قراءة في سباعية (البحث عن الزمن المفقود) للروائي الفرنسي بروست

مجاهد منعثر منشد

قراءة في سباعية (البحث عن الزمن المفقود) للروائي الفرنسي بروست

بقلم / مجاهد منعثر منشد

مارسيل بروست (1871ـ ت 1922) روائي , شاعر , مؤلف , كاتب , ناقد . وُلد مارسيل بروست في بلدية أوتيل الباريسية من أب كاثوليكي وأم يهودية . ووصف بأنه من عائلة برجوازية , مثقف مغرور , لم يحظ بتقدير الأدباء في بداية حياته الأدبية , كان يعانى من مرض الربو منذ طفولته حتى توفي بذات الرئة بعمر الحادية والخمسين.

في عام 1882، كان تلميذًا في مدرسة كوندورسيه ,وتأخر تعليمه بسبب المرض ,فأكمل الكلية الليبرالية للعلوم السياسية (جامعة باريس) , درس القانون(1893)  والآدب (1895).له عشرات المؤلفات الأدبية المتنوعة , إذ بدأ بنشر أعماله الأدبية عام 1896 التي كانت عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة والمقاطع النثرية التي تصف الفنانين والموسيقيين.

 و بين عامي 1892 و1893، كتب مارسيل بروست مجموعة من المقالات النقدية والقصص القصيرة لصحيفتي Le Banquet، وLa Revue blanche.

اما عن رواية ( البحث عن الزمن المفقود)  والتي تعتبر من أنواع الحداثة الأدبية في حينها , فقد أخذت مأخذها بالنسبة للدراسات الجمالية (الاستطيقية).

وهذه الرواية الأطول في العالم تتمتع بالقيمة الأدبية وجمال الأسلوب وعمق التحليل.ولكن قبل نشرها واجهت الرفض من قبل عشرات دور النشر التي من بينها (غاليمار , فاسكال , ألندورف ) مع نقد قاس ولاذع, إلا أن المؤلف كان مؤمنا بعمله  فنشر الرواية على حسابه الخاص، مؤكداً لصديقه لويس روبرت:

«من الطبيعي أن أبذل قصارى جهدي من أجلها (الرواية)… أنا أتصرف كما يتصرف أب مع ابنته». وطبعت الرواية ونشرت في 14تشرين الثاني 1913.

وبعد نشرها تهافتت رسائل الاعتذار من دور النشر لبروست وكانت أهمها الرسالة الطويلة من  دار نشر غاليمار بخط مديرها (أندريه جيد) التي أصبحت فيما بعد أشهر رسالة اعتذار في عالم الأدب، علماً بأن مسودة هذه الرسالة قد بيعت في مزاد «سوذبيز» الفني بأكثر من 145 مليون يورو.

خطت أنامل الروائي الجزء الأول من روايته في عام 1908 وأنتهى منه عام 1911تحت عنوان (جانب منزل سوان) , وكتب الجزء الثاني (في ظلال ربيع الفتيات) , ثم الثالث (جانب منزل غرامنت) , والرابع (سدوم وعموة) , فالخامس (السجينة) , ويليه الجزء السادس (ألبرتين) أو (الهاربة), والآخير السابع (الزمن المستعاد) الذي لم يكمله وترك الاوراق والمسودات عن هذا الجزء فقد وافاه الآجل  , وتولى شقيقه روبرت جمعه وطبعه فيما بعد .

وفي عام رحيل بروست شهد العام ذاته تحولا كبيرا في الحداثة الأدبية بظهور ثلاث روايات غيرت مسار قراء الآدب الروائي: (يوليسيس للآيرلندي جيمس جويس) و (غرفة جاكوب للإنكليزية فرجينيا وولف) و (البحث عن الزمن المفقود للفرنسي مارسيل بروست).

وبالطبع اشتهرت هذه الروايات لتقاطعها مع صيغة روايات القرن التاسع عشر , لتحتل الصدارة بترحيب النقاد والدراسات الأدبية في القرن العشرين .وبالنسبة لمن يقدم على قراءتها تفزعه الجمل الطويلة مما يؤدي به إلى قراءة عشرات الصفحات ولا يعود لها مطلقا , فلا يجرؤ على الاستمرار حتى اكتمال أجزائها السبعة إلا الخاصة من المثقفين .

أن السرد النثري تدفق مستمر في هذه الرواية لهذا يصعب تقديم المهم منه في صفحات قليلة.  فهي بحر متلاطم الأمواج , كل موجة لها حكاية تولد على هامشها حكاية أخرى .

يقول النقاد أنها رواية خيالية . وترى الذات فيها في رحلة تيه, هوية السارد في حالة تقلب . وفي مقاطع معينة يختفي صوت السيرة الذاتية تماما. وفي منطقة الذكريات الشخصية يقتحم الوهم الأدبي نطاقها، ويكتسب الاختراع فجاة قيمة بيوغرافية.  فالهوية تتعرض للمسح ولكن لنتذكر حتى بروست يروي لنا سيرة عن الهوية وما يحظي بإهتمامه هو لحظة الإثارة والتحريك بالإسم، أي تطبيق عملية التطابق.

وبالرغم من أن الأحداث والشخصيات من تجارب وذكريات  مارسيل بروست الراوي  الذي يكون غير راوي بعض الآحيان ,إذ تلاحظ اختلاط   السيرة الذاتية للراوي مع السيرة الذاتية للكاتب نفسه, ويخيل لي بأنها رواية دائرية – بيكاريةـ إلى حد ما – من ناحية بنيتها،  فما يتخلل ذلك تكرار أفكار محورية في أشكال مختلفة عبر جميع الأجزاء ,كفكرة الحب التي اعتبرها بروست نوعاً من السقم أو الوهم.

وما يشد الانتباه في الرواية مزاج الراوي المتعكر: خيبة آمل , بؤس , ضياع , يأس , فقدان قدرة على تجربة الماضي .وفي هذا التيه المتأزم ترى السعي البشري ينحصر عبر منظور قوة الزمن التدميرية.

وجل تركيز الروائي في هذه الرواية الطويلة على الزمن وتفكك الآنا إذا انغمست فيه , والذاكرة التي أعتبرها بروست طاقة للديمومة والتغيير ليس ذلك فحسب , إنما صب اهتمامه على الذاكرة .وكانت تيمته في الرواية هي البحث عن الذات في مواجهة تفاهة العالم .

أنها رواية ثرية وعميقة في التحليل تشعرك وأنت تقرأ أجزاءها السبعة بمتعة نادرة . وحقا هذه السيرة الذاتية غيّرت تاريخ الأدب من حيث تطور التقنيات السردية وكان لها أسهام مباشر في تيار الوعي في السرد , فأدخل الروائي على النص تقنيات المونولوج الداخلي . والقصة بمجملها من لحظة ذكرى تفتتح الفصل الأول لتسترجع كامل الحكاية الممتدة على طيلة سنوات عمر الكاتب .

وأخيرا لم يبالغ الكاتب (آلان دو بوتون) عندما ألف كتابا عن الروائي ذا عنوان لافت «كيف لبروست أن يغير حياتك؟».

 

 

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد