مابعد محمد وماركس؟/ 3

latifa_aldlimy

مابعد محمد وماركس؟/ 3
عبدالاميرالركابي
يعيش العقل البشري حالة من التوقف دون تحديين: ابرزهما والأكثر حضورا من بينهما، التوقف دون الظاهرة الحديثة الغربية، والياتها، ومسارات حركتها، ومحطات تطورها المحالة الى بنيتها الحقيقية، والثانية تاريخية ملازمة أصلا لعلاقة العقل بالظاهرة المجتمعية، والحالتان العامة والجزئية، خاضعتان لدلالة استحالة وعي الظاهرة المجتمعية من دون او قبل عيشها،الامر الذي يتجاوز طاقة العقل وطريقة اشتغاله، واليات تصيّره. والمفترض اجمالا وعموما ان الإشكالية الكبرى الباقية بلا حل، هي تلك الاساسية التكونية والاصل، كذلك الحل او لحظة انتهاء المفارقة المجتمعية العقلية، وافتراض كونها لحظة انتهاء وختام لتاريخ من التصير المجتمعي العقلي، هو الاخر عام غير محدد التفاصيل من حيث : كيف ومتى؟ وضمن اية اشتراطات ستحدث القفزة الكبرى، ويتمكن العقل أخيرا من الارتقاء لحد ادراك الظاهرة التي تحتوية ويعيش ضمنها وفي كنفها، وفي غمرة وحركة الياتها.
فهل من لحظة متوقعة ومنتظرة في التاريخ، لها مواصفات احتدام الأسباب والعوامل المتراكة المصطرعة على مستوى مجمل الوجود المجتمعي، وظاهرة الحياة البشرية، وتجمعها وتناقضها الأقصى، قبل انبلاجها المدوى الأكبر، وانفتاح بوابتها المقفلة العظمى؟ لاشك ان عتبة الصعود الغربي البرجوازي الالي الحديث، ومامثلته ونتج عنها وحققته في الميادين كافة، هي مما لاسابق له، وهو بلا شك جدير بان يوضع بمقابل كل الخبرة البشرية السابقة، كقفزة غير عادية، تنطوي بذاتها على ذهابها الكبير الى الامام، كما الى قصورها الموروث الكامن، او المتاتي من القاعدة الأساس، فالظاهرة الحديثة الغربية تتحقق خاضعة لقانون استحالة ادراك المجتمعية قبل عيشها، بما هي كذات، وكجزء من حال عام، وخضوعا لقاعدة تفارق عقلي مجتمعي ثابته، ميزت وتميز الظاهرة المجتمعية / العقلية منذ ابتداء تبلورها الى اليوم.
في مثل هذا التبويب المتداخل، لامجال للخلط بين الأولويات ومادونها من حيث كون المقصود والمطلوب والمستهدف من الحركة التاريخية، هو حل معضلة التفارقية الأساس، وان حل التفارقية الجزئية الاوربية الحالية المعاشة راهنا، هو حل يدرج الجزء في الكل العام الشامل، ويعيد الحاقه به، هذا مع العلم ان الظاهرة الغربيه المنوه عنها، تحدث في وقت لايكون العقل فيها قد اقترب من حل المعضلة الأساس، بقدر ماانه قد بدأ ملامستها من بعيد، وكل ذلك لايمنع منح هذه الظاهرة قوة الفعالية، والقرب من المطلقية، خصوصا مع تعدد المنجزات المواكبة لها، والناتجة عنها، فماركسية ماركس الطبقية، يمكن ان تتحول الى منظور ايماني ونهائي، وكذلك الحال مع فرويد، الذي اقتحم عالم النفس، من دون ان يخطر له حال التفارق بين العقل والجسد في التكوين الانسايواني، او ينتبه الى انه انما يتحدث عن مكونين مختلفين طبيعة في جسد، لا عن” وحدة جسديه”، من الطبيعي ان يظهر مايدل على افتراق مكونيها خصوصا اثتاء غياب احدهما، او تناقص فعاليته كما يحدث في الاحلام، والشيء نفسه ينطبق على دارون ورؤيته النشوئية الارتقائية، التي تعتقد جازمة، ان العضو البشري بلغ قمة تطوره ونهايته، مايؤدي الى قصور،مصدره مرة أخرى وتكرار الايمان بالاحادية الجسدية/ بحيث يبدو من المستحيل على العبقرية الدارونية ان تتخيل احتمالية “نشوئية عقلية”، لاحقة على “النشوئية الحيوانية”، وقد قام بمتابعتها،ولاحق مراحل تحوليتها، وصولا الى الازدواج العقلي الجسدي، الذي لم يدرك بسبب حدود احاديته، فغاب معناه وطبيعته، وكذا الامر مع ماركس وانجلز، اللذين يتوقفان بالظاهرة المستجده عند “الصراع الطبقي”، وفعل الطبقات، ولاشيء غيرها، في اللحظة التي تكون هذه التي هي اختصاص مكاني اوربي فقط لاغير، قد قاربت مع ظهور الالة، على الزوال كقانون.
وتبقى بعد هذا مسالة لابد ان تكون ابعد بكثير عن الإحاطة، وبالاصل عن موضوعات المعالجة والاهتمام، تلك هي مسالة واحتمالية ” المجتمع/ الفكرة” ومدى وكيفيات تحققها في الطور الانقلابي الأوربي، ولابد قبلا من ان لاننسى الأهمية الخاصة تاريخيا للحدث الانقلابي الجاري التنويه به، فاوربا الحديثة هي قمة غير عادية، اذا ماقيست بحساب واعتبار نهايات وقمة ممكنات الأحادية المجتمعية، وذروة تحققها، في الجزء او الموضع من العالم الأحادي الأعلى والارفع دينامية، لانشطاريته الطبقية بنيويا، وفعاليته العائدة لمستوى انشطاريته، الامر الذي يضعها على حافة نهاية التاريخ الأحادي، وسطوته المفهومية والنموذجيه التي كتب على المجتمعية ان تقع تحت وطاتها، خلال وطيلة الزمن الذي يكون العقل ابانه، وخلاله، قاصرا وعاجزا مايزال عن الإحاطة بالظاهرة المجتمعية، عدا عن الكشف عن مكنونها التحولي، الامر الذي يضع اللحظة الجاري التعرض لها بمصاف العتبة الانتقالية الكبرى، مع كل مايحيط بمثل هذا الحدث التاريخي الفاصل من الق وقوة حضور، مع مايولده من سطوة واثرعلى الاخرين ماحق، من الصعب التحرر من وطاته، الامر الذي يشمل المعمورة كلها ولزمن ليس بالقصير.
وفي وضع كهذا لايتوقع على سبيل المثال، قبول انبثاق مايتعدى متاحات مثل هذا الحدث وممكناته التفكرية النموذجية، بحيث يطرا على البال فرع معرفي، خاص بالانكباب على ظاهرة “الفكرة/ المجتمع” ولا حتى بمناسبات دالة، مثل ثورة أكتوبر الروسيه، او بعض تجليات الظاهرة الامريكية والامبراطورية المفقسة خارج رحم التاريخ، هذا مع ان الامر كان من الممكن ان يكون واردا بالقياس الى المدى الذي ذهب اليه العقل، ومختلف اشكال الكشف المتصله بنشاطه في الطبيعة والكائن البشري ووتطور الوسائل والممكنات، انما مع حضور حدود ماتتيحه “الأحادية”، فلم تطرا على البال والحالة هذه، والى اليوم، فكرة من نوع المجتمعية/ الفكرة في التاريخ، ومع كل الجهود البحثية والتنقيبية وراء الحضارات الأولى، ظل موضوع ” بناء مملكة الله على الأرض” مبعدا عن ذاته كمنهجية وخيار، ربما يكون الأكبر او الأكثر تطابقا وانسجاما مع اليات التاريخ والكينونة البشرية والمجتمعية، وإذ قُرات او جرى تناول فرع ” الديانات”، و حضور ” الالهه”، فان الامر يحال عادة الى الحيز الديني، باعتباره المنفى الأحادي الإضافي للمنفى الأصلي الذي واكب تاريخيه المجتمعية التي لاتتجسد ارضويا، المجتمعية، الفكرة كخيار اكبر واعظم، بمقابل الخيار الارضوي الأحادي.
تنشا المجتمعات وتتبلور ازدواجا،من ارضوية قائمه على التمايز والتملك، ولا ارضوية متعذر تجسدها ارضويا، أساس كينونتها وتشكلها، “العيش على حافة الفناء” واستحالة انتاج التمايزات والدولة المنفصلة، مايجعل مسالة تحققها منوطة بالسماْء كموضع بديل مطابق، وبالفكرة بدل الأرض والمجتمعية التمايزية، والدولة القاهرة، الامر الذي يتجلي ابتداءفي بؤرة الازدواج الرافدينيه، ليمتد الى المجتمعات كلها بتدرجات ومستويات، بالاخص منذ اكتمال تجلي البناء المفهومي “التوراتي”، وبالذات في نموذج المجتمع/ الفكرة الجزيري القراني المحمدي، ذروة تجلي المجتمعية التي لاتتجسد ارضويا، بعد محاولة تجل وقراءتين أولى وثانية، كانتا تفتقران للاساس البنيوي الضروري، وتركزتا على البناء المفهومي أولا مع اليهودية الموسوية، وعلى نموذج الانسان الاله، كشكل اختراق للمجتمعية من دون بنية مساعدة, الامر الذي تحقق في حالة الثورة الجزيرية في مجتمع اللادولة الأحادي المختنق، المحكوم لاقتصاد الغزو.
تبدا المجتمعية غير القابلة للتجسد ارضويا وتمايزيا، واقعا غيرممكن التجسد، يتشكل كفكرة بلا ممكنات تحقق، او مايقرب من التحقق البنيوي، وتنتهي بالتحقق ارتكازا الى نمط بنيه استثنائي فريد في صنفه، مثله في الفرادة مثل الغرب المنشطر طبقيا ضمن صنفه من حيت مستوى الدينامية والفعاليه، ماقد حدث للمرة الأولى والوحيده غير القابلة للتكرار، فحقق مهمات مؤقته كبرى، انعكست متغيرات وتحولات من صنفها، بالاخص من ناحية الاسهام في تحرير الاليات الإمبراطورية الازدواجية الرافيدينيه، وتخليصها من وطاه وثقل الاحتلال الفارسي.
هذا الصنف من المجتمعية، مع ان تحققه التاريخي لم يكن في وارد نهضة الغرب، ولادخل ضمن قاموسها التفكري، الا انه لم يكن غائبا ولا معدوما ضمن تضاعيفها، ومع المبالغة في التاريخانية العلموية، واسباغ وجهة وحيدة على منجز الغرب ودلالة نهضته في التاريخ، الا ان حالات تمظهر اشكال، او الحضور المستمر في التفاعليه داخل الاحادية الغربيه، لم تكن بعيدة عن تجليات الفكرة/ المجتمع، بينما كادت الالة نفسها تزكي مثل هذا الحضور في الحالة الروسية عام ،1917 كما في الحالة الامريكية التي بنيت على “فكرة”، من دون مجتمع متبلورتاريخيا، حينما كان البيوريتانيون يرفعون وهم على سواحل القارة الجديدة، شعار “سنبني مدينة على جبل ” التوراتي الابراهيمي، ومازال الامريكيون يفعلون الى اليوم باحثين عن مخرج من المازق الذي وضعوا فيه بتكريس الخيار “الراسمالي”، ومباديء الثورة البرجوازية الاوربيه/ الفرنسيه معدلة.
كل هذه في الخلاصة قد ترجم على الأرض، الى ظاهرة هامة كبرة غربية حديثة عقلانية و”مادية”، و” طبقية ليست طويلة الأمد، انتهت مع طلائع القرن العشرين، وافلت عند منتصفه مع الحرب الثانية، لصالح كيانية مفقسه خارج رحم التاريخ، هي بمثابة، وتنظر الى نفسها كامة/ فكرة( ” امة مختارة” لها دعوة بيّنه، وهي تسير الى مصيرها برعاية الله. ويستعين هذا القول بصور من العهد القديم مثل “ارض الميعاد” التي ورد ذكرها في عظة يسوع المسيح الكبرى، حسب انجيل متي القائل: ” انتم نور العالم. لاتخفى مدينة موضوعة على جبل ولايوقد سراج ويوضع تحت المكيال بل على المنارة لجميع الذين في البيت”.
هنالك إحساس قوي بفرادة أمريكا ونموذجها، تعززه المشاعر الدينية التي تثيرها عبارة ” مدينة على جبل” في نفوس من يحسبون ان النص يخاطبهم كمسيحيين وكامريكيين في ان واحد) (1)
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)طارق متري/ مدينة على جبل؟ عن الدين والسياسة في أمريكا/ دار النهار م بيروت ص 13

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *