عن المربي زكي طرفي

جلال حسن
عن المربي زكي طرفي
في قيمة المعنى التربوي والأخلاقي
يمكن لتلميذ في الدراسة الابتدائية ان يرسم صورة معلمه في دفتره المدرسي، ويرى في الصورة مثالا حسنا وقدوة له، أنها صورة المعلم بوصفه أبا في مخيلة تلميذ ينظر للحياة من زاوية صغيرة. وغالبا ما تكون الصورة الفوتوغرافية تاريخا شخصيا يعيد زمنا مضى علي طاولة التذكر، ويحمل معه لحظات جميلة وأخرى حزينة تأخذ دمعة على الرحيل والفقدان.
التلميذ أنا والمعلم زكي طرفي والمدرسة دار السلام الابتدائية وسط محلة المحمودية القريبة من نهر الكحلاء والتي تجاور مقبرة الإنجليز في العمارة. يوم كانت المدرسة تخضع لنظام تربوي وتعليمي يبدأ من أناقة المعلم ومحاسبة طول أظافر التلاميذ بالتفتيش الأسبوعي حتى إعلان خروج التلاميذ بطريقة الاصطفاف بعد انتهاء الدوام.
لذا لا يمكن تجاهل ونسيان تأثير المعلم الأول وسبورة الإملاء التي كتبنا عليها أرق المشاعر والأسماء بحروف وشمتْ بالذاكرة أثراَ لا يمحى، بل جعلتْ من الطفولة تاريخا شخصيا، بمعنى العمر كله عبارة عن طفولة.
وأنا أعيد ما لا ينسى، ذكرني أمس المعلم مزهر طاهر، الذي جاء من العمارة لزيارة أخته التي هي أمي، وعند أطراف الحديث. قال: عندنا جيران من طائفة الصابئة المندائية، لم نجد فيهم إلا الخير والسلام والتعايش السلمي والهدوء واحترام الجيرة الحسنة.
فتذكر جميع الجيران، وخصوصا الجار المعلم زكي طرفي، لأن بيتنا كان يقع في محلة المحمودية، وعلى يسار البيت يعني الجار الأول الملاصق لبيتنا كانوا بيت المرحوم “جابش أبو سلمان” وهذا الرجل العصامي والمكافح من الطائفة المندائية يعمل في صناعة الزوارق وتحديدا في استخدام مادة ” الكير” لطلاء ودهن المادة في هيكل الزورق المصنوع من خشب خاص للمحافظة عليه في عدم ملامسة الماء للخشب، وكان عمله على نهر الكحلاء في مشغل بسيط يقع على لسان النهر قرب جسر الكحلاء الشهير.
كان أمام البيت علوه ومطحنة حبوب للمرحوم عبد دسبولي وهو رجل طيب كل ما رأيت عنه هو تجمع الفقراء في بداية أول شهر لكي يمنحهم رواتب من أمواله الخاصة على وفق سجلات كبيرة مدوناً فيها أسماءهم.
وكان بيت المعلم زكي طرفي يقع قبالة العلوة جوار مدرسة حليمة السعدية للبنات، ومنها يمتد الى شارع بغداد ومن ثم الى محلة السرية. والجهة الثانية تقود الى علوه الخضروات بدلالها المشهور طارش الحميدي.
وما لا ينسى في ذاكرة فتى يافع في قوة الصورة والموقف هو ما كانت تقوم به زوجة المرحوم زكي طرفي طيب الذكر في مساعدة الجيران، هذه السيدة المناضلة والمكافحة والبطلة التي صمدتْ كثيرا وبقوة في مواجهة صعوبات الحياة بعد ان سجن المرحوم زكي طرفي لسبع سنوات بسبب انتمائه الى الحزب الشيوعي العراقي.
استطاعت هذه الأم ان تربي أبناءها بعزيمة قل نظيرها بعد ان تخلى عنها أقرب الناس اليها، وتمكنت ان تواصل حياتها بغياب المعيل الأول لها.
أتذكر جيدا كانت تعطينا نحن الفتيان الصغار لفات من الخبز والعروك، وتطعمنا بعض الفاكهة، كنا نتفاجأ لأن هذا العمل كانت تقوم به أمهاتنا في البيوت، وكنا نعتبرها أما للجميع، وكلماتها تسري علينا جميعا فكنا نطيعها نحن الفتيان المشاكسون حين نلعب كرة قدم أمام بيتها، كانت تطلب منا ان نبتعد الى الساحة المجاورة فكنا نحترم ما تقوله ونذهب بعيدا.
يا له من زمن حين يمر بخاطري أتمنى أن يعود اليوم، ولكن لا يعود! كانت صورة الأستاذ زكي طرفي واضحة ومجسمة وأنموذجا حسنا وقدوة لنا في المدرسة.
كنت أحد تلاميذه في مدرسة دار السلام الابتدائية التي تحول اسمها فيما بعد الى مدرسة الرصافي. وكانت تربط خالي المعلم مزهر طاهر الذي تجاوز عمره الآن أكثر من ثمانين عاما، علاقة وصداقة حميمة ودائما يمتدحه ويشيد به، لذا كان من المؤيدين له في انتخابات نقابة المعلمين في العمارة بعد ان رشح المعلم زكي طرفي عن قائمة النقابة المهنية للمعلمين بوصفه يساريا.
وفي أحد المرات من عام 1967 كنت في المدرسة فأعطاني المدير رسالة وطلب مني ان أوصلها الى بيت المعلم زكي طرفي باليد، لأنه كان مريضا ولم يداوم في ذلك اليوم. فأخذت الرسالة وطرقت الباب فخرجتْ زوجته أم رعد، بعد ان استفسرتْ مني عن المطلوب فقلت لها ان مدير المدرسة كلفني أن أسلم الرسالة الى المعلم زكي طرفي وتحديدا باليد.
قالت: أنتظر.
وبعد فترة زمنية حوالي خمس دقائق، خرج المعلم زكي طرفي بكامل ملابسه، طبعا استغربت وتساءلت: معقولة ان المعلم زكي طرفي كان مريضا!؟ وبعد رجوعي قلت لخالي المعلم مزهر طاهر، كيف يكون المعلم مريضا وهو يلبس القاط والرباط؟
وبعد يومين أخبرني خالي بعد ان نقل كلامي للمعلم زكي طرفي. فقال: ان المعلم زكي طرفي أراد ان تبقى صورة المعلم في ذهن الطالب كما هي، بمعنى هندام المعلم كما في ذهن التلميذ هو الشكل المثالي بالمظهر الأنيق، ولا يصح أبدا أن يراه التلميذ يلبس الدشداشة. لأن الصورة ستكون مغايرة!.
يا للعجب، هل يعقل هذا الكلام اليوم! أذن هكذا هي صورة المعلم، وهكذا هي التربية الصحيحة لمعلمين أسسوا بلدا على معنى أن يكون المعلم مرشدا ومربيا وإنسانا مثقفاً ومثالاً للأجيال.
2
أم زكي طرفي
نشب خلاف بين عشيرتين في قضاء المجر الكبير التابع الى محافظة ميسان، وأستمر الخلاف لمدة طويلة من الزمن، وتخلل النزاع كثير مشاكل وإطلاق نار ونتج عنه عداوة من دون ان يحل رغم تدخل أطراف كثيرة في شأن الخلاف، ولم يجد له مخرجا بتراضي الأطراف المتنازعة، وأستمر النزاع حتى أثر بشكل سلبي على حركة التجارة والناس في قضاء المجر الكبير.
ولم يكن أمام القيادي في الحزب الشيوعي العراقي الأستاذ زكي طرفي إلا ان يقوم بالمهمة وحده لحل هذا النزاع بوصفه شخصية معروفة ومحترمة عند الجميع، وما يمتلك من رجاحة عقل وقوة شخصية مؤثرة تستطيع ان تفرض نفسها بالحكمة والطيبة والإخلاص والنوايا الطيبة، وما تلاقيه من احترام وتقدير كلامه ورأيه عند الجميع.
فذهب الأستاذ زكي طرفي بنفسه الى قضاء المجر الكبير وجمع الأطراف المتنازعة بعد عمل جلسة عامة بين رؤساء ووجهاء العشيرتين المتنازعين في أحد المضايف المحايدة، وفرش كل الحلول المناسبة والجادة والموضوعية لحل النزاع والتآخي بين الأطراف برضى وتروي وحكمة أنهت نزاع كان لا يحل لو لا تدخل الأستاذ زكي طرفي، حدث هذا الأمر في بداية السبعينيات بجهود الحزب الشيوعي العراقي الذي تميز بالمكانة الاجتماعية العالية بكوادره بين صفوف الجماهير.
الطريف في القصة، أنه بعد حل النزاع بين العشيرتين. قالت أم زكي طرفي طيبة الذكر وبكل صدق وعفوية، قالت: في السابق كنا في ذمة المسلمين، لكن اليوم المسلمون في ذمتنا. ولاقت هذه الكلمة صدى واسعا عند أهل العمارة آنذاك.
……………………………..
نشرتْ في صحيفة طريق الشعب العدد 128 في 19/شباط/2020
صفحة شهادات

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد