الدجل

سعد عبد الوهاب طه

الدجل
ـــــــــ
الظروف الإجتماعية السلبية تولد كنتيجة حتمية لما تعانيه بعض المجتمعات من الفقر والعوز والحرمان , ولايمكن إحصائها بالشكل الإحصائي المعتاد لأنها تختلف من مكان لآخر وحسب نوع المجتمع وطبيعته , ومن هذه السلبيات ؛ الدجل الذي انتشر وما يزال ينتشر حتى في ارقى طبقات المجتمع , ولو رجعنا الى الماضي القريب لوجدنا هناك كثيرا ً من هذه الصيغ التي تعايشت مع المجتمع , أغلبها يندرج تحت عنوان الدجل وأهمها ماكان يمارسه ضعاف النفوس , الذين تستروا بلباس الدين واطلقوا على انفسهم ( الملالي ) , ولكن علينا أن لانعمم صفة الإطلاق تحت هذا المسمى بل وجب علينا القول ؛ بعض ٌ منهم , لأن هناك الأجلاء منهم وهم كثر الذين تركوا بصماتهم الإيجابية في مجتمعاتهم .
لقد مارس بعض ٌ من هؤلاء ؛ الدجل في المجتمعات بصورة علنية , إلا أن أغلب الضحايا كانوا يترددون عليهم سرا لأسباب خاصة بهم , الذين انصبت غاياتهم من جراء مراجعاتهم لهؤلاء الدجلة ؛ أعمالا ً قد تصل أحيانا الى مالايقبله العقل والدين , فهذه تريد تطليق زوجة إبنها , وتلك تريد تزويج ابنتها بينما الأخرى تريد عمل ( عوذة , حجاب ) حتى لايتزوج زوجها من ثانية أو تريد عودة زوجها إليها بعد هجرانها بسبب زواجه من أخرى , وقد باتت قناعاتهم في هذا الامر بالشكل الذي لا تقاطعه نصيحة او النهي منه .
لقد مارس اؤلاءك الدجالون كثيرا ً من الحيل من أجل إقناع مريديهم ومراجعيهم بأنهم يعلمون مالايعلمه الناس الآخرون وقد تصل إلى علم الغيب , ومن هذه الصور , عندما تدب رجل الضحية عتبة باب الدجال لتلج الى مدخل داره ؛ تجد هناك إحدى النساء تنتظر دورها في الدخول على الملا , ولا تدري هذه الضحية أن هذه المرأة هي من ضمن عدّة ( طاقم ) هذا الملا لممارسة دجله على النساء , وبعد السلام والترحاب يتم الحوار والتعرف على بعضهما لتنتهي بأن تقوم الضحية من حيث لاتدري , بإعطاء اسمها وعمرها وحتى عنوانها وسبب مجيئها الى تلك المرأة المنتظرة دورها في الدخول وبالتالي تكون قد اباحت بكل الأسرار التي يبغيها ذلك الدجال , ومن ثم ينطلق صوت الملا القادم من الغرفة المجاورة ؛ يافلانة , وتدخل تلك المرأة عليه لتعطيه المعلومات كافة التي حصلت عليها من هذه المرأة الضحية ولتخرج بعد دقائق مرددة بصوت تشوبه السعادة من جراء تلك المقابلة والدعاء لذلك الدجال بموفور الصحة والسلامة والعمر المديد على ما أبداه لها من مساعدة في حلحلة مشكلتها ولتودع الضحية الجالسة في الإنتظار منتظرة دورها في الدخول على مبتغاها متأملة تحقيق أمنيتها , ثم ينطلق صوت الملا مرة أخرى .. يافلانة , هنا يقشعر بدنها وهي تسمع ذلك الصوت القادم من تلك الغرفة المحيـّرة وكلها اشتياق لرؤية صاحب هذا الصوت , ولتدخل وتصبح في مواجهته مندهشة لما سمعت عن كيفية معرفته لإسمها , لتجد ذلك الرجل الوقور وهو يجلس على الأرض مستقبلا ًَ طاولة صغيرة عليها مجموعة من الكتب , وقد وضع كتابا مفتوحا عليها , وأول مايتبادر الى ذهنها هو سؤالها له عن كيفية معرفته لإسمها ليأتي الجواب سريعا وكما أجابه سابقا لنفس هذا الإستفسار لنساء أخريات , بأن ذلك موجود في الكتاب الذي أمامه وأنها قادمة للسبب ؛ كذا .. وكذا .. وعنوان سكنها ؛ في المكان الفلاني , وما أن تسمع تلك المرأة ماقاله ذلك الملا حتى تنتابها نوع من الغبطة والحيرة معا لما سمعت .. ويتابع الملا قوله بأن له القدرة على حل مشكلتها بأن تأتي في يوم آخر مستصحبة ديكا مع دينار وهذا كله للمـَلـَك الذي يتعامل معه , وتغادر المسكينة بيت ذلك الدجال لتعود إليه في يوم قابل مستصحبة معها ما أراد ولتأخذ حجابا مغلفا بقطعة قماس أو بجلد ومخاط بخيط حتى لايطلـّع عليه أحد وحتى صاحبة الحجاب , اذ تتسلم تحذيرا لحظة استلامها لذلك الحجاب من مغبة فتحه والإطلاع على فحواه , والشيء بالشيء يذكر , من أن إحداهن عاد زوجها إليها في ليلة ما بعد هجرها لزواجه من أخرى , هنا عاتبته من أنه لم يعد إليها إلا بسبب ذلك الحجاب الذي سبق وإن دفعت ثمنه , وكان دينارا ً وديكا, وبعد الأخذ والعطاء تمكن من الإستيلاء عليه وفتحه ليقرأ … هو يأتي إليك ِ أم لا يأتي , فأنا ليس لي علاقة , أنا أخذت الدينار وأخذت الديك ، ونحمد الله أن تنتهي القصة على هذا الحد , ولكن هناك سؤال ملح يظهر على طاولة التساؤلات لماذا يلجأ بعضهم إلى ممارسات يندى لها الجبين ؟ ولا أريد هنا من ذكرها لأنها باتت معروفة للجميع , ولكن قد تبدو هنا المسألة عادية في مجتمعات كانت السذاجة ؛ الصبغة العامة التي اتصفوا بها لسنين طوال خلت , وقد انحسرت وباتت أضيق ماتكون عليه اليوم , ولكن إذا ما علمنا من أن هذا الدجل قد وصل في يومنا هذا الى الطبقات المتسمة بالرقي الثقافي , هنا لابد لنا من وقفة وإشارة لها بخاصة الأطباء منهم , وكما هو معروف للجميع من أن هذه المهنة الإنسانية الجليلة التي يمارسها الأطباء بغية تخفيف الآم الناس , فما اعزها من مهنة , وما اجمل تلك اللحظات التي يتناغم فيها مشرط الجراح واحاسيه واضعا نصب عينيه مخافة الله وضميره الذي سرعان ما يجعل الفرحة ترتسم على محياه قبل محيا المريض وذويه , وإني على ثقة بأن هذا الطبيب قد يبات ليله وهو في أتم السعادة , وقد أرضى الله وضميره , إذن ما أجملها من مهنة تجسدت في تخفيف آلام المرضى ولكن مع هذا التفاني والصورة المشرقة لرجال أقسموا على أداء وجباتهم بالصورة المثلى , راح بعضهم ( وهم قلـّة قليلة محسوبون على هذه المهنة ) يسيئون الى هذه المهنة السامية المعاني غير مبالين بسمعتها وسمعتهم متوسمين الإثراء السريع على حساب آلام المرضى وأنا كلي ثقة بأن هذه الشريحة مدانة من قبل الأطباء الأصلاء أنفسهم قبل غيرهم , فمنهم من راح يطلب إجراء تحاليل دم او ادرار وما شابه ذلك , ليس الغاية منها تحديد العارض الصحي وإنما من أجل صالح صاحب المختبر والذي بالتأكيد سوف يسهمه بحصة من أجور تلك التحاليل , وذهب بعضهم الى الإتفاق مع صيادلة , بأن يكتب لهم الدواء بكتابة مشفرة لايتمكن من قراءتها إلا ذلك
الصيدلي الذي تم الإتفاق معه على صرف الدواء ليحصل الطبيب على مبالغ من جراء صرف تلك الأدوية التي يكون فيها مبالغة كبيرة في صرفها , غير مهتم بالوبال الناتج من جراء استعمال تلك الأدوية , التي بالتأكيد سيكون لها تأثيراتها الجانبية على المعدة والكبد والكليتين , وأنقل هنا صورة أخرى لبعضهم , وانت تدخل العيادة , يستقبلك السكرتير مستفسرا عن اسمك وعنوانك وماتعانيه من حالة مرضية , وهل لديك مرض مزمن , وهل راجعت تلك العيادة سابقا , كل هذه الأمور , يوثقها السكرتير بورقة خاصة على شكل جدول ليتم ادخالها إلى الطبيب فيما بعد , وعند دخولك على الطبيب وفيما اذا كنت قد راجعته سابقا , سوف يستقبلك مرحبا بك ذاكرا اسمك وكأنه يتذكرك وهو يقول لك بأنه يتذكرك جيدا وإنك قد راجعته سابقا وكنت تشكو من كذا حالة مرضية , ليدهشك بذاكرته الفولاذية … ولكن علينا أن لاننسى جهود اؤلئك الأطباء الأجلاء الساهرين من أجل تخفيف آلام المرضى والذين يمارسون عملهم بأسمى معاني الشرف والأنسانية والأخلاقية وضمائر حية نابعة من أصالتهم وخلقهم الرفيع , وما اؤلئك الذين انحرفوا عن المسار الحقيقي لمهنتهم الا قلة قليلة وسيبقى الطب علامة مشرقة في سماء المجتمع الذي يطمح إلى الرقي في هذا المجال .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد