ذكريات ولد كوردي (الدَين و القرض) 37

جمشيد ابراهيم

الدَين و القرض كلمات تلاحقني منذ الصغر. اتذكر و نحن في بيتنا الطيني الجديد كيف ان والدي (معلم مدرسة ابتدائية) الذي ارهق نفسه ماليا ببناء بيت بسيط من الطين لان راتبه الشهري رغم زيادته بفضل الغبن في زمن عبدالكريم قاسم في العراق لم يكف لتحمل تكاليف بناء البيت – اتذكر كيف انه كان يائسا لا يعرف كيف يسدد الديون و ليأسه بدأ بتهديدنا (والدتي و اخواني الجالسين حول مدفأة الحطب في يوم من ايام الشتاء البارد) بضرب المدفأة برجليه و حرق البيت معنا – لا اعرف كيف انتهى اليوم لنجده في اليوم التالي بعد الدوام و بعد قضاء بعض الوقت في السوق يصل البيت و هو يضحك و يقول لوالدتي بان السماء بدأت تمطر خيرا و سرعان ما كشف سر فرحته بان ابن خاله الذي كان يملك چايخانة (محل شرب الشاي) اقرضه 100 دينار.

الدِين دَين
المعنى الاولي لكلمة (الدَين) هو الطاعة و الخضوع و الخدمة كعبد من العبيد او اصبح عبدا للاسلام (دان بالاسلام) اما (القرض) فان المعنى الاولي هو قطع جزء من شيء ما كالقماش و الخبز على طريقة الجرذان و الفئران – و كان والدي يشتري مواد غذائية بالقرض (يكتب البائع اسمه و مبلغ القرض لبداية الشهر الجديد) و في نفس الوقت اصبح الدَين جزء من الدِين و عند سماع القرآن بصوت عبدالباسط عبد الصمد اتذكر كيف كانت والدتي تقول لي باننا ندين للرب بالصلاة و الصوم و الزكاة و هناك ما يقدمه و يؤخره الانسان و كيف ان الله يعاقب الذي لا يفي بديونه بنار الجهنم و هنا حسيت باننا لسنا فقط تحت رحمة الديون العقارية لا بل ان الله ايضا يرفع مطرقته للذي لا يفي بديونه.

الدَين العائلي
و في عمر المراهقة تعرفت على ديون المهر و الزواج و المقدمة و المؤخرة و كلما زاد جمال المخطوبة زاد مهرها و حالما بدأت بدراستي الجامعية بدأ والدي يتكلم عن ديون الابن للوالدين: ابني والدتك و والدك تعبوا على تربيتك سنوات طويلة و انت مديون لنا بتسديدد هذه الديون طالما نحن على قيد الحياة و فعلا و حالما بدأت حياتي المهنية كمدرس اللغة الانجليزية في المدارس الاعدادية خصصت جزء من راتبي الشهري لتسديد ديون الوالدين.

و عندما بدأت الحرب العراقية الايرانية و الحصار (البعثي الجائر) و انا في الخارج بدأت حقبة جديدة لتسديد ديون العائلة بأكملها و لمدة 17 سنة و لم تكن المشكلة في تسديد الديون بقدر ايجاد طريقة امينة لارسال المبالغ كل ثلاثة اشهر. تحولت هنا الى مستأجر شقة و بدأت اكره رب العمل و المؤجر و اخيرا وقعت انا ايضا في ديون المصاريف العقارية بعد شراء بيت و التخلص نهائيا من ديون الله و العائلة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد