الديمقراطية وتحديات الحداثة بين الشرق والغرب

فهد المضحكي

في كتابه «الديمقراطية وتحديات الحداثة بين الشرق والغرب» الصادر عام 2001، يتحدث الباحث والمؤرخ اللبناني إيليا حريق عن الحداثة والثنائية المتعارضة. تشير رؤيته إلى إن الطرح في الفكر العلماني للمواءمة بصيغة الحداثة ورسمها كصورة طبق الأصل للنموذج السائد في البلدان المتقدمة صناعيًا، أكد أكثر مما يلزم على الثنائية المتعارضة بين التراث العربي – الإسلامي والحضارة الغربية. فالنموذج الغربي كما تصوره التحديثيون العرب يضخم دور العقلانية ويربط بين شيوع الدور الديني في المجتمع والتخلف. وبحسب رأيه، كان الأتراك – كمثال – السباقين بين المسلمين للعمل بموجب تلك الثنائية المتعارضة واختيار النموذج الغربي كعقيدة ونظام. والواقع أن الخطوة التركية تحمل في طيها نواة التناقض مع الحضارة الديمقراطية الغربية، وبالمنطق ذاته، مع الحداثة. يرى ذلك في اضطرار القائد التحديثي، كمال أتاتورك، إلى فرض نموذجه «الغربي» قسرًا، حتى أنه أفتى بأن كل من يتجرأ ويصف تركيا بأنها غير ديمقراطية يزج به في السجن. إن الآخذ بنموذج محدد المعالم وفرضه بالقوة على مجتمع آخر، تحديثيًا كان أو تاريخيًا، مصيره الحتمي تبني العنف وإحداث الاضطراب السياسي والنفسي في المجتمع. ليست تلك هي الحداثة، أو فلنقل إن مثل ذلك النهج ليس هو التحول الإيجابي المرجو في تقدم الشعوب العربية وبلدان العالم النامي. قد نتفق مع هذا الرأي أو نختلف، فالحداثة الاجتماعية والسياسية، من وجهة نظره، هي منهج في التعامل يراعي ظروف إشكالية ناشئة والمسالك في المجتمع ومعالجتها بما يتلاءم مع المعطيات النفسية، آخذًا بالاعتبار الذهنية والمسالك السائدة في المجتمع ومحيطه الدولي. الحداثة حركة وليست نموذجا. لو أخذنا قضية الرق مثلا فنجد أن تجريمه واجب، ليس لأن إلغاء الرق يتلاءم مع الحضارة الغربية فحسب، بل لانه أصبح يتعارض مع معطيات معينة في المبادئ السياسية والقيم التي تدين بها الطبقات الفاعلة في المجتمعات العربية والإسلامية عامة. إن استمرار مؤسسة الرق تقوض مطالبة أهل اليقظة السياسية في البلدان الأسلامية بالمساواة والحرية وحقوق الإنسان المدنية والاقتصادية، لذلك وجب رفضها. الحداثة كمنهج تملي على الفئات المؤثرة في المجتمع أن تواجه المشاكل القائمة بوسائل تتلائم مع طبيعتها المستجدة. التضارب في الأوضاع هذا، وليس في النموذج الغربي، هو الذي يدفعهم إلى حل تحديثي يؤدي إلى تعليم الإناث، وإن تعلمت الإناث فلن يرضين بعد ذلك بوضعهن الاجتماعي التقليدي الدوني، بل سيطالبن بالمساواة والحرية. وهنا أيضًا لن يكون دافعهم نموذجًا خارجيًا. يمكن أن نعتبر الحل التحديثي استجابة للوضع المستجد. ومعالجته بما يتلائم مع مقتضيات الزمان والمكان. إن اي تخلف عن الاستجابة للوضع الجديد بين النساء سوف يحدث خللاً في العلاقات واضطرابًا في المجتمع. وفي حالات أخرى، قد يؤدي التخلف عن النهج التحديثي إلى التقهقر الاقتصادي والعسكري.

في فصل عنوانه «الديقراطيون والتحديثيون الإسلاميون» يبين حريق مواقف بعض أعلام المفكربن الإسلاميين من الديمقراطية وتصورهم لكيفية المواءمة بينها وبين التراث الحضاري الإسلامي، كما ناقش بعض المصاعب التي يواجهونها في تصوراتهم للديمقراطية. إن الانطباع العام بين المعتدلين سياسيًا في البلدان العربية هو أن الإسلاميين عامة يتبعون نهجا غير ديمقراطي ويتبنون من التراث ما عفا عنه الزمن، وأنهم يقفون على خط معاد للحداثة. ليس هناك من شك في أن الإسلاميين يعانون من أزمة مصداقية كبرى في دعوتهم إلى الديمقراطية. لم تساعد ممارسات الإسلاميين السياسية في المعارضة العاملة في مصر وسوريا والأردن والجزائر ولبنان، ولا تلك التي تظهر في الحكم الإسلامي في أفغانستان وإيران، في ان تخفف من وطأة تلك الهوة السحيقة بين الفريقين، بل العكس هو الأصح، فهي لم تعطِ المفكرين الإسلاميين اي مادة يقدمونها كدليل على التزامهم بالديمقراطية. من جهة أخرى، يرى أن ألاعيب الأنظمة العربية السلطوية التي تدعي تبني الديمقراطية، وتحرص على الظهور بمظهر المدافع عنها، مسؤولة عن الكثير مما حصل من خلط للأوراق وإشاعة الفوضى الفكرية حول هذه القضية.

ولعلّ أهم ثنائية ناقشها الباحث ثنائية الدين والدولة. في البدء كانت ملاحظته أن أول ما يواجهه الباحث في قضية المواءمة الحضارية في البلدان الإسلامية عامة هو الثنائية المتعارضة بين الدين والدولة، وتظهر تلك الثنائية أحيانًا بزي الحداثة والتقليد وتتداخل مع الديمقراطية. وفي تقديره، يميل الفكر التحديثي السائد في هذه البلدان إلى طرح ما هو ديني كنقيض للحداثة، ويميل الفريق الآخر إلى طرح ما هو علماني كنقيض للشرعية. فلا هذا الموقف، ولا ذاك، يساعدان على التفكير الإيجابي أو التعايش الديمقراطي. إلا أن التضارب في الأهواء هو الذي يستحث الهمم من أجل فض تلك المعضلة، وقد يأخذ الحل طابع العنف أو الإقناع، كل من المخارج المقترحة والمتبعة تراعي الظروف المستجدة، أكثر مما تقوم به من محكاة لنموذج خارجي. أما الحل التوفيقي المجامل، كالذي نشهده في المحافل الرسمية والاجتماعية، أو التوفيقي الخادع، كالذي يدعيه السائرون في السبيل السالك والمسيسون للدين، إنما هو تخل صريح عن المسؤولية. من المعلوم أن هناك اعتقادًا شائعًا بين العامة والراسخين في العلم على حد سواء، أن الإسلام دين ودولة يلزم المجتمع كما يعطي النظام السياسي هويته وشكله. فهل تلك المقولة إنه ليس للتشريع البشري، المتحرر من مرجعية قابضة، من دور في المجتمع الإسلامي، أو لا يجوز أن يكون له دور؟. هذا السؤال وغيره من الاسئلة التي تثير جدلاً واسعًا عن فصل الدين عن السياسة والدولة، يعود بنا إلى أهمية ما كتبه عالم الاجتماع العراقي ابراهيم الحيدري في موقع «الحوار المتمدن» في مارس 2014، ملخصه، أن فصل الدين عن الدولة يعني أولًا عدم اخضاع الفعاليات السياسية والاقتصادية لاحتكار أية سلطة دينية مستقلة عن المجتمع، ومعنى السلطة هنا هو احتكار فئة متميزة بذاتها تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة بشؤون الدولة وفعالياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وثانيًا لا يعني فصل الدين عن الدولة، فصل الدين عن المجتمع، وإنما عدم السماح لرجال الدين ووعاظه استغلال المبادئ والقيم الدينية النبيلة لاشباع حاجاتهم ومصالحهم الخاصة وتوظيفها في المجال الساسي والاقتصادي وغيرهما، انطلاقًا من الحقيقة إنسانية عامة وشاملة هي أن «الدين لله والوطن للجميع». فصل الدين عن الدولة يعني التشريع نابع من استقلالية مجلس التشريع القائم على الدستور. والدستور هو تشريع وضعي ينظم دولة المواطنة، يعني أن الجميع متساوون أمام القانون بصرف النظر عن الدين والمذهب واللون والجنس والأصل والعرق، فكل الناس متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات. في هذا الكتاب، تناول إيليا حريق موضوعات لا تخلو من أية لمحات نقدية، من بينها، الديمقراطية وعملية المواءمة، ونظرية العدالة والتراث الديمقراطي، العدالة بين التيار العقلاني والنهج السوسيولوجي، إشكالية المساواة في الفكر الديمقراطي، الديمقراطية وآليات التحول في المجتمع الإسلامي، وغيرها. الخلاصة باختصار، يعنى هذا الأصدار، بموضوع المواءمة بين الديمقراطية كأيديواوجيا غربية، والذهنيات السائدة في البلدان النامية. والمشروع ينطلق من باب تحديث مفهوم الديمقراطية وتحقيق التلاؤم بين معطيات العقيدة الديمقراطية وحضارات البلدان الآسيوية – الإفريقية. ويعتمد البحث نهج التفكيك لأقاليم الديمقراطية، ثم إعادة تركيبها في منظومات أكثر ملاءمة مع روح العصر.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد