جذور ومصادر الشيوعيه العراقية -اللاارضوية”/2

عبدالامير الركابي

كانت اطلالة الغرب الحديث على العالم والمنطقة، تستحث في العراق انكبابا على الذات على امل الاقتراب منها وادراكها، وكانت الاسباب والحوافز التي توجب مثل هذا الاتجاه الحيوي غير قليله في موضع هو متبقيات امبراطورية كونيه، وعاصمة عالمية منهارة سبقها تاريخ امبراطوري متعاقب بين الاكدية والبابلية، ومنجز ثر وعالي الرفعة والغزارة والشمول الكوني، الامر الذي ماكانت قد تبينت اية ملامح تدل على العناية به، او حتى مجرد التفكير بمنطوياته، بينما ذهبت “النخبة”،او بالاحرى الجماعات المتوفرة يومها، الى تلقف الذاتيه الاوربية من دون توقف ولاتمحيص، فاستعارتها وغدت تلميذها النجيب، محل كينونتها الخاصة، فاسقطتها على موضع، هو بنية مباينه مختلفة، قواعد تحققها وديناميات تصيرها التاريخي كانت وماتزال تستدعي نوع عبقرية من نوعها، ماكان لها ان توجد وقتها، ماقد اشر في حينه الى مفعول استمرار وغلبة وطاة حال الانقطاعية الانهيارية التي تفصل عادة بين الدورات، في بلاد ذلك هو نوع وخاصية تاريخها ومتواليته تعاقبا.
كان هذا يعني ان العراق مع بدايات القرن المنصرم، كان مايزال غائبا، وانه بناء عليه كان بلا نخبه من جنسه، تطابق كينونته حين تكون في حال حيوية وحضور(1) الامر الذي مايزال ساريا الى اليوم، هذا مع ان اسباب الاستغراب من مثل هذه الظاهرة ومبررات رفضها كان في تزايد وتعاظم، بعد كل مامر من زمن يزيد على القرن، ومن احداث وتجارب كارثية نجمت عن فقدان الذاتيه، والخضوع للاستعاره والانفصام، بغض النظر عما ثبت مرارا من عقمها ولاجدواها، لابل وطاتها المدمرة، بمقابل زيادة الاسباب الموجبة للانكباب على الذات، سواء بفعل تآكل الظاهرة الغربية نفسها، وتبدل المقومات المستجدة الحالة على التفاعلية الكونية، او ماتواصل الايام تاكيدة بخصوص فرادة البنية والكينونة العراقية التاريخيه التصيّرية الوطن / كونيه، وضرورتها المتعدية للكيانيه.
كل هذا مفاده ان العراق لم يوجد ابان وخلال مايعرف بالعصر الحديث، فظل مستبدلا بلا ذاتيه، يتخبط تحت طائلة الافتراضية البرانيه، والكينونه بلا نطقية. ما ترتب عليه بقاء هذه البقعة الحيوية، غير العادية من المعمورة، بلا “حداثة” من طبيعتها، كانت لازمه، ويجب ان تنبثق اليوم بعدعشرات القرون من تعذرها، واضطرار هذا الجزء من المعمورة للعيش “بلا نطقية”، من المفترض والمتوقع، لابل من الواجب، وبعد مايفترض ان العالم قد مر به، او حققه من انقلابيه متاخرة، ان يغادرها منتقلا الى ماقد وجد عند بدايات المجتمعية هنا، في هذا الجزء من العالم، وانتكس تحققا، فلم تتح له الفرصة وقتها لكي ينتقل الى ماهو ميسر له، ومتطابق معه كينونة، لنقص في الوسائل المادية الضرورية، والادراك المتاح، فيظل خارج الاعقال، بينما غلبت وسادت من يومها، تفكرات ومفاهيم المجتمعية البداهية الارضوية.
والمقصود هو اللارضوية نتاج اشتراطات”العيش على حافة الفناء”، القفزة البيئية النوعية ومترتباتها، وماقد نتج عنها من ازدواج مجتمعي تاريخي، واليات دوراتية انقطاعية عالية الدينامية، هي مسار انتقالي تاريخي تصيّري، ذاهب الى مابعد مجتمعية، الامر المتعدي دلالة وواقعا للموضع الجاري الحديث عنه، والذي هو اصلا كينونة لا “كيانيه”، متعدية ل”المحلوية/ الوطنيه” ومنطوية على غرضية تفاعليه شاملة، نهايتها ومقصدها، مغادرة المجتمعية الى مابعدها على مستوى المعمورة.
وكل هذا حري بان يجعل من كشف النقاب عن المضمر في الكينونه مابين النهرينيه ضرورة كونية، ليست الحداثة الغربية اكثر منهالزوما شاملا، بما يجعل من مسالة وموضوعة “الحداثة” اليوم وبوجه عام، ابعد من اوربية آليه برجوازية،ان لم تكن بالاحري ووجوبا”مابعد غرب” اوربي، ويجعل من النهوض الغربي عند انطلاقته، حالة انتقال، وعتبة مفضية الى مابعدها مما هو متطابق مع اللحظة ومكنونها واشتراطاتها.
وبما خص العراق بالذات، فانه وكما سبق القول، لم يولد كذاتيه اليوم، وظل مع صعود الغرب وظاهرته بحال اصطراع افنائي مع القوى المتسيدة كوكبيا، هو فيها كينونة واليات بلا نطقية، مقابل حضور مادي مباشر احتلالي، ومنظومة تفكرية ونموذجيه غالبة وكاسحة عالميا، يدعم حضورها انكسار على مستوى الادراكية الذاتيه، ساهم بقوة كحالة نكوص انهياري تاريخي، في منح الحضورية الغربية، الشرعية والمصداقية تصوريا، وان هي لم تفلح في كسر شوكة البنى والكينونه غير الناطقة والياتها، لابل وتحولت هي ذاتها احيانا الى وسيلة واداة غير واعية، استعملت بحسب الفترات والحاجة، كقوة غربية مضادة للغرب ومحاولته الاجهاز على الصنف، او النمطية ( الوطن / كونيه) الازدواجية اللاارضوية، التحولية الرافيدينيه.
وهكذا وبناء عليه اكتسبت الظواهر والقوى الناشئة الاستبدالية الايديلوجية تاريخها الفعلي العائد لحكم الكينونة غير الناطقة، مقابل التاريخ التوهمي الاتباعي النقلي الذهني، المفارق للواقع، فالانتقالية التي حلت على الحزب الشيوعي بعد ثورة 14 تموز مع تصادم هذا مع جوهر الثورة اللاارضوية الثانيه غير الناطقة بعد مثيلتها الاولى عام 1920، واصراره على فرض منظوره المستعار على الثورة، بالتلاؤم مع مايسمية “اهداف الثورة البرجوازية”، اوقع الشرخ الكبير بين الحزب، والمحرك المجتمعي اللاارضوي، الاصل في جعله ماهو عليه، ومنحه في مجتمع غير طبقي، القدرة على تسيير مليون ونصف المليون عراقي يوم 1 ايار عام 1959 ينادون “حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم”، في بلد لم يتجاوز عدد سكانه السبعة ملايين نسمه.
هنا فتحت الباب للتفارقية بين الحزب وقاعدة وجوده التاسيسي، لتبدا فترة اخرى من التاريخ استوجبت تصفيه دموية شاملة، اجهزت بالاساس على حزب ارض السواد الشيوعي اللاارضوي في شباط 1963 والذي من دونه كان يصعب على عزيز محمد وانقلابه الارضوي ان يتحقق ويحالفه النجاح، هذا ومعلوم انه كان هنالك اربعة من الاتكراد اصلا ويهوديان بغداديان، قد ظلوا في الخمسينات يحاولون عدا الموصليين( ذوالنون ايوب وداود الصايغ) يمثلون نزعات هيمنه وحلم بالمصادرة، كل بحسب محركاته التي تشترك في كونها ارضوية، عائدة الى اشتراطات الانهيار المستمر منذ عام 1258 يوم انهيار الدورة التاريخيه الثانيه.
ومع الاربعينات وبداية الخمسينات لم يبق في الساحة غير الاكراد يستمدون حيوية حضورهم من اليات قضيتهم وديناميات تصادمها مع المركز، المظهر الوحيد القابل للاستخدام مقابل الدينامية اللاارضوية المتبدلة شكل حضور وفعالية بعد الثورة، بالاخص بعد انهيار الصيغة الغربية الاولى، وفشل دولتها المركبة من خارج النصاب المجتمعي فشلا كليا، اشارة لعدم فعالية اليات الفبركة الافنائية البرانية ضد نوع كيانيه متعدية للكيانيه “الوطنيه”، ومااقترن بمحاولة تغيير نوع ملكية الارض مع قانون التسوية لعام 1932 والعمل على “تصنيع” ملاك ارض بلا ركيزه تاريخيه، اراد الاحتلال ان يعزز موقعهما تملكا، فادى بها للانحطاط مجتمعيا كخونه لابناء جلدتهم، في مجتمع مشاعي تاريخيا، لم يعرف في تاريخه وبحسب كينونته، الملكية الخاصة، ولا التمايزية السلطوية، بما هو مجتمع لادولة لاارضوي.
ومرة اخرى ومع تحقق الانقلابيه الكردية داخل الحزب الشيوعي عام 1964، لم يكن لبغداد، او مناطق العراق الغربية دور او حصه في محاولة الحاق الحزب الشيوعي بالياتها، وهو نفس ماحدث لحزب البعث، الذي لم تستقر تحويريته السلطوية، الا ريفيا حيث ” النواة القرابيه”، شمال بغداد، في تكريت حيث تتركز العسكرية التي تسنى لها التوغل في قيادة الحزب، بعد ان كان قرابه الثمانين بالمئة من اعضاء قيادته القطرية حتى عام 1963 ، من ابناء الفعالية التشكلية الحديثة في ارض السواد.
يمثل حزب عزيز محمد / الشيوعي الارضوي، حزبا اخر مختلفا كليا عن حزب ” فهد” و” سلام عادل”، اللذين هما من اصطناع اشتراطات مختلفة نوعيا،وجدت وقتها في الفترة بين 1921 و 1958، وانتهت لتبدا فترة اخرى مغايرة على مستوى الدولة المفبركة، ومرتكزاتها، واليات عملها، ونمط اصطراعيتها مع مقابلها الاسفل اللاارضوي، بقيام الثلاثية ( النفط/ الحزب العقائدي/ النواة القرابيه) عام 1968 بعد عشر سنوات على انهيار وسحق، لابل اكل الدولة الاولى الافنائية المفبركة، عشر سنوات كانت ضرورية لتبلور الصيغة الثانيه الاخيرة، التي تنتهي عندها للمرة الاولى ومنذ هولاكو واحتلاله لبغداد، قاعدة الحكم البراني المتناوب عليه في بغداد عاصمة الدورة الثانيه المنهارة، حيث لاحكم الابالبرانيه، وصولا لاخرها البرانيه الانكليزيه الغربية التي تنتهي عام 1958، بعد سبعة قرون بالتمام والكمال، منذ دخل هولاكو بغداد في 1258 . مع حلول الريع النفطي عام 1968، مكان ثقل الدول البرانيه واشباهها المتعاقبة.
اللحظة النكوصية الاتباعية الببغاوية الثانيه، في التاريخ المسمى تاريخ الحركة الشيوعية، تظهر مجددا مع لحظة التحويرية اللاحقة بالحزبين، وبالذات الحزب الشيوعي بعد الثورة اللاارضوية الثانيه في 14 تموز1958 حين تكررالالحاح الضروري للوقفة المفترضة الانعطافية الاستثنائية اللازمة، بما كان يتوجب ان يزيل الغشاوة الايديلوجية الاتباعية، وبدل “الانشقاقية” الباقية في كنف الايديلوجية نفسها ومن داخلها، وقد بدات واضحه مع عام 1964 مع انشقاق “اللجنه الثورية”، وصولا للانشقاق الكبير عام 1967 باسم ” القيادة المركزية” و ” فريق من كوادر الحزب” السابق عليه، كان المطلوب الذي لم يسمح به التاريخ وقتها بعد، ظهور وجهة ترفع شعار “اعادة تاسيس الشيوعيه اللاارضوية”!!!! وهو ماكان ينبغي ان يحصل ابان وبعيد ثورة 14 تموز، بمقابل وبالضد من السرقة الانقلابيه التحويرية، وبما يحول دون تكريسها الذي استمر، وهو باق كحالة احتضارطويل، الى اليوم.
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يفترض بعد مااوردناه بخصوص الكيانيه المتعدية للكيانيه والياتها الدوراتية الانقطاعية، ان نبحث فيما يناسب نوعها من مفاهيم تخص “المواطنه” التي هي بالقطع ليست واحدة، ولاهي مطلقة بحسب ماتشيعه النمطية الاحادية الكيانوية، ففي الكيانيه المتعدية للكيانيه، السكان يمكن ان يكونوا “سكانا” وحسب، لكن ليسوا بمواطنين، وهو ماينطبق على العراقيين الموجودين على ارض العراق ابان فترات ” الانقطاع”، مقارنه بالسكان الذين تنطبق عليهم صفة “المواطنه”، وهم من يكونون على ارض العراق ابان انبعاث وعودة الاليات التاريخيه للعمل، اي بدء دورة صعودية، بمعنى ان كوراجينا وحمدان قرمط … الخ ومن على شاكلتهما صنف من العراقيين، و”فهد” و”الجادرجي”، صنف اخر، الامر الذي لا يحول بين الاخيرين وبين حقهم السكني، حتى مع غربتهم عن المكان، واتباعيتهم لاخر باعتبارهم دالة انحطاط و” انقطاع”تاريخي، مع امراضه المتصلة به.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد