مناقشة رواية الصدور العارية في دار الفاروق

رائد الحواري

مناقشة رواية الصدور العارية في دار الفاروق
ضمن الجلسة الشهرية التي تعقدها دار الفاروق تم مناقشة رواية الصدور العارية للروائي الفلسطيني خالد رشيد الزبدة وهي من منشورات وزارة الثقافة الفلسطيني، افتتح الجلسة الروائية فاطمة عبدالله التي قالت: “الصدور العارية من عسقلان، السبع حتى جنيد كتاب من إصدار وزارة الثقافة الفلسطينية إيمانا منها بأهمية توثيق رواية الكفاح والنضال وخاصة ما يخص مخطوطات الأسرى البواسل حسب ما ورد على الصفحة الأخيرة من الغلاف ويأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة أدب السجون الذي نشرته وزارة الثقافة. الكتاب للأسير المحرر خالد الزبدة وهو من قرية شويكة قضاء طولكرم من مواليد عام 1945,سافر إلى الكويت والتحق بجيش التحرير الفلسطيني وشارك في حرب 1967 حيث تمكن من إسقاط طائرة وإصابة أخرى، قضى في سجون الاحتلال قرابة سبعة عشر عاما وتم إطلاق سراحه في عملية لتبادل الأسرى بين إسرائيل والجبهة الشعبية _القيادة العامة (أحمد جبريل). يقع هذا الكتاب في 230 صفحة من القطع المتوسط وأصدرت الطبعة الأولى منه عام 2020 . ويأتي هذا الكتاب كتوثيق ومذكرة لتجربة خالد الزبدة الاعتقالية بشكل خاص وتاريخ الحركة الأسيرة بشكل عام ، يتكون الكتاب من ستة فصول، يحتوي كل فصل على عدد معين من الأجزاء. في الصفحات الأولى نجد الإهداء وقد خص به شهداء المعتقلات وخاصة الشهيد عمر القاسم، وأنيس الدولة وعلي الجعفري، وراسم حلاوة، والشهيد محمود فريتخ، وقد تحدث عن هؤلاء الشهداء وغيرهم في مواقع مختلفة من الكتاب، كما وأهداه إلى أبيه وأمه وصديقه (أبو زياد). وفي صفحة أخرى شكر وتقدير لوزارة الثقافة، يتلو ذلك عدة صفحات لثلة من الأساتذة المعروفين يقدمون الكتاب. يقول الكاتب ص79:”يجب أن تكون تجربتنا صادقة سواء بقي الاحتلال أو زال تتوخى الصدق، والحقيقة لأننا لا نكتب لأنفسنا، وإنما لشعبنا بكل أجناسه، ولأنه لا زال هناك أقبية تحقيق، ومعتقلات، وظلام، ورطوبة، وأجساد تتمرغ داخلها، وحتى يؤسسوا نضالاته مالجديدة على أسس أقوى وأمتن ، وحتى يتعلم من يأتي بعدنا من أخطائنا ، وتجاربنا المختلفة”. وفي الصفحات الأولى ص25،تحت عنوان ملحوظة يقول الكاتب: “ويحتاج شبابنا وشاباتنا لمثل تلك المذكرات للاستفادة منها ما أمكن ليتحصنوا بها أثناء مواجهة جلاديهم، وفي مواجهة ظلام المعتقلات، وعذاباتها .
لهذه الأسباب ولأسباب أخرى كثيرة تكمن أهمية هذه الكتابات، فتأتي تجربة خالد الزبدة الاعتقالية في بدايات الاحتلال وبداية توحشه واستسعاره لتثبيت نفسه على هذه الأرض بشتى الطرق، فكانت معاناة الأسرى في أوجها وكانوا في نضال لا يتوقف للحصول على بعض الحقوق وتنفيذ مطالبهم، ويخوضون التحدي تلو الآخر في مواجهة إدارة السجن ، فقد كان إيمان الأسرى ينبثق أنهم لو اعتقلوا جسد الأسير فلن يستطيعوا اعتقال عقلة وتفكيره، ومن أحد أشكال هذا التحدي الإضراب عن الطعام ففي الصفحة 73 وتحت عنوان (1976_1977) يتحدث عن (معارك الأمعاء) وكيف خاض الأسرى الإضراب عن الطعام، وعن ممارسات إدارة المعتقل ضد المضربين والتي كان أهمها من البداية إخفاء إضراب الأسرى عن الطعام لمدة أسبوعين، حيث أدى هذا التكتم إلى عدم وجود فعاليات تضامنية خارجية للضغط باتجاه إنجاز المطالب وعدم إطالة فترة الإضراب، وتحدث عن الأسلوب الهمجي الذي كانت إدارة المعتقل بممرضها السادي الحاقد يتعمد إدخال الحليب إلى معدة الأسير عن طريق (بربيش) أنبوب محدثا أضرار كثيرة كنزيف في المعدة أو إدخال الحليب إلى الرئتين، كما حصل مع الأسير (محمد أبو حميد) من غزة ، هذا بالإضافة إلى معاناة قيادة الإضراب مع الأسرى الذين تعبوا من الإضراب ، وقبل ذلك كان الأسرى قد أعلنوا إضراب عن الطعام عام 1970، شارك فيه الأسير (عبد القادر أبو الفحم ) القائد الميداني لقوات التحرير الشعبية، واستشهد بعد خمسة أيام من الإضراب ذلك أن وضعه الصحي لم يكن يسمح له بالإضراب عدا عن جسمه المخترق بالعديد من الطلقات ويتنفس من أسفل ذقنه فقد اعتقل وهو جريح، لكنه خشي كقائد أن يكون سببا في فشل الإضراب إن تأخر عن الانضمام إلى باقي الأسرى
. وفي تحدي كسر حلقات العبودية، كلمات دفعنا ثمنها دما ودموعا ص60 ، مثل كلمة (أدوني) أي سيدي، رأى الأسرى أن هذه الكلمة فرضت عليهم نتيجة للجو الإرهابي ولم يتمكنوا من قبولها لأنها تعتبر كلمة إذلال وقهر أن تقول لسجانك سيدي، يورد الكاتب قصة وهم في المنصورة في العراق إذ طلب المدرب العراقي عند مرور ضابط من أمامهم وهم حاسرو الرأس إن ينحنوا تعبيرا عن التحية، لقد ذهبوا إلى العراق متطوعين لا عبيد حتى ينحنوا، وعندما وجد المدرب إصرارهم على الرفض اضطر الاستجابة، وسألنا ما البديل؟ فقال أحدهم وهو شاب جامعي من عنبتا يدعى فائق: أقترح وضع اليد اليمنى مضمومة بمحاذاة الصدر مع رفع القدمين للأعلى على الأصابع، وكانت هذه تحيتهم. كلمة (اصفرا) أي عدد وهي كلمة أيضا فرضت قسريا بسبب الأوضاع السيئة السائدة، استمر التحدي حتى تم استبدالها بكلمة عدد، ووضع الأيدي خلف الظهر تم أيضا كسر هذه الحلقة حيث رفض الأسرى وبشدة خروجهم وقت زيارة أهاليهم وضع أيديهم خلف ظهورهم، فلوحوا لأهلهم من بعيد وقفلوا عائدين إلى زنازينهم . الشهيد عمر القاسم أفرد له الكاتب مساحة لا بأس بها من كتابه في صفحات متفرقة وفي الجزء الثالث من الفصل الأول تحت عنوان (مانديلا فلسطين _ عمر القاسم)، فقدم نبذه عن حياته مولده ونشأته ودراسته وعمله في التدريس ونقله المستمر من مكان لآخر ومحاولة العدو اعتقاله وفراره وتمكنه من اللجوء إلى الأردن حيث التحق بقواعد الفدائيين وأرسل في دورات عسكرية تدريبية في بلاد عربية عدة، شارك في معركة الكرامة عام 1968، وفي الإعداد لعمليات عسكرية وأصبح عضوا في القيادة العسكرية العامة للجبهة الشعبية ، دخل في تحدي مع أحمد جبريل مباشرة حيث أصر عمر القاسم على ضرورة بناء التنظيم السياسي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة والعمل على تطوير نضال وصمود الجماهير الشعبية، ونتيجة لهذا التحدي اجتاز عمر القاسم نهر الأردن على رأس مجموعة من الكوادر تمركزت في جبال رام الله مترجمة التوجه الجديد ..وقد اصطدمت لاحقا في اشتباك مسلح مع العدو في قرية كفر مالك واعتقل عمر القاسم . حمل عمر القاسم لواء التوعية حيث قال (في المعتقل لا ينتهي دور المناضل بل يبدأ وهو نضال مكمل ومترابط مع النضال خارجه، يجب أن نصمد في هذه الجبهة

“المعتقلات “وسوف نصمد رغم الاختلال الفادح في ميزان القوى ). وبعد إعلان تأسيس الجبهة الديمقراطية في 22شباط باشر عمر القاسم يتشكل منظمة الجبهة الديمقراطية في المعتقلات الإسرائيلية وعمل على تقوية العلاقات الاجتماعية داخل السجن ورفض كل أشكال العزلة والانطواء، وحث على الانشغال في الرياضة والقراءة والجلسات التثقيفية، وتعليم القراءة والكتابة لمن لا يعرفها، لقد جعل من السجن مدرسة بل جامعة تتوالى فيها المحاضرات، وكان عمر القاسم مهذبا خلوقا يساعد الجميع ، ولكن وللأسف أدى تحديه لأحمد جبريل إلى عدم إدراج اسمه في قائمة عملية تبادل الأسرى عام 1985 وبقي في الأسر حتى استشهد، وتحدث الكاتب عن هذه الإشكالية ص207، في الصفحات الأخيرة من الكتاب شهداء آخرين كثر ذكرهم المؤلف وقصص استشهادهم. يقول الكاتب في ملحوظته: “أنه لم يتناول العديد من الأحداث فهي تجربة الوقت الذي لا زال شعبنا يتعرض للقمع والضغط وللقوانين التعسفية الظالمة”. تحدث عن النظام الاعتقالي ص83 وكيف تم تجاوز الكثير من المصاعب وترتيب الأوضاع في المعتقل حتى أصبح لعسقلان ما يشبه الدستور ينظم حياة الجميع فشكلوا الصندوق والمكتبة، والعمل على حل الخلافات بين الأسرى ، والوقوف في وجه إدارة المعتقل في محاولة مسح الدماغ، وفي تنظيم العمل والعمال من الأسرى. الصدور العارية عنوان الكتاب ص99 يعلن سبب هذه التسمية للكتاب، حيث أن الأسرى في زنازينهم لا يتعرضون للشمس ويعانون من الروماتيزم والرطوبة، لذلك قرر بعض الأسرى وبشكل شخصي نزع قمصانهم وتعريض صدورهم للشمس، إلا أن إدارة المعتقل لم تستوعب هذه الخطوة من قبل الأسرى وأخذت البعض منهم إلى الزنازين الفردية، وبذلك أصبحت مشكلة عامة وليست مشكلة تخص البعض، بدأت إدارة المعتقل تعد نفسها وتعربد استعدادا للقمع فما كان من الأسرى إلا أن احتجزت أحد الضباط الموجودين في الساحة ولم يطلق سراحه إلا بعد أن تعهدت الإدارة بترك الأسرى يعرضون صدورهم العارية لأشعة الشمس. الفصل الثالث الجزء الرابع ص123نوادر مؤلمة، منها الجاتو المر، المؤلم المضحك ، القطة، العصفور. حوادث أخرى كثيرة وأزمات رسائل ومحاولات الهرب، الوضع الصحي والصليب الأحمر وذكريات كثيرة إلى الوصول لعملية التبادل ورحلة الحرية. والخلاصة التي يصل إليها الكاتب “أنه من الصعب أن يحلل المرء واقعا أسيرا مهما كان مستواه الثقافي لأن الواقع الأسير ينبع دائما بالمتغيرات”. في الصفحات الأخيرة ملحق لوثائق وهي رسائل من المعتقلات نشرت في جريدة القبس الكويتية ومجلة الحصاد التابعة للمركز الإعلامي لفتح بتواريخ مختلفة

أما الكاتب همام طوباسي فقال، أن الرواية تتناول معاناة الأسرى والتحديات التي وجهوها إن كانت من المحتل أم من الأنظمة الرسمية العربية، أما بخصوص تجنيس العمل فأرى أنه أقرب إلى السيرة الذاتية منه إلى عمل روائي، لكن الطريقة السلسة التي قدمها بها الكاتب كانت ممتعة.
وتحدث الشاعر عمار دويكات فقال: “التجنيس الأدبي غير واضح في هذا العمل، هل هي مذكرات أم رواية؟، لكن بما أنه معنونا برواية فسنأخذها على أنها رواية استعاريا، وهذا يأخذنا إلى الزمن الذي نجده يأخذ اهتماما كبيرا من الكاتب حتى أننا نجده أحيانا يطغى على أحداث الرواية، هذا له علاق بواقع الكاتب الأسير الذي يعد الزمن عامل ضغط عليه، واللافت في الرواية أنها لم تقدم الشخصيات على أنها أبطال مطلقة، بل قدمتهم بطريقة إنسانية، أحيانا أقوياء وأخرى ضعفاء، تبقى لغتها سلسة وسهلة ويمكن أن تقرأ في جلسة واحدة وهذا يحسب للكاتب.
أما الناقد سامي مروح فقال: “أننا عمل يعد من أعمال أدب السجون، وهذا يرفع مكانة الأسرى الفلسطينيين الذين يحسنون التعبير أدبيا عما عانوه ويعانوه في سجون الاحتلال، بصرف النظر عن طبيعة الكتاب فأنه أراه عمل جيد، قريب من المذكرات الشخصية، صيغة بلغة أدبية وقدم بهذا الشكل رائق جميل، ركز فيه الكاتب على تنظيمه السياسي “الجبهة الديمقراطية، لكنه لم يتناول الأفكار الحزبية، فكانت تركيزه عن الأحداث، وعلى عمر القاسم تحديدا، ونلاحظ أن الكاتب يكاد يخلو من تناوله للمرأة باستثناء أم الكاتب، وهذا له علاقة بطبيعة الكتاب الذي يتحدث عن الأسرى ومعاناة الأسير.

وتحدث رائد الحواري فقال: أننا أمام عمل متميز، فرغم ما فيه من قسوة إلا أن طريقة تقديمه كانت سلسة وممتعة، بحيث فلم تعيق قسوة لأحداث متعة القراءة، أما بخصوص الأحداث فيكفي الكاتب فخرا أنه عرى الاحتلال كما عرى الأنظمة الرسمية العربية التي لم تكن أقل أذية للأسرى المحررين من المحتل، وبخصوص تجنيس العمل فهذا لا يهم وليس بذات قيمة بالنسبة للقارئ خاصة إذا ما كانت المتعة حاضرة فيه، فالمهم بالنسبة للقارئ ليس أن يكون العل رواية أم سيرة أم مذكرات بقدر المتعة التي يحدثها.
وقد تقرر أن تكون الجلسة القادمة يوم السبت الموافق 3/9/2022 لمناقشة ديوان “على ضفاف الأيام” للشاعرة نائلة أبو طاحون.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد