رواية: “إلى أن يُزهر الصّبّار”

ريتا عودة

رواية: “إلى أن يُزهر الصّبّار”
إضاءة بقلم: الشاعرة نائلة ابراهيم / طولكرم

هي الرواية الأولى للشاعرة والأديبة النصراوية “ريتا عودة”
نرى ريتا في هذه الرواية أديبة وأنثى استثنائية بكل معنى الكلمة فهي الضلعة التي رفضت الإنصياع لجبروت الأهل والدين والمجتمع بكل تقاليده المهترئة وهي العاشقة الأزلية للطبيعة.
وفي هذه الرواية تنقل مشاهد من معاناة المجتمع الفلسطيني في الداخل..وهي مشاهد حية وكأنها آلة تصوير تنقل لنا المشهد تلو المشهد فجاءت الرواية في ثلاث فصول في كل فصل تروي لنا احدى الشخصيات الحدث من وجهة نظرها بأسلوب يشد القارئ من أول سطر في الرواية إلى آخرها.
ريتا عوده في روايتها تكتب بشفافية عالية ،وهي تكتب باسلوب الاديبة الشاعرة ، فتسكب مفرداتها الشعرية وتوظف كل ادواتها كشاعرة في سردها للاحداث ووصفها لكل ما يختلج النفس الانسانية الثائرة من مشاعر ومعطيات وافكار ، تحلل الموقف الانساني وتبتعد بنا خارج حدود الحدث لتعالج بعض المشاكل والعادات والمفاهيم التي تحاصر الحلم الانساني في مجتمعنا الفلسطيني باسلوب تقريري يتخلله الحوار الداخلي مع النفس فتغوص في مكنون النفس الانسانية والفكر الانساني من منظور فكرها الخاص ورؤيتها الفلسفية لتغيير الواقع المرير لواقع اجمل .
” الحلم طاقة بقاء ”
هكذا وصفت الكاتبة رحلة البحث عن الحلم .. هو طاقة تشتعل لتحثنا على السير قدما لنحلق في سماء وجودنا واحلامنا وذواتنا ، رحلة البحث عن الحلم … عن حواء المراة الانثى … عن الارض … عن الحب .. عن القيم والاخلاق الانسانية .. عن العالم الذي تريده ان يكون .
” اما هؤلاء العاطلون عن الحلم فما هم الا توابيت بصمت تسير الى المقابر “.
من وجهة نظر الكاتبة بداية الحياة الحقيقية ان يتفتق الوجود عن حلم يدغدغ حواسنا لنحيا من اجله . وكل الصراعات التي تدور في الرواية سواء تلك الصراعات الداخلية التي لمسناها في شخوص الرواية او الصراعات الخارجية التي تخللت الاحداث ، كلها كانت تتشكل لتحقيق حلم كل شخصية من شخصيات الرواية الثلاثة الرئيسية : حلم ادم بعودة حوائه اليه ، حلم حياة بالحب والحرية والتحرر من منظومة القيم الفاسدة وبالمقاومة وتحقيق الوجود والذات ، وحلم حواء بالعودة الى موطنها الاصلي الى صدر ادم حيث ابصرت النور
وبعبارة اخرى اكثر تصريحا قالت الكاتبة :
” أنا اجعل قارئي يفكر ويحلم “.

وهي للقارئ بحر زاخر ملئ بالمفاجآت واللآلئ والدرر. يغوص فيه القارئ طوع ارادته دون ملل او ضجر ليبحر في هذا الخضم من المعاني والالفاظ والتعبيرات المتجددة والتي يمكن ان نطلق عليها اصطلاحا :

“التعابير الريتاوية”.

ريتا خرجتْ عن المألوف في روايتها ، فعند قراءة العبارات المألوفة لدينا جميعا كنت أجدها تنتهي بجمال تعبيري يفاجئني ويزيد العبارة تألقا ومعنى وجمالا. تعابير لفظية غاية في الرقة واعطاء المدلول اللفظي الذي يناسب المعنى والشعور المراد دون الحاجة للاسهاب في الوصف كأن تقول :

الثانية عشر من منتصف …الحلم
منذ نعومة … حبري
أحبّك بالثلاثة
تحفظ شوارع بلدتها عن ظهر …حب

تراوح أسلوبها بين الشعرية والتقريرية.
وظفت (الومضة) لايصال أفكارها وفلسفتها الخاصة.
ومضاتها ساحرة تفتح آفاقا للتأمّل والابحار في عالم اسطوري جميل ظهر جليا واضحا في بداية الرواية حيث نجد مفردات الطبيعة طاغية في وصف تلك العلاقة الوثيقة بين ادم وحواء مستخدمة طاقتها الابداعية في توظيف فطرتها اللغوية الساحرة في رسم التشابيه والصور واستخدام السجع الجميل غير المتكلف ومفردات الطبيعة الخلابة لتبحر بنا الى مرافئ جديدة ومعان سامية للحبّ والحياة والأرض والطبيعة للأنثى والرجل .. للوطن.. بل وتسمو أكثر لتتحدث عن الله ورحمته وتربيته لآدم باعطائه خيار التجربة. تجربة الخطيئة التي منها انبثقت الحياة على الأرض . ريتا تحلّق بنا لنحبّ العالم بكل تفاصيله.
يتّضح الأسلوب السردي التقريري أكثر عندما كانت تسلّط الضوء على قضايا المجتمع التي تحاول شخصية “حياة” أن تجد لها حلولا، او عند الحديث عن احلامها ومشاعرها وانجازاتها ويتخلل ذلك حوار داخلي مع النفس بكل خلجاتها ولحظات ضعفها وقوتها . وفي الحديث عن رغباتها واحلامها.
توظّف ريتا اقتباسات شعرية وأمثلة شعبية وأقوال الفلاسفة والأدباء والحكماء والسياسيين ممّا يدعم الفكرة التي تريد القاء الضوء عليها ومعالجتها. اضافة الى انه يُظهر سعة ثقافة الكاتبة واطلاعها وحسن توظيف ذلك كله لصالح النصّ والفكرة بحيث تنقل القارئ من أسلوب السرد التقريري الى الشعري تارة والأقوال المأثورة تارة اخرى، بل والى نصوص من الكتاب المقدس.

كما أنّ أسلوبها في كتابة بعض المفردات كان يضيف بُعدًا آخر للمعنى وتأثيرا اضافيا يُمثّل اللحظة الشعورية التي تريدها الكاتبة مثل :

الاغواء
السقوط في الفخ
الشقاء
ا
ل
ن
د
م
م
م

او عبارة:
تُ ب ع ث ر

هذا التقطيع في الاحرف يبعث حالة شعورية تدلل على المعنى المراد.

أمّا الشخصيات كما رأيتها انا :

“آدم”
….رمز للمقاومة…فهو الشخصية الرئيسية التي ساهمت في احداث التغيير في كافة المجالات..الإجتماعية منها والوطنية…كان عنصرا فعالا في التوعية والتعبئة الوطنية لحشد اكبر عدد ممكن للاعتصام في ذكرى يوم الأرض…في وقت كان الناس فيه مغيبين عن المشهد السياسي ..وعن الخطر الذي يحدق بهويتهم التي يعمل الاحتلال جاهدا على طمسها وتذويبها…سلك آدم طريق المقاومة السرية والعلنية ضد المحتل وتم اعتقاله والحكم عليه بالمؤبد في محكمة صورية .

المشهد الثاني
“حياة”….
حياة هي المرأة القوية الواثقة بقدراتها على المواجهة والإبداع ،والتحدي والصمود.
هي امرأة عاشقة استثنائية فجّر حبها لآدم ثورة على الدين والأهل والمجتمع لتكون للرجل الذي أحبّت.
حياة..هي الشخصية الرئيسية الثانية في الرواية ، ورغم شخصيتها الاستثنائية المتمرّدة الواثقة التي طوّعت المستحيل لإرادتها فقد كانت مغيبة عن المشهد السياسي تحرسها تعويذة أبيها “امشي الحيط الحيط ” وتوصيات أمها:
“بوسي ايد الكلب وادعي عليها بالكسر”..
هي رمز لتغييب (عرب الداخل) عن المشهد السياسي لكي تذوب هويتهم الوطنية وتنصهر فلا يعود لها أثر لتطغى هوية أولئك الطارئين الوافدين على أرض ليست لهم.
ها هي تقول:
(ناولني منشورات فإذا بالعنوان “يوم الأرض” يلدغني بقسوة، فقد تملكني خجل من التعبير عن جهلي لما تعنيه هذه الكلمات).
وتقول أيضا: (أعلنت عن أنيميا حادّه في مخزوني المعرفي. تراني أسلم الورقة وأعلن عن جهلي )….حدث ذلك عندما واجهها سؤال الزامي عن منظمة التحرير في امتحان المدنيات.
وتقول: (دفنت جهلي لمعني الحروف “شين بيت”).
تقول: (كما تدخل حبة زيتون المعصرة دخلت ساحة الاعتصام وقلبي، كاد يعزف سيففونية العودة، المثقل بمشاعر متضاربة لوﻻ خشيتي أن يفتضح أمري خلف الأجساد البضّة (كناية عن اليهود المتطرفين ). هي سيمفونية عودة الوعي لهذا العقل المغيب عمدا عن المشهد السياسي.
تحوّل الاعتصام لصراع مع اصحاب الأجساد البضّه وفي طريق العودة للناصره كان صوت محمود درويش في المذياع يشحن القلوب بالتحدي: سجّل أنا عربي حذار حذار من جوعي ومن غضبي.
تقول حياة: بعد الاعتصام انتصرت على تعويذة أبي وتحذيرات امي. حقا الوﻻدة من رحم التجربة تمنح مناعة ضد الخوف…. اليوم أستطيع أن أعلن أنني ولدت من جديد.
ارتفع صوت جدي من الذاكرة.. فلسطين فلسطين
وﻻدة الوعي والصحوة للخطر المحدق بكل ما هو فلسطيني الجذور.

“حواء”
في المشهد الثالث ظهرت حواء وقد اعتزلت العالم في دير منعزل بعدما فقدت الأمل في العثور على آدم. كان افتراقهما قسريا فنذرت نفسها لحبّه والبحث عنه.
حواء هي الضلعة المفقودة من آدم وهي جزء ﻻ يتجزء منه فهي حبّه الأوّل وهي حلمه ونبض قلبه ونصفه الآخر ولقد استمات في البحث عنها وسلك طرقا وعرة لإيجادها لكنه فشل .

سؤال ظل يلازمني طيلة قراءتي للرواية:
ماذا لو ظهرت حواء من جديد في حياة آدم ؟!
كيف ستكون ردّة فعل حياة؟! هل ستتقبل وجوده ؟وهل سيشتعل قلبها بنار الغيرة كأيّ أنثى، وهي المهووسة بغيرة مَرَضيّة؟!

ببراعة الأديبة في حبك الأحداث (اجتمع الثالوث) الذي ارتكزت عليه الرواية معا ولأول مرة في (قاعة المحكمة):

آدم ،حياة، حواء.

بعدما اهتدت حواء لطريق آدم وكنت أنتظر لحظة اللقاء بلهفة ﻷرى ما ستكون عليه النهاية.

آدم رمز المقاومة والصحوة والمحرك الأساسي في ايقاد جذوة الصحوة وبث روح المقاومة والتمرّد على المحتل يقبع في قفص الاتهام.
حياة مع ابنتيها أمل وأحلام (اللتان ترمزان لجيل الغد الواعد بالأمل وتحقيق الأحلام)
وحواء العاشقة الاولية المعشوق آدم.

ثلاثتهم ينتظرون انتهاء المحاكمة.

ويصدر الحكم المجحف بالحكم المؤبّد على آدم.
وتتعالى اصوات خارج المحكمة مرددة:

(هنا باقون /للشاعر المناضل النصراوي توفيق زياد)

هنا، تحتضن حواء ابنتيّ آدم وتخرج وإياهن من قاعة المحكمة بهاماتهن المنتصبة ورؤوسهن المرفوعة بشموخ تتبعهن حياة مثلهن منتصبة القامة في تحدٍّ لقرار المحكمة بأن ﻻ شيء يكسر عزيمتنا وإرادتنا.

في الحقيقة..حيّرتني النهاية…ورحت أتساءل:
هل “حواء” رمز لفلسطين التي ضاعت منا والتي قاوم آدم وسُجن لأجلها.
ألهذا ظهورها لم يُشعل نار الغيرة في قلب حياة وتقبّلت وجودها…؟
وهل ظهور حواء في الوقت الذي سلك فيه آدم طريق المقاومة هو إشارة من الكاتبة بأن فلسطين ﻻ تعود إلا ّبالتضحية والمقاومة،
وهل الفردوس المفقود هو فلسطين من النهر للبحر ..؟
وهل وهل…؟..
الرواية تفتح آفاقا للتأمل والتحليل.

بقي أن أوجّه تحية اكبار وإجلال لهذا العمل الرائع ولكاتبته المبدعة، الشاعرة ريتا عودة.
*
*
*
*
*

صدرت الرواية سنة 2017، عن دار الحضارة في القاهرة

نُشرت الرواية الكترونيا في موقع الحوار المتمدن:

https://m.ahewar.org/s.asp?aid=768534&r=0

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد