قراءة في قصائد الشاعرة سوزان سامي جميل التي تضمنتها المجموعة الشعرية (ترنيمتان لمنفى واحد)

د. أسماء سنجاري

كتابة: د. أسماء سنجاري

“تستدير وتنظر برهة في الزجاج،
تكاد لا تعي أن حبيبها قد انصرف؛
ذهنها يسمح لفكرة نصف مكتملة أن تمر:
“حسنًا الآن قد جرى ما جرى: ويسرني أنه قد انتهى”
من قصيدة أرض اليباب للشاعر (تي . أس . إليوت)
في هذه المجموعة الشعرية التي أصدرتها مؤسسة المثقف العربي عام 2012 تقدّم الشاعرة سوزان سامي جميل قصائد تزيح اللامبالاة والزيف وتستخدم غالبًا مفردات مؤثرة وصريحة. وتنتقل أحيانًا في الصور الشعرية بحدة تدعو القارئ إلى إعادة القراءة كي يكتمل المشهد والمعنى ويتلاشى الارتباك. هناك ثيمة من الخيبة والمرارة والعتاب وأحيانًا التمرد الذي توظف الشاعرة من أجل وضوحه مفردات وصورًا ربما تبدو تبدو قاسية أو عنيفة لكنّها تناسب ما تريد التعبير عنه. لأسباب عديدة لاحت مرارًا في خاطري قصيدة أرض اليباب وأنا أقرأ هذه الترانيم المشبعة بالحزن واليأس من عالم غارق في الفوضى وناءٍ عادة عن الحب والجمال.
“إلى الغربة التي صعقت الفراشات ببريقها” هكذا تبدأ الشاعرة الإهداء الذي قدمته لإبنتها وولديها. في تعبيرها هذا تدون صدقًا موحشًا لمسه الكثير من المغتربين.
لا تتردد الشاعرة في رسم اللوعة وقلة الحيلة التي تتميز بها رحلة الإنسان.
“أختصر إليك المسافات بشهقة أسيرة
لهاث الصبر يسدّ عليّ منافذ الهروب”
قصيدة: آيات لنهج أبيض

تواجه الشاعرة رفيقها الإنسان بخيبتها من جحوده وعدم قدرته على نشر الفرح ولكنها لا تيأس من إمكانية تغيّره.
“اقتلع قتادَ الأربعين من حُلّتي
في عسر الظلام
واصبغها بألف سنة من وجه الزمن”
قصيدة: النورس الهارب

تحاجج الشاعرة حدّ التمرد الألمَ الذي تحمله جذورها في العراق وخاصة مدينتها زاخو وتهدي قصيدة (أضحية الجسر) إلى دلال التي جسّدتها الأسطورة كرمز للقهر والتضحية.
“أطفولتي تحت ركام أقدامكم؟
ثقيلًا يحترق استفهامي”
وتحاول البحث عن أمل في ذلك التراث الموحش في جوانب عديدة وتذكّرنا بالأمير الكوردي ميرزا الذي اقترن اسمه بالتضحية من أجل الخير والحق :
“تدثّرني بدفء أنفاسك
وأنت تسرد عليَّ حكاية الأمير ميرزا وحبيبته المسحورة”
حين تكون المرارة كثيفة وحادة تزداد الحاجة إلى المكاشفة وتعرية الأسى كما في قصيدة (حفنة من قلق)
“عنيدة طقوسك الكئيبة
تديرُ خدّ السماء بصفعةٍ صفراء
ووابلٍ من مطر يائس وحفنةٍ من قلق.”

الارتماء في سكون العزلة لا بدّ منه أحيانًا كمحاولة لتشذيب ما تبقى من صبر.
“أنتفضُ، أسدلُ ستائري السود
حتى يجف النهر
فتخمد الجراح في معابد الضياع”
قصيدة: رؤيا

لا تشفق الذاكرة عادة علينا فهي تصر على الانجراف نحو الزمن الحاضر والقادم ويكون الشفاء من وجعها مهمة شاقًة غالبًا.
“لم يشفني قمرٌ بحجم قلبي
أو ظلٌ بطول سهادي.”

“خريطة الماضي تخدّش وجهها الأملس
تناثرتْ خطوطها على حدود حاضري”

قصيدة: سيقان من ورق

لا يغيب الوطن المثقل بمجون ساكنيه وفوضاهم من قصائد الشاعرة فهي توثق بعض أحداثه الموجعة وتدافع عن حق الجميع بالسلام.
“معتوهة أغاني المواسم
تتلوى
بنفخةٍ في صُلب ضمير أحمق”
قصيدة: نعش الحرير

تعرّي الشاعرة ركام اللاجدوى المحيط بالحياة لأسباب عديدة وتعلن بلغة غير مجاملة عن الفوضى:
“ها هي نجمتي تغيثني بموتها وتستريح!
أبنيني ثم أهدمُني بمنشارٍ من أنين”
قصيدة: في وضح العاصفة

تعبر الشاعرة عن بعض ملامح العلاقة بين المرأة والرجل والتي لا تخلو من الارتباك والشوق القاسي:
” أكنُّ لكَ أفواجًا من وشم ونقوش
تمعّن في تموجات ألوانها المرتبكة بكَ وإليكَ”
قصيدة: أبواب الليل

هذه مجموعة من قصائد تصوّر ملامح مهمة من التجارب والمشاعر والآمال الإنسانية وهي صادقة في توثيقها للآلام التي لا بدّ من العمل على عدم تكرارها كي ينعم الجميع بالخير والمحبة والسلام.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد