قِراءَةٌ وَنَقْدٌ حول رواية “الرّاعي وَفاكِهَةُ النِّساء” للروائية ميسون أسَدي:

ميسون أسدي

قِراءَةٌ وَنَقْدٌ حول رواية “الرّاعي وَفاكِهَةُ النِّساء” للروائية ميسون أسَدي:

رِوايَةٌ بِدايَتُها في نِهايَتِها وَنِهايَتُها في بِدايَتِها!

بقلم: أ. د. لطفي منصور

 

أَهْدَتْني الرَّفيقَةُ الكاتِبَةُ الرِّوائِيَّةُ ميسون أسَدي رِوايَتَها الْمُمْتِعَةَ الْخَلّابَةَ “الرّاعي وَفاكِهَةُ النِّساء”، رِوايَةٌ في قِمَّةِ الْفَنِّيَّةِ، وَجَوْدَةِ السَّبكِ، وَدِقَّةِ التَّفاصيلِ والتَّصْويرِ لِلْشَّخْصِيّاتِ وَمَشاعِرِها، والأماكِنِ وَالأزْمِنَةِ، وَما تَحْويهِ مِنْ مُثيراتٍ لِلْإنسانِ، كَشَفَ عَنْها “الصِّراعُ عَلَى الثَّرْوَةِ” في قَرْنِنا الحالي، بَيْنَ أعْتَى الدُّوَلِ وَأَقْواها.

رِوايَةٌ بِدايَتُها في نِهايَتِها، وَنِهايَتُها في بِدايَتِها. رِوايَةٌ تَتَكَوَّنُ من سَبْعَةَ عَشَرَ فَصْلًا كُلُّها عُقَدٌ تُثِيرُ القارِئَ الْمُتَأَمِّلَ إلَى النُّخاعِ؛ صِراعُ الثَّرْوَةِ تَجِدُهُ بَيْنَ السُّطورِ، أمَّا مَصْدَرُ الرِّوايَةِ فَقَدِ انْبثَقَ عَنْ حُلُمٍ (مَنامٍ أوْ كابوسٍ) مُتْعِبٍ ثَقيلٍ، دامَ أرْبَعًا وَعِشْرِينَ ساعَةً هِيَ زَمَنُ الرِّوايَةِ حُلُمًا.

ما أَعْظَمَكِ أَيَّتُها الرِّوائِيَّةُ مَيْسون!! يا صاحِبَةَ الْقَلَمِ الْحُرِّ، واهًا لِلشَّجاعَةِ الْمُتَناهِيَةِ، وَالْجُرْأَةِ الصّادِقَةِ، فَقَدِ اخْتَرْتِ مَوْضُوعًا لِرِوايَتِكِ يَقَعُ في صَدْرِ مُشْكِلاتِ الْمُجْتَمَعِ الْعَرَبِيّ عامَّةً، مُنْذُ الْجاهِلِيَّةِ وَحَتّى يَوْمنا هذا.

أَلا وَهِيَ مُشْكِلَةُ الْجِنْسِ. لَقَدْ تَعامَلْتِ مَعَ قَضٍيَّةِ الْجِنْسِ، وَحُقوقِ الْمَرْأَةِ بِحُرِّيَّةٍ في التَّعبيرِ، وَوُضوحٍ في الرُّؤْيا، وَبِمِصْداقِيَّةٍ كامِلَةٍ، طَرَقْتِ الْمَوْضوعَ مِنْ كُلِّ جَوانِبِهِ وزواياهُ، مِنَ الْخَلْوَةِ السِّرِّيَّةِ، ثُمَّ مُمارَسَةِ الجِنْسِ مَعَ الْحَيَوانِ، وَدَوْرِ القطيعِ في إثارَةِ المُراهقينَ في الْمُجْتَمَعِ الْبِدائِي، وَطَريقَةِ الزَّواجِ في هذا المجتمَعِ، وعاقِبَةِ زَواجِ من ذاتِ الْقُربَى، وَسُلْطَةِ الأبِ في العائِلَةِ، ودورِ الأُمِّ خاصَّةً والمرْأَةِ عامَّةً في المُجتَمَعِ.

تَدورُ أَحْداثُ الرِّ وايَةِ وَدَوْرُ شَخْصِيّاتِها في مُجْتَمَعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، يَعيشانِ في مكانٍ واحِدٍ، وَزَمانٍ واحِدٍ: قريَةٌ بَدَوِيَّةٌ ومَدينَةُ تَل أبيب. طبعًا الفُروقُ بينَهما شاسِعَةٌ لا تحتاجُ إلَى تَفصيل. مُمارَسَةُ الجنسِ في القَرْيَةِ مُعظمُهُ عن طريقِ الزَّواجِ، مُمارَسَةُ الْجِنسِ خارِجَ دائِرَةِ الزواجِ مُحْتَمَلَةٌ، أَيِ الْخِيانَةُ الزَّوْجِيَّةُ وارِدَةٌ، أمّا في المجتمَعِ اليَهودي فالحُرِّيَّةُ الجِنْسِيَّةُ سائِدَةٌ. تستطيعُ الفتاةُ في المرْحَلَةِ الثّانويَّةِ مُمارَسَةِ الجنسِ مَعَ صديقِها بِإرادَتِها. وفي العشرينَ مِنْ عُمْرِها تَتْرُكُ بَيْتَ والِدِها لِتَسْكُنَ أَيْنَما تشاء.

استطاعَتْ الرِّوائِيَّةُ أنْ تُحْسِنَ بِإتْقانٍ شَديدٍ تَحْرِيكَ شَخْصِيّاتِ الرِّوايَةِ كُلٌّ حَسْبَ دَوْرِهِ.

هَزاعٌ الشّابُّ العربيُّ

 

 

 

بَطَلُ القِصَّةِ المركزيُّ وَعَشيقاتُهُ من اليهودِيّاتِ والعربيّاتِ وَزَوْجَتاهُ العرَبيَّتان هو دون جوان العَرَبُ كانَ زيرَ نِساء، لا تَكْفيهِ مِائَةُ امُرَأَةٍ، كانَ يصطادُ أجْمَلَ النِّساء. وَقَدْ أحسنتْ الرِّوائِيَّةُ في وَصْفِ هذه الشَّخْصِيَّةِ، والأدوارِ التي لَعِبَها، وَصَفَتْ مَنْطِقَهُ السّاحِرَ، عَيْنَيْهِ كَعَيْنَيْ صَقْرٍ، جِسْمُهُ المُمْتَشِق، وسُمْرَتُهُ الجذّابة.

إنَّ انجِذابَ الجميلاتِ مِنَ النِّساءِ إلَى عزرا وهو الاسمُ الذي أطْلِقَ على هزّاع بِعَدَ أنِ انتقلَ إلَى تل أبيبَ ليعمَلَ في مَطْعَمٍ، ثُمَّ في تَصْفيفِ شَعْرِ النِّساءِ، ثمّ في سِياقَةِ سَيّارَةِ إسعافٍ، والْجُرْأَةَ الخارِقَةَ التي تَحَلَّى بها، يُشْبِهُ بَطَلَ رِوايَةِ “مَوْسِم الهجرةِ إلَى الشِّمال” لِلرِّوائي الطَّيِّب صالح.

غَيْرَ أَنَّ رِوايَةَ ميسونَ أكْثَرَ إثارَةً وَحَرارَةً وَأَجْمَلَ سَرْدًا، وَرَسْمًا لِلمَواقِفِ الغَرامِيَّةِ، والتَّلَهُّفِ الشَّديدِ بَيْنَ الأُنْثَى والذَّكَر عِنْدَ المُمارسَةِ، فَهِيَ مَوَدَّةٌ بِكُلِّ مَعاني الْحُبِّ والتَّوادُدِ، وليست كما يَنُزُو الفَحْلُ عَلَى أُناهُ.

إنَّ السَّرْدَ الذي كُتِبَتْ بِهِ الرِّوايَةُ يَرْتَفِعُ إلَى دَرَجَةِ الكمالِ. لُغَةٌ فَصيحَةٌ سَلِسَةٌ سَهْلَةٌ. فَصيحَةٌ إذا حَرَّكْتَها، وقريبَةٌ مِنَ الدّارِجَةِ إذا أهْمَلْتَها. تَتَحَدَّثُ الشَّخْصِيّاتُ حَسْبَ مُسْتَواها الثَّقافي، فجاءتْ صاخِبَةً تَهْدُرُ كَأمواجِ البَحْرِ.

لَنْ أذْكُرَ كَيْفَ انتَهَتِ الرِّوايَةُ لِأحُثَّ كُلَّ مُثَقَّفٍ عَلَى قِراءَتِها، وَلِيَعْلَمَ القارِئُ أنَّ الْمَرْأَةَ أجْمَلُ وَأرَقُ مَخْلوقٍ عَلَى كَوْكَبِنا إذا عَرَفَ الرَّجُلُ كَيْفَ يُعامِلُها.

وَقَدْ أحْسَنَتْ الكاتِبَةُ في اختيارِ عنوانِ الرِّوايَةِ وهو: الرّاعي وَفاكِهَةُ النِّساءِ. لِأَنَّ اللَّهَ جَبَلَ في خَلْقِها طَعْمَ جميعِ فَواكِهِ الأرْض.

تَمَتَّعْتُ جِدًّا بقراءَةِ الرِّوايَةِ، وأَشُدُّ عَلَى يَدَيِ الكاتِبَةِ وُأُهَنِّئُها عَلَى إصْدارِ هذه الرِّوايَةِ المُبْدِعَةِ الْعَظيمَةِ.

(الطيرة – ٦/٨/٢٠٢١)

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد