رواية الشمبر محمود عيسى موسى

رائد الحواري

رواية الشمبر
محمود عيسى موسى
من مزايا الأدب أنه حافظ للتاريخ، للأحداث، كما أنه يكشف الحقيقة لو بعد حين. حتى نهاية القرن الماضي لم يكن هناك أدب أردني يتحدث بإسهاب عن الشيوعيين ودورهم، لكن مع بداية هذا القرن، وبعد أن (خف الخطر الشوعي وتراجع) أصبح هناك مساحة جيدة للكتاب ليتناولوا المواضيع والأحداث والشخصيات المحظورة، من هنا جاءت رواية “خوف” لخالد خضير، ورواية “الشمبر” لمحمود عيسى موسى لتبيان الدور الحيوي الذي لعبه الشيوعيون في مواجهة الأحلاف المعادية للقضايا القومية والوطنية، وأيضا لإظهار الثمن الذي دفعوه نظير مواقفهم المبدئية، وهذه إحدى مميزات الرواية.
ومن ميزات الأدب تقديم أفكاراً نبيلة وأخلاقية، تقدم للقارئ من المثل والمفاهيم الإخلاقية والإنسانية، يتمسك بها مهما كان الثمن الذي سيدفعه، ومهما كانت المخاطر المترتبة على صاحب المبدأ، بهذا يشكل الأدب أحد الروافد الأخلاقية، التي تدعو إلى التمسك بالاخلاق، لأن بها تحيا الشعوب والأمم، وبها تبني مستقبلها.
عندما يكون الموضوع المراد طرحه قاسي ومؤلم، يستوجب إيجاد مخففات تساعد المتلقي على تجاوز حالة الألم والشدة المطروحة، من هنا نجد السارد يستخدم لغة محكية وشعبية في الرواية، حتى أن غالبية الشخصيات تتحدث بها، وهذا يقربها من القارئ ويجعلها توصل الفكرة بأقل الأضرار النفسية على المتلقي.
وإذا أخذنا الشخصية المركزية في الرواية “أزدور” والتي تتوافق مع الفكرة الشعبية المتعقلة بالبطل، حيث يخوض الصعاب متحديا كل ما يتعارض مع مبادئه ومعتقداته، مبديا الثبات والصلابة والشهامة والإقدام، نكون أمام عنصر جذب آخر في الرواية.
كما أن تناول السارد العلاقات بين “أزدور” والنساء جعل الرواية ممتعة وشيقة، حيث أن علاقة الحب دائما ما تثير القارئ وتجعله يستمتع بما يُقدم له من مشاهد وأحداث.
وإذا أخذنا الشكل الذي قدمت فيه الرواية نجده شكل خفيف وناعم، حيث جاءت الرواية على شكل مقاطع 67 مقطع، وهذا ما جعلها خفيفة الظل على القارئ، وسهل عليه تناولها.
“أزدور”
السارد يقدم “أزدور” على أنه شخصية حقيقية، لهذا نجده مرتبط بأسماء وأحداث حقيقة جرت في المنطقة، وهذا ما أكدته الرواية : “ولد أزدور في قرية صفورية قضاء الناصرة عام 1931، لأسرة فلسطينية ولأب يعمل في تجارة الأغنام، درس في صفورية حتى السادس الابتدائي، درس في الناصرة، ثم انتقل إلى صفد، حيث درس المرحلة الثانوية، تأثر بأستاذه إحسان عباس الذي كان يدرس اللغة الإنجليزية في صفد عام 1946، الذي حببه بيوربيدس وأعلام الأدب العالمي” ص309، فالحصول على هذا المستوى من التعليم ـ في ذلك الوقت ـ يعد حالة نادرة، وهذا ما يجعل “أزدور” شخصية متميزة وتستحق أن يتناولها السارد، ويتوقف عندها القارئ.
إذن نحن أمام رواية تتمتع بالعديد من عناصر جذب القارئ، الذي يميل لما هو شعبي، من هنا فتتح السارد الرواية بالحديث عن البطل “أزدور” والذي تحدث عنه بصفات البطل المطلق/البطل الكامل، فهناك خمس صفحات متتالة تتحدث عنه، من صفحة 13-20، كلها تقدمه بصورة كاملة: “أزدور، مثله مثل بقية الحرس القديم، عاش مخلصا للقيم والمبادئ، أحب العروبة ودافع عنها، مواقفه الصلبة ضد الإنجليز معروفة للقاصي والداني، وقد حكم عليه بالسجن وبالإعدام وظل في طليعة الشعراء الذين دافعوا عن الكلمة الحرة والقضايا التي آمن بها” ص16، اللافت في هذا المقطع أن السارد يقدم “أزدور” مناهضا للإنجليز، سبب بلاء المنطقة العربية وسبب مصائب شعوبها، وبما أنه ـ بعد الاستقلال ـ تعرض للسجن والمطاردة من قبل الحكومة، فهذه أشارة ـ غير مباشرة ـ من السارد إلى عدم وطنية الحكومة، وعلى أنها تعمل ضمن أجندة خارجية معادية للوطن وللشعب الذي تحكمه، وبهذا تكون الرواية قد قدمت موقفا سياسيا من الحكم بطريقة غير مباشرة، وأوصلت فكرة للمتلقي أن الوطنيين الذين قاموا بمحاربة الإنجليز هم أنفسهم الذين تعرضوا للاعتقال والمطاردة من قبل الحكومة (الوطنية)، وهذا يستدعي التوقف عنده والبحث عن أساب هذا التوافق بين مواقف الإنجليز والحكومة.
“أزدور رجل مستقيم حد الخرافة، لا يجامل، شخصية مثيرة للجدل، لا يسلمك نفسه ببساطة، شخصية غنية، مركبة، متعددة الأبعاد، لا يصطادها الفهم بسهولة، شخصية تجريدية” ص17، السارد يريد أن يجذب القارئ لإزدور، لهذا قدمه بطريقة مثيرة، فهو لا يتحدث عنه بتفاصيل، بل يلقي علينا كلاما يجعلنا نثار ونهتم بهذا الشخص المتميز، فبدا كلامه وكأننا أمام شخصية معروفة لنا، وهذا ساهم في جذب القارئ للرواية ولمعرفة التفاصيل عن هذه الشخصية المطلقة والكاملة.
“لم أعرف شخصا آخر استطاع أن يتحرر تماما من إغراء الثالوث الخطر” المال والنفوذ والجاه” هذه الثالوث الذي أوقع الغالبية الساحقة من مثقفي الأمة في براثنه حين ظن هؤلاء أنهم عثروا على مبتغاهم، أما أزدور فلم يكن أي من عناصر هذا الثالوث يعنيه أو يغير فيه شيئا” ص18، الثبات والصلابة أمام المغريات ليس بالأمرالسهل، ولا يثبت أمامها إلا من كان صلبا ومؤمنا وكاملا، وهذه ميزة آخرى تحسب للبطل “أزدور”، الذي لا يخضع لغريزته ولا لشهوته، ويبقى شامخا بما يحمله من أفكار ومثل ومبادئ، فالصغاير والمصالح الشخصية لا يلتفت إليها أو يتأثر بها.
وعندما يدخلنا إلى تفاصيل الشخصية، نجده بهذه الصفات: “الكتاب مقدس عند أزدور، كذلك الصداقة مقدسة، لكنها حميمة وقاسية، من قسوة الشاعر الشيوعي، الذي لا يزال محتفظا به في داخله، الذي كان يقيم الدنيا من على شرفة بلكون فندق الوحدة العربية وسط مدينة إربد” ص92، هذه إشارة إلى أنه مثقف، وشاعر، ومبدئي وهذا الصفات من الصعب أن تجتمع في شخص واحد، كما أننا نجده شخص جماهيري، يتفاعل مع الجماهير ويحمل همومها، بمعنى أنه منتمي لشعبه ولواقعه الذي يعيشه.
لهذا يتم اعتقاله: “لأنهم وجودا في بيتي بعض المنشورات، كانت تصلني عن طريق عصب التحرر الوطني في فلسطين، قضيت الشهور الثلاثة، ثم أفرج عني” ص108، وهذا إشارة من السارد، لكي يبحث القارئ عن “عصبة التحرر الوطني في فلسطين” وعلاقتها بأزدور الشيوعي الأردني ، والذي سيكتشف أن الحزب الشيوعي الأردني خرج من رحم العصبة، وتشكل من رجالتها وقادتها الذين حاربوا الإنجليز والصهاينة معا.
من هنا نجد “أزدور” يحمل الهم الوطني والقومي : “أزدور الذي عاش حياته، يحمل حلما أبديا، أثقل من رأسه ورأس (اللي خلفوه) حلم العودة إلى فلسطين” ص109، وهذا الأمر يثير القارئ ويجعله يتساءل: إذا كان “أزدور” قاوم الأنجليز، ويعمل ويحلم بالعودة لفلسطين، فلماذا يعتقل ويطارد ويحارب من قبل الحكومة؟، وهذا إدانة غير مباشرة للحكومة وما تقوم به تجاه الوطنيين والمخلصين للوطن.
إذن السارد يكشف أعمال الحكومة المتعارضة مع مصالح الوطن والمواطن، مبينا أنها في واد، ومصالح الوطن والمواطن في واد أخر: “انقضت محكومية أزدور وخرج من السجن، بعد أن حكمت عليه المحكمة بالسجن ثلاثة شهور، المحكمة التي ترأسها (بهجت التلهوني) الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء، ثم عضوا في مجلس الأعيان” ص155، ما يحسب للسارد أنه يقدم إدانة الحكومة بطريقة هادئة وغير مباشرة، فبدا المقطع وكأنه مجرد خبر عابر، ولا يُراد به ذم أو إدنة أحد.
ورغم أن “أزدور” شيوعي إلا أنه كان متعدد الثقافة، ومتنوع المعرفة، لهذا نجده: “قرأ القرآن وحفظه وعرفه أكثر من المتدينين، وعرف تاريخ الحضارة العربية أكثر من المستشرقين، أحب النبي محمدا وتأثر به وفتن بعقله وعبقريته في الحوار” ص192، وهذا ما جعله منفتحا ومستوعبا للأفكار الأخرى، بعيدا عن التعصب والإنغلاق، وهذه ميزة نادرة وقليل ما توجد عند المنتمين لحزب/لجهة بعينها.
شخصية “الشمبر”
الشخصية الرديفة لأزدور، والتي ستحمل الراية من بعده هي شخصية “الشمبر” ورغم أن السارد لا يسلط عليها الأضواء كثيرا، إلا أنها كانت من الرواة الأساسيين الذين تحدثوا عن أزدور” فبدت وكأنها ـ بما سردته عن “أزدور” ـ تشكل جسما/شيئا واحدا، من هنا يذكره السارد كشخص حقيقي: ” أحمد نوح الاسم الحقيقي للشمبر، أصبح طي النسيان، بالكاد يتذكره أحد هذه الأيام، فقد ألتصق به اللقب ولازمه منذ مرتع الطفولة ومدارج الصبا المبكرة” ص113، هذا التقديم يتوافق مع ما يجري في القرى، التي يعرف الناس بعضهم بعضا، فاللقب فيها أهم من الاسم وأكثر تداولا، حتى أنه لو ذكر اسم الرجل الحقيقي لا يعرفه إلا القلة منهم، بينما اللقب هو المعروف وهو الإسم الذي يُعرف به الشخص، بهذا الشكل أراد السارد أن يقول أن المكان/البيئة التي يعيش بها “الشمبر” تتسم بعلاقات مكشوفة ومعروفة للكل، بمعنى أنها علاقات بين أناس قريبين من بعض، يعرفون كل شيء عن بعض، وتجمعهم علاقات اجتماعية متعددة، فهم ليسوا غرباء عن بعض.
وبما أن غالبية حديث “الشمبر” كان عن “أزدور”، فهذا يعني أن “أزدور” يعرفه الناس، وأنه ينتمي لمكان يُعرف به.
أزدور والشمبر
هناك علاقة وحدة بين “الشمبر وأزدور”، وهذه الوحدة نجدها بأكثر من شكل ومظهر، يعرف السارد الشمبر بهذا المعنى : “الشمبر لوكس، قميص اللوكس الأبيض الرقيق المخرّم، حجرة أو غرفة الإشتعال والإضاءة” ص9، إذن “الشمبر” له علاقة بالإنارة، بالضوء المنبعث من اللوكس، لكن عندما يتحدث “الشمبر” عن “أزدور” نجده يستخدم ألفاظ متعلقة به هو، بالنور الذي يحمل اسمه : “الشمبر” . يقول “الشمبر” عن “أزدور”: ” أزدور ظاهرة تشرق كل يوم، كما تشرق الشمس قبل شروقها، وتنعكس صورته كما تنعكس صورة الشمس فوق ذرات الأديم قبل أن تبزغ وتطلع من وراء الأفق، وستظل تنعكس فوق ذرات أديم عزلته في سنوات عمره الأخيرة.
ظاهرة أشرقت، وسطعت أشعتها في جنبات مراتع طفولته وبساتين صفورية وتلالها، وبيوت صفد ومدرستها وطرق العين وفوق خدي أرجوانته وحمامات طبريا الساخنة وظهر نجمة وبشرة النساء البضة الملساء” ص21، نلاحظ أن هناك العديد من الألفاظ متعلقة بالشمس/بالضياء: “تشرق (مكررة)، شروقها، الشمس (مكررة) تنعكس (مكررة) صورة/صورته، تطلع، تبزغ، الأفق، سطعت، أشعتها” كل هذه الالفاظ متعلقة باسم “الشمبر”، لكنه ينسبها لأزدور، وهذا يشير إلى أن العقل الباطن “للشمبر” لا (يفرق) بين الحديث عن نفسه وعن أزدور، لهذا استخدم ألفاظا متعلقه به هو وليس “بأزدور”، وتحمل وتشير إليه هو.
ونلاحظ أن هناك ذكر للمكان وبإسهاب وبتفاصيل، حتى بدا وكأن المتحدث هو “أزودر” الذي ولد ونشأ في صفورية، وهذا ما يجمع ويوحد الشخصيتان.
فالجامع بينهما أشياء كثيرة، وهذا ما أكده السارد حينما قال: “كان الشمبر يحاول التوصل إلى الصورة الكاملة المتكاملة لصديقه أزدور” ص173، فاستخدام السارد لـ”الصورة الكاملة المتكاملة” يشير إلى أن المعنى المقصود يتجاوز المعنى المجرد للفظ “الكاملة والمتكاملة”، لهذا نجد السارد نفسه يتماهى مع الشخصيتين ، “الشمبر وأزدور” ويستخدم ما يشير إلى أنه أيضا يتشارك معهما في الحلول والتوحد، وما أستخدامه لـ”الكاملة والمتكاملة” إلا تأكيد على هذا المشاركة والحلول.
البكاء فعل إنساني، به يتخلص الإنسان من ثقل الواقع وقسوته، وأزدور فعله : “لم يكن أزدور رجلا بكاء ، رغم أنه كان يبكي أحيانا ، أمام الأصدقاء ويبكي كثيرا أمام الشمبر عندما يكونا لوحدهما” ص329، يبكي من لا يبكي أمام أقرب الناس عليه، أو يبكي لوحده، أزدور بكاء كثيرا أمام الشمبر رغم أنه لم يكن رجل بكاء، أليس هذا تأكيد على أننا امام شخص واحد بصفتين، بشخصيتين؟.
الشمبر وإبرهيم التوت والسارد
نجد مجموعة من المشتركات بين هؤلاء الثلاثة ، وأحيانا تصل إلى حالة التوحّد والتماهي، كما حدث بين إبراهيم التوت والشمبر : “يتحدث إبراهيم التوت عن حالة (الحلول) التي أصابته عندما قام بسرقة كيس النقود من والده لشراء هدية للشمبر “رواية البؤساء” التي يحبها ، يحدثنا عن هذه الحادثه بهذا الشكل : “أقسم لك، لم أكن أنا، كان شخصا آخر، أحسست به هو يدخل في جسدي ويحتلني، ثم ساق جسدي على هواه، وقام بما قام به، دون أن يكون لي أية مساهمة أو مشاركة، نفذ فعلته برمشة عين، حتى أنه لم يشاورني ولم يكن معنيا بموافقتي أو رضاي، كان يتحرك بجسدي بحرية تامة كما لو كان جسده وكنت معه كالمسلوب.
…في تلك اللحظة فقط، صحوت تماما وشعرت بأنه قد خرج مني وبأن جسدي عاد إلي” ص160، هذا الفعل غير المنطقي، يشير إلى أن هناك وحدة تجمع الشخصيتين، وإلا ما معنى أن يقوم (شيء) بالتحكم بجسد “إبراهيم” ليسرق مال أبيه ليشتري رواية أحبها “الشمبر”؟، وهذا ما يجعلنا نقول أن حب “الشمبر” لرواية البؤساء، جعل شقه الآخر “إبراهيم” يقوم بإحضارها له، فكانت حالة من الحلول بينهما عملت على إحضار الرواية بطريقة غير منطقية وغير (مشروعة).
من يعرف إنتاج “محمود عيسى موسى” الأدبي يجد فيه “أسطورة ليلو حتن” وهذا يشير إلى تعلقه بالأسطورة، وفي رواية “الشمبر” نجد حديث متعلق بالأسطورة: ” إسمع يا حبيبي، يا بطلي الملحمي، إسمعي ماما بقليس، أنت تحلم بما تقرأ، أنت رجل مسكون بالأسطورة والخرافات في اليقظة تحلم وفي المنام، ذهنك يعصف بها عصفا، ومشاعرك تموج في هواها ولا تهدأ، وعقلك متوهج يسلك بك مسالك النجاة وعقلك الباطن يعمل من دون أوامرك ويساعده على تنحيتها، ويشتغل على الدوام وأنت لا تدري بتخليصك من كاهلها الثقيل، ويجعلك صافيا نقيا، كالبرد لتتفرغ لأسطورتك الخاصة، التي تبحث عنها وتعد عدتك للوصول إليها وإلى تميزها بحيث لا تبدو تقليدا أو تكرارا أو نسخا أو ترددا أعمى لما سبقها من الأساطير” ص294، فالحديث هنا متعلق بالكاتب/بالسارد الرئيسي في الرواية، وهذا ما جعله جزء من السرد/من الأحداث/من الشخصيات الرئيسية في الرواية، وإلا ما تحدث بهذا الوضوح عن كتابته لأسطورة “ليلو وحتن”.
ونجد مواقف مشتركة وأحداث بين ما جاء في رواية (حبيبتي السلحفاة) ورواية “الشمبر”، عندما تحدث عن الرسالة التي وجدتها أمه في جيب بنطالة : “…رسالة الحب والهيام، التي كتبها في المرة الأولى وبث فيها مشاعره الفياضة وحملها إعاجبه الشديد بسحر جمالها ورقتها وعذوبتها،أرقته ليلي طويلا،صده تردده وخوفه وخجله ولم يجرؤ أن يسلمها الرسالة أو يفصح عنها، فظلت طي جيب بنطاله ونسيها إلى أن وقعت بيد أمه وهي تتفقد الجيوب قبل الغسيل :
ـ يمه بعدك ما طعلت من البيضة، صرت بتحب وتكتب رسائل، بدك تفضحنا مع الجيران، هددته بأنها ستخبر والده، أحمر الشمبر من الخجل” ص271، في رواية “حبيبتي السلحفاة” نجد عين المشهد والموقف، لكنه جاء على لسان أنا السارد، وليس من خلال السارد الخارجي، وهذا ما يشير إلى أن هناك جامع بين السارد والشمبر.
وإذا عدنا إلى سرد الرواية، سنجد هناك تداخل وتشابك عند الرواة، حتى أننا نجد لغتهم متقاربة ومتماثلة، بحيث يصعب تميزها، ـ ورغم أن هذا الامر يحسب على سرد الرواية ـ إلا أنه يخدم فكرة تماهي وتماثل الشخصيات مع بعضها، فأزدور، والشمبر، وإبراهيم التوت، والسارد كلهم يجتمعون ويتوحدون معا لخدمة فكرة البطل المطلق، البطل الكامل، بمعنى أنهم كلهم توحدوا واجتمعوا في تشكيل صورة البطل الذي سيكون قدوة ومثل يحتذى به، فالبطل المطلق لا يمكن أن يوفيه حقه شخص واحد، لهذا اجتمعت الشخصيات على هذا الأمر، لتكون شخصية “أزدور” كاملة ومتكاملة”.
أثر البطل المطلق على شخصيات
يتناول السارد مجموعة شخصيات وقفت بصلابة وثبات أمام الصعاب والشدائد، منها موقف الشيخ السبعيني الذي استقبل “أزدور” الهارب من الحكومة: “…الذي يتألف من غرفة واحدة يعيش فيها مع زوجته التي تصغره بخمسين عاما.

ـ سأنام في الدكان
رد الشيخ ساخرا:
فكرتك شاطر يا أزدور، قد ما سمعت عنك، أنا عارف كيف كاين مدوخ الشرطة،… طلعت لا ذكي ولا فتح، يا بني إذا الشرطة بدها تفتش القرية ما راح يعتقدوا بأني من الممكن أن أسمح لرجل غريب أن ينام في الغرفة مع زوجتي، لذلك سأنام في الدكان وأنت تنام في غرفتي.
ـ لكنك تعرف يا عم الشائعات والقصص التي تدور حولنا، فهم يتهموننا بأننا بلا دين وبأننا لا نحلل ولا نحرم، فكيف تريدني أن انام مع زوجتك في غرفة واحدة .
ـ والله، يا زلمة فيك دين أكثر مني
بكى أزدور كما لم يبك من قبل، وظل يبكي بكاء ساخنا كلما روى القصة، كأنها تحدث معه الآن ” ص327 و328، مثل هذا الموقف النبيل ما كان ليكون دون وجود باعث على خلق البطولة والشهامة عند الآخرين، ألا وهو “أزدور” الكامل والمطلق.
ونجد “العيوف” تقف موقفا بطوليا أمام بندقية أبيها الذي هددها بالقتل إن لم تتخلى عن “أزدور” : عندما رفضوا زواجي به، أنتصبت بشموخي وعنادي، لأعلن أن لا شيء في الدنيا يمنعني ويبعدني عنه إلا الموت، …اقتادني أبي، واصف النعمان، تعرفه، إلى السهل البعيد، أخرج بندقيته، ليجهز على روحي، لم يكن أمام عيني سوى صوته وأصبع والدي على الزناد.
وهناك “عزية” التي أحبت أزدور، لكن بسبب غيابه الطويل تتزوج، وعندما تعلم بعودته، ترسل له زوجها: “عزية لفت لك ورق الدوالي وحشت المحاشي، فهي تعرف أنك تعزها وتعز هذه الأكلة.
…بعد ان فرغوا من تناول المحاشي، أعدت عزية الشاي وجمعت أولادها حولها وحول أزدور وأخبرتهم بأن هذا الضيف هو الحبيب الذي أحبته وحرمها الله منه.
قال زوجها مداعبا:
ـ الله راضي عليه، توخذها يا أزدور وتخلصني منها، شرط أن تكون قادر على حملها” ص268، فالشخصيات التي تعامل معها “أزدور” وأحبته، نجدها تتماثل معه بمواقفها الشجاعة والصريحة، وكما أننا نجدها شخصيات متحررة من التقاليد، وبحيث لا تلقي بالا للشكل، وتهتم بالجوهر/بالمضمون الذي ترى فيه ذاتها، فهي تعمل وتفكر وتتحدث بما تريد وبحريتها، فلا تخضع للأعراف أو التقاليد البالة، من هنا نجدها تؤثر على المحيطين بها وتجعلهم يتصفون بصفاتها.
الزمن
الزمن في الرواية ممتد يبدأ من تاريخ ميلاد “أزدور” 1931 وحتى ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، فالسارد يركز عليه لأن هناك احداثا تاريخية يقدمها في الرواية : ” منذ هروب أزدور في أواخر الخمسينيات ، من حكم الإعدام الذي صدر بحقه وعودته لفترة وجيزة في أواسط الستينيات بعد صدور العفو العام، وعودته في أوائل التسعينيات مرة ثانية” ص89و90، هذا التناول لزمن له علاقة بتنامي الأحداث ومتعلق بكمال الشخصية المركزية “أزدور”.
الأحداث والشخصيات الوطنية
هناك كم كبير من الأحداث يقدمها السارد، ينعش بها ذاكرة المتلقي ليوصل حقيقة ما جرى في الماضي، مؤكدا على أن الوطنيين دافعوا ببسالة عن معتقدهم ومواقفهم، وفعلوا كل ما يستطيعون في سبيل الوطن والمواطن : “…بعد أسبوع من وصول الدكتور نبيه رشيدات إلى عمان قادما من باريس، وفي غمرة بحثه عن عيادة ليستأجرها ويعمل بها، وصلته رسالة من قيادة الحزب، من فهمي السلفيتي، يطلب منه الإنتظار في شارع الملك طلال استعدادا لملاقاة المظاهرة، التي تحمل شعارات المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسييين وإلغاء المعاهدة البريطانية وتعريب الجيش وطرد (كلوب)” ص182، إذا ما توقفنا عند هذا المشهد نجد أن نبيه رشيدات الذي يبحث عن مكان لعيادته، يتوقف عن البحث ويخضع لقرار الحزب بالمشاركة في المظاهرة التي تحمل مطالب وطنية وشعبية، وهذا أحد الأمثلة على نكران الذات والإخلاص للفكر وللمبدأ الذي يعتنقه الشيوعي.
ونجد مطالب الحزب الشيوعي مطالب وطنية وتخدم الوطن والشعب، ومعادية للاستعمار، وهذا رد حاسم على الترهات التي يطلقها أعداء الحزب، أعداء الوطن والمواطن.
من هنا نجد هؤلاء دفعوا ثمنا لمواقفهم، فكان السجن أحد أشكال هذا الثمن: “…أعتقلوا جميعهم على أثرها… في الغرفة الباردة والقذرة، في سجن المحطة، المعروف بوحشية التعامل مع السجناء، وجدت أمامي أربعة من الأصدقاء الأعزاء، بل الرفاق البواسل، فايز الروسان، والدكتور صالح حدادين، ورئيس لجنة أنصار السلام الأدرنية حسن سعود النابلسي، وكنا ضد الحرب النووية، وكان ثاني وفد أردني يشارك في نشاط دولي، وكان خامسنا الشاب الرائع صديق العمر أزدور” ص182و183.
ولتبيان أن من قاموا بتأسيس الحزب هم من النخب الوطنية والمخلصة، يذكر لنا السارد هؤلاء بقوله: “تشكل الحزب الشيوعي الأردني في عام 1951، وكانت عناصره الأولى في معظمها فلسطينية الجذور، أميل حبيبي، اميل توما، أبو سلمى، فؤاد نصار، الذين يسمون أنفسهم قبل 1948 بعصبة التحرر الوطني الفلسطيني.
في تلك الفترة انضم إلى الحزب الدكتور نبيه رشيدات، فايز الروسان، الدكتور يعقوب زيادين، فايق وراد، رشدي شاهين، فهمي السلفيتي، عبد العزيز العطي، عيسى مدانات، إبراهيم الطويل، زكي الطويل، الدكتور عيسى القسوس، نبيه شوارب، الدكتور نبيه معمر، عبد الكريم المطلق، والدكتور صلاح غرايبة” 311، هذه الأسماء بمجملها لعبت دورا في الحياة الساسية، ودفعت ثمنا لمواقفها، من سجن ومطاردة، واعتقال وتهجير، بينما كان الآخرين الذين ينعمون بمظلة الحكومة، يعملون على محاربتهم وتشويه صورتهم، من خلال ما يطرحونه من ترهات وأفكار مشوهة، ألصقوها بهم وافكارهم وبسلوكهم.
من هنا نقول أن رواية “الشمبر” تعيد الحق إلى أصحابه، وتنصف الشيوعيين وتوضح حقيقة: أن الوطنيين دفعوا حياتهم ثمنا لمواقفهم ومبادئهم، فتعرضوا للسجن والمطاردة والنفي، وهذا يستوجب احترامهم بالحد الأدنى، ومن ثم إعادة النظر بما قيل ويقال عنهم وعن حزبهم، ليكون الموقف مبني على حقائق ومعلومات صحيحة، وليس على أقوال مغرضة ومعلومات مشوهة.
الرواية من منشورات وازرة الثقافة، عمان الأردن، الطبعة الأولى 2008.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد