قراءة في قصة – الحاجة رابعة لوبيز – للروائي والقاص المغربي مصطفى بوينيان

زكية خيرهم

يقول الجاخظ : “الأفكار ملقاة على قارعة الطريق، المهم كيف تتناولها”. وهذه القصة بعنوان”الحاجة رابعة لوبيز” للكاتب المغربي “مصطفى بوينيان ” استوحاها من مشاركة الفنانة الأمريكية ” جنيفر لوبيز” في مهرجان موازين وهاجمها اسلاميو العدالة والتنمية لظهورها بلباس فاضخ. فرسم الكاتب نصّيا شخصية الفنانة لوبيز المركزية الذي سيصبح اسمها”الحاجة رابعة لوبيز”. رسمها بأسلوب معرفي وبمنطق وطرح للأحداث اثناء تحركها في البعدين الزماني والمكاني، الى جانب خبرته الإنسانية في مجال السرد محدثا تراكما معرفيا وانسانيا. في بداية القصة يظهر الكاتب حياة الفنانة المشهورة في بيتها بهليود. يعيش القارئ المشهد وكأنه يشاهد فيلما لحياة الفنانة. تم تتلقى رسالة عن طريق محاميها الذي يخبرها بوجوب السفر الى المغرب. حين وصولها تتفاجأ بوضعها في سيارة الشرطة واقتيادها للتحقيق معها بسبب ظهورها في مهرجان موازين بلباس فاضح ومخل للحياء. تتفاجأ بطلة القصة أنها ارسلت قسرا من وطنها تلبية لطلب حكومة المغرب لها لمحاكمتها وزجها بالسجن. لتبدأ حياتها هناك غير مصدقة أو قابلة الوضع كأي سجين في ايامه الاولى بالسجن. مشمئزة من وساخة الغرفة ومن الطعام الى ان تتستلم كغيرها لمصيرها داخل السجن. عادة ما تسلط القصة القصيرة الضوء على احداث تصبّ في فكرة واحدة وتعالج بداية النص الى نهايته. لكن، في هذه القصة يجد القارئ نفسه أمام أحداث كثيرة ومحطات تستوقفه. تترك بطلة القصة ” الحاجة رابعة لوبيز” وراءها الشهرة والثروة وتدخل في حالة تأمل بعد مرافقتها للشابة عائشة التي كانت تعاملها باحترام عكس الشابة الضخمة والشديدة السمرة والمغطاة بوشوم على ذراعيها ، الملقبة ب”تايسون” لكونها تشبهه. شخصية عائشة سُجنت ظلما، مُتهمة بالارهاب والانتماء الى منظمة متطرفة. هي شخصية مثقفة بأحاسيس رهيفة ومعاملة انسانية راقية، تختلف تماما عن شخصية الشابة “تايوسن” المتسلطة، الجافة المشاعر، الحقودة، السحاقية التي تنشر استبدادها داخل السجن، وتعتدي على كل من اعترض طريقها. يتبعنها مجموعة من السجينات يحتمين بها ويخدمنها. تبدأ حكاية “الحاجة رابعة لوبيو” مع رفيقة السجن “عائشة” الطيبة والمثقفة الخلوقة وتتكلم اللغة الانجليزية بطلاقة. حوار بسيط يدور بينهما مع اختلاف الرؤى الذي أغنى نقاشهما احيانا وقيّم الاختلاف أحيانا أخرى. وفي الحوار سيتعرفان على كليهما وسبب كل واحدة في دخولها للسجن. ببراعة رسام مبدع استطاع الروائي والقاص ” مصطف بوينيان” أن يرسم صورة المجتمع بجزئياته المرئية واللامرئية من خلال حوار الشخصيتين في القصة، عن مجتمع يطغى فيه الظلم وازدواجية الضمير، وتصنع الأخلاق والرياء بأسلوب الكوميديا السوداء، مستعملا كلمات او جملا بالدارجة المغربية، لايمكن الا وان يضحك القارئء المغربي ملء فيه. القاضي الذي حكم عليها، يخرج من درج مكتبه صورة لفتاة لفتاة في حوالي السابعة عشرة من عمرها. أنها ابنتي ريم وهي معجبة بك كثيرا، ستكون سعيدة جدا لو تفضلت بإهدائها توقيها.
في مشادة مع حارسة السجن.
” لم تفهم الحارسة ما كانت ترطن به جينيفير لوبيز ولكنها خمنت من نبرتها وملامحها أنها كانت تشتمها فاستشاطت غضبا، وزعقت فيها وهي تدفعها بفظاظة:
– _ مال أمك كتغوتي علي، سكتي ولا غادي نهرس لك هداك الدلقوش. ياالله زيدي قدامي، هاي هاي، بالزعط إلا كنت ميريكانية، اسيادك ولالياتك ودخلوا للحبس.
في مشادة مع السجينة تايسن:
– _ هل أنت صماء ؟ سألتك لماذا سجنوك؟
– _ إنها ﯕاورية، قالت فتاة كانت تجلس على مقربة من جينيفير لوبيز.
– _ آه ﯕاورية، قالت تايزن، ما بايناش عليها، عندها كمارة بحال ديال العرب. علاش شدوها؟
– قالت احدى السجينات:
– _ هاديك راها مغنية ميريكانية مشهورة.
– _ أردفت سجينة أخرى:
– _ شدوها حيت غنات عريانة فداك المهرجان ديال الرباط.
– ولولت إحدى الفتاتين اللتان كانتا ترافقان تايزن وصاحت مخاطبة جينيفير لوبيز:
– _ ما حشمتيش يا القردة الماسخة؟ مالك كنت سكرانة ولا شامة الغبرة؟
بحبكة أدبية وببراعة كاتب محترف استطاع الكاتب قطع رتابة الحكاية وتنويع الخطاب لتضمين ايحاءات تخوّل للقارئ أن يعيش الحالة للشخصية وعن ميولاته الفكرية. وعيش البيئة المصورة باسلوب وكأنه سيناريو لفيلم يرى القارئ امام عينيه الاحداث والاشخاص والاماكن وكأنه أمام فيلم هوليودي. كما استطاع أن يصور تركيبة المجتمع – ازدزاجية الأخلاق – فساد السياسيين – غباء الاسلاميين المتشددين – التعمية الاعلامية – المؤامرات- التهميش – الاحتقار – الظلم – والفساد بشتى انواعه الذي يتمثل في السلطة التي تجعل النتجية اضمحلال القيم وتكالب الطغاة. وتصوير الازدواجية الاخلاقية على لسان مواطن فرنسي أقام في المغرب سنوات عديدة. يقول: ” رغم أني عشت في المغرب سنين طويلة إلا أنني لم أستطع فهم عقلية المغاربة، ولا أعتقد أن أحدا يستطيع ذلك، وأتحدى علماء الأنثربولوجيا أوالسوسيولوجيا أوالإثنولوجيا أوالسيكولوجيا أو ما شئتم من العلوم أن يفهموا كيف يفكر المغاربة ولأي منطق يخضع سلوكهم. لقد أمضيت أكثر من عشرين سنة بهذا البلد أُدرس بإحدى الجامعات، حاولت خلالها فهم سيكلوجية هذا الشعب ولكنني عجزت عن ذلك، مع أنني بصفتي أستاذا جامعيا كنت أعاشر أناسا ينتمون إلى النخبة المثقفة يفترض أن يكون لديهم حد أدنى من المنطق والعقلانية. أما محاولة فهم المغاربة من خلال سلوك عامة الشعب وغوغائه ورعاعه فإنها مغامرة قد تؤدي إلى الجنون. إن معظم المغاربة مضطربون في فكرهم، لا يستقرون على رأي ولا على مبدأ. والإنسان المغربي ” الهومو ماروكانوس” كائن عجيب له عدة رؤوس، فهو مثلا حين يكون حائرا بين أمرين يقول لك : ” رأس يقول لي أن أفعل كذا، ورأس آخر يقول لي أن أفعل كذا..” وهو في النهاية يفعل في الغالب شيئا لم يقله له لا الرأس الأول ولا الرأس الثاني، ما يدل على أن هناك رؤوسا أخرى تنمو له عند الضرورة. استطاع ” مصطفى بوينيان” أن يضفي لمسة ابداعية هامة في هذه الحكاية السردية على المستوى الفني والحبكة القصصية وتمكنه من السرد السهل الممتنع في بناء هذه القصة ” اللوحة الجميلة” لثراء الافكار التي طرحها والتي يمكن ان تكون مفتوحة على قراءات كثيرة لغوية، سيميائية، اجتماعية ونفسية.

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد