جذور ومصادر الشيوعيه العراقية -اللاارضوية-/1

عبدالامير الركابي

تاسست الشيوعيه العراقية بصفتها الحديثة العقائدية الايديلوجية، في مدينة الناصرية عاصمة المنتفك، مركز التشكلية الانبعاثية العراقية الحديثة الثالثة بفترتها الاولى القبلية، بعد محاولات فاشله جرت في بغداد العاصمة البرانيه المنهارة، المتبقية من الدورة التاريخيه الامبراطورية الرافدينيه العباسية القرمطية الانتظارية الثانيه، ولم يكن قد اختلف من اضطلعوا بمهمه التاسيس الثاني للشيوعية في اواخر العشرينات وبداية الثلاثينات مثل “فهد”/ يوسف سلمان يوسف، من حيث البنيه التفكرية والمصادر، والنموذجية، عن من حاولوا وابرزهم حسين الرحال اقامة الحزب ابتداء، وفشلوا، كما ان الاسباب التي جعلت من افلحوا يحالفهم النجاح لم تكن عائدة لاية امتيازات خاصة، من نوع تلك المعتبرة ميزات قيادية او ماشابهها يتمتع بها الاخيرون، لولا الاختلاف النوعي بين المكانين، الاعلى البغدادي الانهياري البراني، المتخلف من دورة تاريخيه منقضية، والموضع الذي ظلت تتعاقب عليه السلالات واشباه الامبراطوريات منذ هولاكو عام 1258، واخرهو الانبثاق التشكلي العراقي الحديث، الذي ابتدا مع القرن السادس عشر بظهور “اتحاد قبائل المنتفك” ككيانيه بلا اعلان، وحالة انبعاث تاريخي صعودي لنوع كيانيه متعدية للكيانيه، ازدواجية وتحولية.
وكانت الشيوعية وفكرة الاصطراع الطبقي ومالاته قد ظهرت في الغرب الحديث، ابان مرحلته المصنعية الالية ومارافقها من انقلابية برجوازية، كتعبير عن تبلور احتمالات الانقلابية المساوتية داخل المجتمعات البشرية، سبقتها عودة تكريس “الانتظارية المهدوية التحولية” في جنوب العراق، مع القرن الثامن عشر، عندما مالت القبيلة المشاعية العراقية الى اضعاف موقع القيادة القبلية المستبدلة اصلا، لتتخذ من المركز الانتظاري الناشيء الاجتهادي لمدينة اللادولة النجفية، قيادة بديله، بالارتكاز الى مبدا الانتظارية المانع، والذي يحرم الحكم والدولة في زمن “الغيبة”، وهي الفترة التي تحولت فيها القبيلة الجنوبيه الى التشع النجفي الانتظاري الحديث.
وليس مانتطرق له اعلاه مما متداول، او يقع ضمن الاهتمامات او الموضوعات القابلة للمعالجة بظل السطوة المطلقة السارية لافكار الغرب ونموذجه الحديث، ماقد اوجد حالة من النطقية الاحادية الافرادية بين حالتين من التحولية، احداهما تعود الى مايزيد على الالف سنه سبقت الغرب في اعلان التاجيل الانتظاري، للتحول الذي لم تحن ساعته حين يظهر “المهدي” ل”يملاها قسطا وعدلا بعد ان تكون قد امتلات جورا”، وهي شعارية تخص مرحله تاريخيه وخلاصتها، هي جوهرالدورة الثانيه من تاريخ ارض مابين النهرين، الخاضعه لقانون الدورات والانقطا عات كآلية تاريخيه، بدات بالدورة الاولى السومرية البابلية الابراهيمه، لتقع في الانقطاع الاول، بعد منجزها التاسيسي الامبراطوري الكوني الهائل، قبل ان تعود لتنبعث في دورة ثانية، مع مجيء الفتح الجزيري كعنصر تحرير لالياتها، من وطاة الاحتلال الفارسي والاشتراطات التاريخيه التعاقبيه لتبدا من حينه “دورة عودة الابراهيمه الى ارضها”، بثراء تعبيريتها ودولتها اللادولة، الاسماعيلية القرمطية، الامامية التشيعية، الحلاجية، الاخوان صفائية، المعتزلية، الخوارجية …الخ.
يعني ماتقدم ( مع تقديرنا لمدى صعوبة قبول ماهو معروض) ان العالم مع منتصف القرن التاسع عشر ونهضة الغرب، صار خاضعا على مستوى ممكنات التحول والانقلابية الى شكلين من النظر، اوربي طبقي ماركسي، واخر ليس طبقيا، بل اصطراعيا ازدواجيا مجتمعيا، قاعدته البنية الازدواجية التاريخيه المابين نهرينيه اللاارضوية/ الارضوية، الاول يبقي على المجتمعية مع افتراض انتقالها الى الشيوعيه/ القسط، والثانيه تحوليه تنهي المجتمعات كظاهرة مؤقته، يسري عليها قانون انتهاء الصلاحية، قبل انتقال الكائن الحي البشري الى الاكوان العليا، بعد تحرر العقل من الجسدية الحاجاتيه، بمعنى الوقوف امام تحوليتين، واحدة “طبقية” مادون مجتمعية، والثنيه “مجتمعية تحولية” متعدية للظاهرة المجتمعية.
وثمة فارق مهم للغاية بين المنحيينن كون احدهما متبلور اعقاليا وكصياغة نظرية، ساهم نهوض الغرب وهيمنته المفهومية والاعقالية على مستوى المعمورة في تعميمها، ومنحها قوة حضور غامرة، في الوقت الذي كانت ماتزال الازدواجية اللاارضوية التحولية غائبة، لم يصل العقل البشري الانسايواني بعد مستوى القدرة على مقاربتها، وكشف النقاب عنها، الامر الذي هو بالاحرى اهم واخطر ظواهر نكوصه القصوري، بالعلاقة بالظاهرة المجتمعية ومنطوياتها، ومالات صيرورتها، ومنتتهاها الذي وجدت لتصل اعتابه.
ويمكن تخيل مدى الصعوبة التي تحول دون الخوض في مظهر النقص التاريخي التكويني العقلي في الوقفة الحالية على ضيقها(1) هذا بينما من الملح التجاوز لهذه الجهه، لكي نقف عند حالة الاستبدال المفروض مع حضور الغرب، ومقابله اللانطقية العراقية، والتصادمية الافنائية التي نشات عن اللقاء المذكور، وانتهت اليها اخيرا على يد “الكيانية المفقسة خارج رحم التاريخ الامريكية” التكنترونية، وريثة الغرب المصنعي الطبقي، عندما راح جمع من العراقيين متاثرا وقتها بموجة “النهضة الزائفة” المصرية الشامية، وعموم اجواء غلبة نموذج الغرب، يلحقون بلدهم بالغرب وصيغته، فيخالفون المعطيات التي هي كينونة المكان، ويصيرون مع مايحملونه من مشاريع نقلية، ضرورة تتعداهم بذاتهم حيث الموضع الازدواجي التحولي مهيا او محتاج لاستعمال الوسائل الغربية الغالبة ضد الغرب وهجمته.
وحيثما يكون الاتباعيون (2)ماخوذون بالطبقية، واحدهم يرى ان”الطبقة العاملة العراقية” الناشئة، قد صارت لها بين ليلة وضحاها “مقومات الطبقات العاملة العصرية” الامر المثير للضحك، اذا علمنا بان العراق ليس طبقيا، بل كينونة ازدواج مجتمعية، وان من صاروا عاملين في المشاريع البرانيه الانكليزيه مثل السكك والنفط، هم بالاحرى عمال وليسوا “طبقة عامله”، لان الاخيره هي نتاج بنيوي لمجتمع وبنية طبقيان، اما الحزب اللينيني وضرورته في قيادة الاصطراع الطبقي، فهو بلاشك، طرفة، في مجتمع ظهر فيه عمال لا ارضويون، بحكم انتمائهم لبئيتهم، وماهم مغروسون فيه من كينونة تاريخيه ونمطية نوعيه، مع ان هذا كله لم يكن يمنع، لابل ولقد كان ضروريا لاجل قيام وسيلة تصادمية، محكومة لفعل الطرف العراقي اللاارضوي، ابان واحدة من اخطر مجابهاته الاصطراعية الافنائية.
ولايجب ان ننسى باننا نتحدث مانزال عن مسارات وافاق التفاعلية ضمن العملية التحوليىة الكبرى الرباعية العناصر(3)، بينما نحن عند الفصل الافتتاحي منها، وهو الذي يعرف مع الانقلاب الالي ومايواكبه من حضور غامر للنموذج الغربي، ومايترافق مع نهضته من اشكال اعقالية ونموذجية، الامر الذي يمثل مجرد بداية هامة، لن تكتمل مقوماتها ومنطويانها الانقلابيه الكونية، الا بعد ان ينتهي الغرب مستنفدا ماينطوي عليه من ممكنات، ومن طاقة لن تلبث ان تتكشف حدودها القاصرة عن الوصول باللحظة التاريخيه الفاصلة الى مبتغاها، بينما تحل المجتمعية المفقسه خارج رحم التاريخ منذ القرن العشرين في الصداره كفعالية، لتتواصل الاصطراعية الافنائية الناشبه مع ارض مابين النهرين، ابتداء منذ الغرب المصنعي الالي، وصولا الى وريثه ماوراء الاطلسي، الامر الذي يوجب محتما تجلي النطقية الرافدينيه المؤجله، بعد النطقية الكونيه السماوية اللاارضوية الاولى الابر اهيميه النبوية، المنتهية الصلاحية منذ الدورة الثانيه العباسية القرمطية الانتظارية.
ولمن يواضبون على قراءة تاريخ الحركة الشوعيه العراقية ذهنيا وبرانيا، مكرسين و ماخوذين بفكرة الاحادية / الوطنيه والكيانيه المفبركة الشائعة، تنهض الازدواجية المجتمعية العراقية غير الناطقة، وغير المدركة، كمصدر يولد بحكم الحقيقة البنيوية المزدوجة، مايطابقها ليس على مستوى نشاة ومسار الشيوعيه فحسب، بل ولقد سرى الامر على القوة الاخرى الحزبيه الايديلوجية الاكثر فعالية الى جانب الحزب الشيوعي في “جبهة الاتحاد الوطني”، والمقصود حزب البعث، الذي تاسس هو الاخر في الناصرية، مركز التشكل العراقي المتعدي للكيانية الوطنيه، الحديث الثالث، على يد فؤاد الركابي، وهما حزبان ليس لهما علاقة بالحزبين المحورين لاحقا بعد ثورة 14 تموز1958 حين بدات عملية تحويلهما من حزبين لاارضويين، الى كيانين ارضويين مرتهنين لاشتراطات المجتمعية العليا مجتمعية “عراق الجزيرة”(4)، ومركزها بغداد، سارقة وومموهة اسم “العاصمة العراقية” بصفتها البقية البرانيه المتخلفة عن الدورة الثانيه المنهارة.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بانتظار( “قران العراق” ويقظة البشر.. الكتاب الرابع المنتظر منذ سبعة الاف عام) المعد للطبع قريبا.
(2)كامل الجادرجي( مذكرات كامل الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني الديمقراطي)/ دار الطليعة / بيروت/ صص 22/23 .
(3) مع النصف الثاني من الالفية الثانيه، دخل العالم مايمكن ان نطلق عليه تعبير الاقتراب من التحولية الكبرى، وهو ماقد تجسد واقعا في اربعة ظواهر ستكون مواضع تفاعليه موحدة سائرة الى مابعد احادية ارضوية، عناصرها الرئيسية: (الاولى تلك التي يستدل عليها من متبقيات الدورة التاريخيه الثانية، وابرز تمثيل لها، السلطنه العثمانية السائرة الى زوال، والثانيه التي ستطغى على المشهد نموذجا وتفكرا، اوربا وانقلابها المصنعي الالي البرجوازي، يقابلها الانبعاث الرافديني الحالي الراهن الثالث في ارض سومر/ الحديثه جنوب العراق، والاخير الرابع، هو انبثاق “المجتمعية المفقسة خارج رحم التاريخ”، المتولد غن اكتشاف القارة الجديدة)، وهو مانميل لان نطلق عليه حال او واقع “التفارقية الرباعية”، الناظمة لعملية كونية شاملة مترابطة هي الحصيلة النهائية التي حلت على الكوكب من حينه.
(4) يقسم الجغرافيون العراق تضاريسيا، الى “عراق السواد” و”عراق الجزيرة”، وهما محلان متباينان كليا بيئيا، ومن ثم نمطيا مجتمعيا، الاسفل منهما محكوم لما يمكن اعتباره “حالة العيش على حافة الفناء”، حيث الاشتراطات البيئية والانتاجية كلها مجافيه ومضادة للجهد الانتاجي، مايفرض نوعا من التفاعلية الانتاجية المجتمعية الفوق ارضوية، الجامحه كونيا، مقابل نماذج المجتمعات المتشكلة ضمن اشتراطات التيسير البيئي، ونموذجها الاكمل حالة وادي النيل، حيث الاشتراطات الملائمه والميسرة القصوى، كما في عراق الجزيرة على الاجمال، ماولد في حالة العراق تباينيه نمطية متداخله، تتحول الى اصطراعيه ضمن الوحدة، من دون ان تتحول المجتمعية هنا الى “واحدة” لتباين المجمعيتين نوعيا بنية وكينونه، يمتنع معها خضوع اي منهما للاخر، ويولد ديناميات عليا متعدية للكيانيه الوطنيه، لصالح بنية امبراطورية لازمه، تقابلها كونية سماوية في الاسفل.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد