دكتاتورية الاحزاب الامريكية

الدكتور زاحم محمد الشهيلي

دكتاتورية الاحزاب الامريكية  

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي

جرى التقليد في انتخابات الرئاسة الامريكية، بعد عام 1860 تقريبا، ان تقام العملية الديمقراطية على اساس “نظام الثنائية الحزبية”، الذي فتح الباب لاحقا امام هيمنة الحزبين الرئيسيين الجمهوري والديمقراطي على الانتخابات الامريكية، بعد اندثار الاحزاب الاخرى المنافسة لهما، حيث كان الولاء الشعبي، منذ ذلك الحين ولحد الان، متوارثاً للشخصيات السياسية المؤثرة في الأحزاب من اصحاب الشركات ورؤوس الاموال، وليس لقضايا الجمهورية الأمريكية. ولم يكن الصراع السياسي على السلطة اليوم بين (ترامب) و(بايدن) وانصارهما للظفر بكرسي البيت الابيض وليدا للصدفة، وانما امسى متجذرا في تاريخ الأحزاب الامريكية منذ ان أُقتُرِحَتْ ورقة الدستور الفدرالية عام ١٧٨٧ فصاعدا.

حيث اصبحت الاحزاب الرئيسية خالية من تمثيل الطبقة الفقيرة لخلوها من الشخصيات المؤثرة في الساحة السياسية والاقتصادية والثقافية، وتمثلت فيها بقوة الشخصيات من الطبقة البرجوازية والطبقة الغنية، التي اضحى يتحكم بمقودها اللوبي الصهيوني السياسي والاقتصادي والإعلامي ويوجهها حيثما يشاء، بعد تحول ميزان القوى الدولية ابان الحرب العالمية الثانية من بريطانيا وأوروبا الى الولايات المتحدة الامريكية المنتصر في الحرب، ليؤسس الساسة الامريكان عالما ليس فيه مكان لله والأديان والقيم والإنسانية، عالما خاصا يستطيعون من خلاله الوصول الى سدة الحكم بسهولة، لان المعايير الاخلاقية لا تحكم اليوم، حسب وجهة نظرهم، وإنما الذي يحكم هي المصالح، اما الديمقراطية وحقوق الانسان وإرساء السلام في العالم ماهيَّ الا شعارات واهية تطلقها الادارة الأمريكية وتستخدمها شماعة لتبرير تدخلها في شؤون الدول وتدميرها بقسوة.

ان هذا النهج فسحَ المجال أمام الشخصيات الامريكية الانتهازية المصابة بجنون العظمة، ولا تمتلك المشاعر والأحاسيس، للوصول الى سدة الحكم، لتقوم بممارسة سياسة الارض المحروقة في الخارج، التي كلفت الشعوب الكثير من الدماء، بعد مقتل الملايين من البشر غير المأسوف عليهم، دون مراعاة لمصالح الشعب الامريكي الاقتصادية خارج القارة. ولم يكتف الرؤساء الامريكان واللوبيات المحركة لهما بهذا القدر من الخراب والدمار العالمي، وانما دأبوا في الاونة الاخيرة على اثارة النعرات الدينية والقومية ونشر الكراهية في العالم، بحيث انعكس نهجهما السياسي المتشدد سلبا على الوضع العام الدولي والوضع الداخلي الأمريكي، الذي تغذيه العنصرية والأحقاد التاريخية المقيتة بين السود والبيض، وينذر بخطر تقسيم الامبراطورية الامريكية الى دويلات قائمة على الصراع فيما بينها، كمحصلة نهائية لسياسة الحزبين الأمريكيين الجمهوري والديمقراطي، اللذان يتربعان على عرش السلطة في البيت الابيض دون منافس، ويراهنان في سباقهما السياسي على الانقسام المجتمعي للجمهورية الامريكية منذ سنين طويلة، ليؤسسوا بذلك الى دكتاتورية الاحزاب اللاشعورية المُحيّدة للمنافسين.

ولم تشهد الانتخابات “الديمقراطية” للرئاسة الامريكية ظهور حزب ثالث منافس لهذين الحزبين او شخصيات من طبقات اجتماعية دنيا كقوة حقيقية منافسة في الحراك السياسي الديمقراطي لمرشحي “الحزب الجمهوري” – حزب الاغنياء “الصقور”- و”الحزب الديمقراطي”- حزب البرجوازيين “الحمائم”- كما يسمونهم، مما ادى الى بلورة شخصية دكتاتورية الحزبين الحاكمين في الهيمنة على المشهد السياسي الامريكي، التي قادت في نهاية المطاف الى توسيع هوة الانقسام بين مكونات المجتمع الامريكي، واثارة الكراهية والنعرات العنصرية والقومية المهددة لاستقرار وكيان الدولة السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وتعد الحروب التي قادتها وتقودها امريكا خارج حدودها، ويدفع ثمنها الفقراء الامريكان من دماء ابناءهم، حروباً بالإنابة، لم تصب يوما ما في مصلحة الشعب الامريكي سوى التباهي بالهيمنة الامريكية على العالم كماكنة حربية مجنونة لا تقهر، بدليل انها لم تجلب الاستثمارات وتوفر فرص العمل للشعب الأمريكي، وإنما جلبت له الموت والويلات وكراهية الشعوب في العالم، فلم توجد استثمارات امريكية حقيقية في الشرق الاوسط منذ عام ١٩٥٢ لحد الان، لان همهم الوحيد هو احتلال البلدان وقتل شعوبها ومصادرة ثرواتها، مقارنة بترليونات الدولارات التي كلفت الخزينة الامريكية لإقامة الحروب المدمرة، التي قادها الساسة الامريكان في اليابان وفيتنام والكوريتين وكوبا وأفغانستان والعراق وسورية واليمن وليبيا والسودان وغيرها من الدول تحت مسميات الديمقراطية وشعار: “لكي تبقى الاقوى عليك ان تضعف الجميع”.

فحين تعمل مصانع السلاح وشركات النفط لا يعني الساسة الامريكان من سيموت او يُقتل، على عكس ما تقوم به الصين من غزو اقتصادي استثماري عالمي مرحبا به من قبل الجميع، الامر الذي جعل الاصوات الامريكية تتعالى حاليا بإنهاء تلك الحروب والعودة الى البلد الأم، بعد ان تزايد الاحساس لدى المعنيين في امريكا حين داهمهم الخطر، من بينهم وزير الدفاع الامريكي بالوكالة (كريس ميللر) الذي قال: (حان الوقت للانسحاب من الشرق الاوسط…)، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار، ان الاقتصاد الامريكي قائم على طباعة العملة بدون رصيد من عملة الذهب، وان قوته الحقيقية تكمن في التداول العالمي لعملة الدولار فقط، وهذا الامر سيكون محفوف بالمخاطر في المستقبل في حال انهيار الامبراطورية الامريكية المرتقب، وتحولها الى دويلات متصارعة فيما بينها كما أسلفنا، او احتمالية انهيار الاقتصاد الامريكي نتيجة الازمات الاقتصادية التي تعصف بالعالم بشكل عام.

فاليوم يخرج الامريكان كالمجانين في الشوارع حالهم حال الشعوب الاخرى المنكوبة من قبل السياسة الامريكية الدولية، السود منهم والبيض والقوميات الاخرى، ليمزقوا العلم الأمريكي، ويحطموا واجهات المحال التجارية، ويسرقوا محتوياتها، ويقتل بعضهم البعض دون شعور بالمسؤولية والولاء الوطني، وإنما فقط للتعبير عن عنصريتهم المتجذرة، التي لم يعمل الساسة الامريكان على استئصالها من تفكير الناس بسبب انها مصدرا لديمومة دكتاتورية أحزابهم، او حرصا منهم لمناصرة احد مرشحي الحزبين المتحكمين بمصائرهم ومستقبل بلادهم، والخادمين لمصالح الاغنياء واللوبي اليهودي، دون النظر بعمق الى مصلحتهم الخاصة ومصلحة امريكا العليا كدولة عظمى، حيث يعد ذلك امرا طبيعيا حين يوصل النظام السياسي القائم شعبه الى هذا المستوى من التفكير والثقافة العدائية والتخريبية، التي تذهب بالدولة الى المجهول والانهيار والتفكك، وكأن هذه الامبراطورية العظيمة او تلك الدولة القائمة لم تعد قائمة بالأصل، وتصبح محط سخرية للآخرين.

يتضح مما تقدم، وبعد التشكيك بنزاهة انتخابات الرئاسة الامريكية لعام 2020، بأن الديمقراطية الامريكية لم تعد اولى الديمقراطيات في العالم، وان الطموح الدكتاتوري للحزبين “الجمهوري” و”الديمقراطي” لا يتعدى أكثر من رغبة الساسة في البقاء اطول فترة ممكنة بالسلطة لحكم امريكا والتحكم بمصير شعبها “قسرا”، بهدف زيادة ثروة الاغنياء، وتحقيق رغبات اللوبي الصهيوني الداعم لهم إعلاميا، والذي أضحى، منذ نعومة أظافره، يتحكم بحبال الادارة الامريكية ويوجهها حيثما يشاء سياسيا واقتصاديا وإعلاميا ودينيا لصالح اليهود الصهاينة في العالم. فهل ستكون دكتاتورية الحزبين الحاكمين الجمهوري والديمقراطي سببا رئيسيا في انهيار وتدمير الامبراطورية الرابعة والعالم بأسره في المستقبل، أم انه سيكون للشعب الأمريكي رأي آخر للخروج من كابوس دكتاتورية الحزبين الحاكمين، التي تدق ناقوس الخطر، الذي صار يهدد الكيان الامريكي والعالمي بالخراب والدمار؟

27-11-2020

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد