سألني أحدهما ذات مرة : _ ماهو مفهومك للحياة؟!

ناريمان حسن
سألني أحدهما ذات مرة :
_ ماهو مفهومك للحياة؟!
كنتُ لحظية جدا، فقلتُ بشكل عشوائي لا مفهوم يذكر لدي أفكرُ الآن فقط كيف أتّحدُ مع ذاتي، عقلي ينحدر نحو اتجاهات كثيرة، مثلا لو أمطرت الآن لحَقنتُ جلدي بقرصِ موسيقى وطفتُ حول نفسي إلى أن أقع مغشيا علي ، أو أني أرغب الآن أن نخرج من هُنا ونذهب إلى أرجوحة الحي المقابل فاصحابها قد رقدوا للنوم الأن، سنشكل مشهداً رائعاً
وننقش على ظليْنا أغنية ونبعثر رمل المكان ثم نجمعه على هيئة قصيدة ، هل تعلم أن الحياة هي كل شيء غير مسموح لنا فعله الآن .. في التفاصيل التي لا تذكر.. في الجنون المبرح .. والخروج من المعتاد إلى الذات الأعلى ..
كانت عقارب الساعة تشيرُ إلى الحادية عشر، جالسين سوياً في غرفة معتمة على ضوء فانوس خافت ، كانت الحرب في بداياتها آنذاك وكثيرا مانقضي ليالي طويلة على ضوء شمعة أو نُسْرِّج فتيل الروح اذا لم نجد ما يبدد العتمة ، كان برفقتنا فتاتين وشاب من العائلة إحداهنّ مشغولة بمحادثة ساخنة ، إما الأخرون كانوا شبه يقظين، عادةً ماكانت تسرقنا الساعات ونحن نلعب “الورق” في ليالي الشتاء الطويلة
كنا نتهامس بصوت خفيض خشية من إزعاج أي منهم، أشار إلي بأصابعه المدججة بالشوق ، وقال ببحة خفيضة فلنخرج الأن _سألته: _ إلى أين وفي هذا الوقت ؟
قالها سريعاً ألا تثقين بي ! لنخرج الآن فحسب! حملتُ معطفي سريعاً، وهو أيضاً مضى كذلك تاركا ولاعته وعلبة السجائر”، خرجنا من باب المنزل ببطء، ولم نغلقه بالكامل تحسباً لعودتنا ربما يسرقنا المكان هناك فنعودا متأخرين
السماء كانت غائمة، الدخان يتصاعد من أفواهنا من شدة البرد، كقطعٍ من غيم يغلفها الياسمين ، وهنالك زخات صغيرة من المطر، تلاحقنا وألاحقه ببطىء دون أن أهمس حرفا، فجأة توقف في منتصف الزقاق رافعا رأسه إلى السماء مغمضا عينيه، توقفت أيضاً بالقرب منه، شعرت به يحاول معايشة ذاك الاتحاد الذي ذكرته، مزيج من البهجة الفائقة والحزن المتردد ، كأنها محاولته الأولى للخروج من المعتاد، قال لي وهو مايزال على موضعه :
_ حلمتُ طويلاً بهذه اللحظة، أتعلمين ماهو أعظم شعور تعايشه في هذا العمر وهو يفتح عينيه ببطىء وينظر إلي؟
أن تتنفس الليل، وهذه الأجواء، ومحبوبتك في آن واحد، أن تستنشق رائحتها الممزوجة بالدفء، الطفلة التي تفوح منها رائحة الأرض بعد المطر، رائحة اللامعقول المنتشي على صدر العادات والتقاليد، رائحة الرسائل المتروكة على الطرقات
لغته كانت شاعرية رغم أننا لم نكن نقرأ الشعر، كانت به جرأة طاغية رغم عدم هوسنا بالأبطال، جدير بعواطفه رغم أننا لم نكن نعرف عن العواطف إلا القليل فقط…
مدّ يديه إلي ببطىء وبه رهبة واضحة من ألا أمد أصابعي المختبئة بشدة داخل المعطف إليه، رهبة من أن يستيقظ الجنون المختبىء في داخلي، رهبة من الهباء، وعودة مكللة بالألم بعد الأن، وجدته يتضرع إلي لاحتضان هذا القهر!
” نعم قهر .. كل حب لا يصان قهر.. كل عاطفة تخيب قهر كل موعد لا يتم قهر..هو قهر يقظ إلى الأبد “
مددت يدي إليه مختصرة الطريق أمامه طفنا حول ذواتنا على شكل دائري مغمضين أعيننا ، الطقس متضامن معنا حكاية حُب دافئة.. تصوف، جنون، ودفءٌ ومطر…
توقف لبرهة أخذني بين أحضانه طويلا، سحبني من يداي وهرولنا في الأزقة وصولاً للأرجوحة، جلسنا متقابلين نجس نبض الليل بنظرات تنزلق لتوها من مخاض شرس، نأرجحُ طفولة بأكملها، نأرجح لعبة الغميضة التي تشاركناها ملياً، نأرجح لحظاتٍ لا عنوان لها ولا تأويل، نأرجح الحب في مهده، ونترك الموت ساعة في قعره…
لم نرغب في إيقاف هذه الدوارة التي لا مثيل لها لولا خروج صاحب الأرجوحة من المنزل فصاح بنا قائلاً : يا أولاد الكلب، لعنكم الله وهو يجثو لالتقاط الأحجار ليرمينا بها، سريعاً جدا حدث ذلك سحبني من يداي وعدنا نهرول مجددا ونحن نقهقه بأصوات عالية … قائلاً لا كلاب تنبح الآن عداك أنتَ
عدنا بعد ذلك. كان الجميع نياماً، لا صوت صادر لأحد، لا أتهامات نرمى بها، لا كلمات جارحة، كانوا نياماً …
بينما ولد حبنا في العراء متدفقا يقظاً لا مهد يأويه، ولا سرير .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد