في التاكسي بين السليمانية ودهوك

كفاح جمعة كنجي

صيف 2017 عدت من السليمانية الى دهوك في سيارة تاكسي، كنت في صف الشوفير/ السائق ومعنا طفلين وشاب من حلبجة في مطلع العشرينات من العمر.
الطفلان حين استقلا السيارة انحنت أمهم امام شباك السيارة والقت نظرة على من في السيارة وتوجهت إلي:
ـ (كاكا ئه م هه دردو منال آمانه ت له كه ل تو تا دهوك.) كاكا الطفلين امانتك الى ان تصلوا لدهوك. ابتسمت لها وقلت به سه رجاوه م./ على عيني.
الطفلان بنت وشقيقها دون السابعة من العمر انتبها لحديث أمهم معي بتمعن وعمق.. من حسن حظ الطفلين إني أجيد الحديث باللهجة السورانية ..
سألت الطفلة عن اسمي وسكني ومهنتي واولادي وووووعشرات الاسئلة الاخرى. جلبت انتباه الشاب إحدى إجاباتي باني مقيم في المانيا من سنين عديدة. في لحظة توقف الطفلة عن الاسئلة دخل الشاب وسألني عن طريق يفضي لأوروبا عبر التهريب.
ـ قلت له الطرق عديدة.. وهذا ما نعرفه من الاعلام.. الا أنني لا علم لي بطريق محدد. ولا أعرف احدا ممن يعملون في هذا المجال.
الطريق بين السليمانية ودهوك يزيد على الأربع ساعات ..
والطفلان كانا على طول الطريق يتحدثان معي بعذوبة كبيرة وبعفويه صادقة.. مرقت من امامنا سيارة لاند كروز رباعية الدفع بسلندراتها الستة اجتازتنا وخلفت في آذاننا صوتا مزعجاً عغغن عغغغنعوووع. لمح الشاب الذي معنا ركابها.. وحين تجاوزتنا قال :
ـ هؤلاء هم سلفيين بالله آني اعرفهم واحدا واحدا.. الله يحفظهم. تذكرت بعد دعاء الشاب إن ركابها كانوا بلحى طويلة وكثة..
واصل الطفلان طرح اسئلتهما وانا أجيبهم.. وكان السائق والشاب يدخلان في الحوار معنا في أوقات كثيرة. وحين وصلنا مدينة عقرة توقف السائق.. اعتقدت انه توقف للاستراحة
.. وما ان اطفأ المحرك حتى قال :
ـ هذا جامع تفضلوا نصلي صلاة الظهر. ترجل الشاب وبقيت في السيارة.. اعاد الشاب والسائق معا طلبهما بالنزول معهم للصلاة.
اجبتهم ان صلاتكم لا تشلمني للأني لست مسلماً.. انا إيزيدي.!!!! ابتعدا عن السيارة بسرعة !!! وتوجها للجامع دون ان ينبتا بكلمة أخرى .. حين عادا ساد صمتاً رهيباً في السيارة..
وبعد ان قطعنا مسافة قاربت النصف ساعة دون اي حديث. انبرت الطفلة بعفوية بالغة وسألت:
ـ كاكا لو قسه ناكه ن وه ك بيشان،؟ لماذا لا تتحدثون كما قبل؟ ..
اجبتها يبدو ان الأحاديث انتهت بعد التوقف في عقرة.. لا تهتمي انا سأتحدث معك الى ان نصل الى دهوك كرر الطفل سؤال شقيقته ذاته للشاب والسائق.. لكنهما تعذرا بالتعب من الطريق. قلت مع نفسي احبائي الصغيرين.. لن تستوعبوا الاسباب حتى إن شرحتها لكم الان.. لأنكم مازلتم لم تتلوثوا بهذا الجو المقيت والأفكار المسمومة الذي تفصل الناس وتصنفهم الى كافرين ومؤمنين..
نعم احبائي هؤلاء سكتوا لأنهم يعتقدون ان الايزيدي كافر.. وللأسف اعدادهم في كوردستان تزداد وتكثر.
وصلنا دهوك طلب مني السائق ارشاده للجهة التي اقصدها ليوصلني اولا.. فرفضت فوراً. وسط دهشتهِ وتعجبهِ وقلت له ان أم الطفلين اودعت هذين العصفورين أمانة معي وليس في ذمتك.. وأنت سمعت هذا من فم الام.. أوصل الطفلين اولا ثم سأرشدك الى مكاني.
كان هذا الكلام وحده رداً رادعاً على صمتهم بعد الصلاة واصابهم بالصمم من جديد رغم ملحتهم على ايصالي اولا ورفضي القاطع لذلك.. نعم أحبائي الصغيرين.. اتمنى لجيلكم ان يعيش بنقاء وصفاء دائمين مع بعضه البعض دون الالتفات لخلفيات ” الآخر البغيضة والمحتقرة” كالدين والمذهب وووو ونعيش معاً في كوردستان كمواطنين وبشر اولاً وقبل كل شيء.

تموز 2021

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد