتفسيرات يتطلب التدقيق في فحواها من دون الخوض في ردة فعلنا عليها ، وهذا ماينبغي التمعن فيها جيدا وحسب ما يتطلبه سياق الجملة ، ولكن هناك من يتعامل مع تلك الكلمات أو المصطلحات بشكل مباشر وعشوائي معتمدا على ظاهرها من دون الخوض بماهيتها وبواطنها وتفسيراتها المتعددة ، سألتني ذات يوم فتاة من معارفنا وهي بعمر ابنتي في العقد الثاني من عمرها خلال جلسة عائلية السؤال التالي .. من خلال حياتك وخبرتك هل بامكانك أن تخبرني برأيك الخاص عن أجمل شيء شعرت به في حياتك وبماذا تنصح أبناءك أو أبناء أصدقائك ، أجبتها بلا تفكير أو تردد ، يا ابنتي الحياة مليئة بالمفارقات وقد يبدو سؤالك صعبا في باديء الأمر إلا أنني أستطيع أن أوجز إجابتي بكلمة واحدة ألا وهي العناق ( الشبگة ) فتغيرت ألوانها باحمرار وجنتيها وتحولت من محاورة ذات جرأة الى فتاة خجول ومتمتمة بكلمات خافتة .. كيف ؟ كيف ؟ وهي هنا لاتعني بالسؤل عن التوضيح بقدر ماكانت تعني بأن إجابتي خرجت عن طور اللياقة الأدبية ، حينها أكملت حديثي ، نعم يا ابنتي ، إني أعنيها بحذافيرها ، ولكن مقصدي مبطن قد يكون فيه التفاف وفق المفهوم الخاص نحو المفهوم العام ، وقبل أن أوضح ما أعنيه ، فقد يتبادر في ذهن أحدنا عن الرأي في الحب ، لتكون الإجابة وكأنها إجابة بديهة أن الحب هو ذلك الرابط بين الرجل والمرأة ، ثم يتم إضافة توضيحية لبيان مميزات ذلك الرابط ومقوماته مثل الوضوح والشفافية ونكران الذات والتضحية والإيثار والذي من شأنه تتم ديمومة ذلك الصراع الخفي مابين الرجل والمرأة ، فهل نكون قد وضعنا النقاط على حروفها باجابتنا المقتضبة هذه ؟ بالتأكيد الجواب لا ، لأن الحب أسمى وأشمل من هذا المعنى ، وبرأيي الخاص أن وديع الصافي رحمه الله قد لخص المعنى الحقيقي للحب في أغنيته الرائعة ( الحب ، هالحرفين مش أكثر ، اللي بيطلعوا قد الدني وأكثر ، وعليهن إتعمر أساس الكون ، أيا نبي بالحب ما بشر ) ويذهب إلى توضيح المعنى الحقيقي للحب في أغنيته ، فهو محبة الله وأنبيائه وحب الأبوين لأبنائهما ، الذين يسعيان إلى توفير متطلبات الحياة لأجل ديمومة الحياة الكريمة لأولادهما ، فما الذي يجعل الأب أن يتحمل برد الشتاء وقر الصيف وهو يسعى في عمله لتوفير لقمة العيش لأبنائه ؟ وما الذي يجعل الأم تسهر طوال الليل وهي ترضع وليدها وتبيدل ملابسه متحملة السـًٍنة وهي في أمس الحاجة الى النوم ؟ وكذلك فهو حب العامل لعمله الذي يجعل الصخر تحت يدية يتكسر ، و .. و .. الخ إذن الحب كلمة شاملة وهي غير محددة باطار على وفق المفهوم الضيق ، هنا نعود إلى مابدأنا به ، فالعناق كلمة شاملة وهي غير محددة باطار ، ولو رجعنا إلى ما قلته في بدأ حديثي يا ابنتي ، فان متطلبات عملي جعلتني بعيدا عن بيتي وأولادي ، فابتعادي عنهم في أقل تقدير ثلاثة أسابيع لأعود إليهم وأمكث بينهم فترة زمنية لاتزيد عن أسبوع في أحسن الأحوال ، وعليك أن تتصوري اللحظات الأولى عند لقائي بأبنائي ، حينها أكون كالنخلة وقد تسلق عليها الأولاد ، والسعيد منهم من يصل إلى كتفي لتلتف يديه على رقبتي بينما يحاول الٱخرون فعلها مما يضطرني إلى الجلوس أرضا ليهوون في حجري ، فهل بعد ذلك هناك شيء أجمل في حياتي من هذا العناق ؟ وبالتأكيد لايختلف هنا هذا العناق عن ما عشته مع أمي رحمها الله حينما كانت تعانقني بعد طول الفراق ، ويبدو أن الحياة دائرية الشكل فكم عادت بي الأيام إلى الوراء لأعيش دور أمي وأحاسيسها ، مازلت أتذكر حينما كنت طالبا في الكلية ، إذ كان لزاما علينا السكن فيها ، ويكون نزولنا إلى البيت ظهر الخميس والعودة مساء الجمعة التالية ، ليكون لقائي بأمي بنفس روحية لقائي بأولادي ، وهنا أرى أمي وكأنها تعيش أول أيام العيد بعد طول هذا الفراق جذلة بمقدمي فهي هنا قد هيأت كل ما لذ وطاب من طعام مفضل لدي ، ولم تكتف بذلك إلا بسؤال عن ما أشتهيه من عشاء ، فهل أدركت ِ الآن يا ابنتي مقصدي من هذا العناق ؟ حينها إبتسمت إبتسامة كلها إدراك بما قلت و أوضحت قائلة .. نعم ياعم ، لقد تطور السؤال باتجاه الفلسفة ولم أدرك في باديء الأمر ما تعنيه ولكنني استفدت كثيرا من هذا التوضيح الأكثر من رائع الذي يحمل بين طياته جمالية الحياة وإدراكا لمعاني الكلمات بمفهومها الشامل ، فشكرتها على اطرائها الجميل بجمال روحها ، إلا أنها أضافت بأني لم أجبها على الجزء الآخر من سؤالها ، قاطعتها على الفور .. نعم .. نعم .. مقصدك هو بماذا أنصح أبنائي وآخرين من الجيل الحالي في حياتهم المستقبلية ، بالتأكيد هذا سؤال جميل ولكن للأجابة عليه يجب أن يكون هناك من يختص في مثل هذا الطرح ، ولكني أستطيع القول وعلى حد إطلاعي لبواطن الأمور بأن على الشباب أن يتطلعوا للمستقبل بروح رياضية بعيدا عن الأنانية وعليهم التفكير المنطقي للإستجابة والتفاعل مع واقع الحياة ، كما ينبغي إبداء المساعدة لمن يحتاجها طالما كان هناك مجال للمساعدة وعدم الإنزواء في زواية بعيدة عن التعايش مع الآخرين بخاصة عندما يدخل أحدهم المجال العملي من خلال عمله سواء كان عملا حكوميا أو في القطاع الخاص وأن يبتعد عن المحسوبية والمنسوبية بالإضافة إلى محاولة إدخال السرور لمن يحتاجه قدر المستطاع وهذا ما أراه وأعتبره خارطة مصغرة لمنهاج متطلبات التعامل مع الآخرين لديمومة حياة أفضل في عالم أفضل ولكن بالتأكيد هناك أمور أخرى غفلت عنها ، أليس كذلك ؟ حينها إبتسمت لي وقالت ، أليس التأثيرات النفسية مهمة في هذا الجانب ؟ أجبتها ؛ بالتأكيد .
ســـــــــــــعد عبدالوهاب طه

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد