لميعه عباس عماره—رائدة الأدب العربي الحديث

عبد الجبار نوري

لميعه عباس عماره—رائدة الأدب العربي الحديث

عبدالجبارنوري

تحية لشاعرة الأحاسيس والوجدان ، ما أرق كلماتها وما أعذب معانيها ، أشعارها سردية ناعمة مخملية الصيرورة وستبقى عصيّة الأستنساخ بدوام أبداعها وتميّزها في صنع سلالم الحروف البهيّة ، وأشعارها منظومة لئالئ مطابقة لما قالهُ الشاعر الأنكليزي ” أليوت عن الشعر الجيد : (الشعر الجيد هو قد يبلغ القلب قبل تمام الفهم ) .

عراقية عفوية جميلة جداً بجمال عراقي أخاذ قبل (موظة )عمليات التجميل، تراكيبها الوراثية تعود إلى المرأة السومرية البابلية ، أنوثة وثقافة وأبداع ، فهي حقاً رائدة الشعر العراقي الحديث ، توفيت لميعة عباس عمارة صباح الجمعة 18-6-2021 ، وفاة لميعة خسارة لكل من عرفها من العراق والعالم العربي ، حصلت على الكاريزمية الشخصية مبكرا وستبقى ذكراها في وجدان من عرفها شخصيا وعبر أشعارها وبحوثها ودراساتها الثرة .

وأن لميعة أحدثت أنقلاباً واضحاً في الشعر لكونها أكدت على مفهوم الحرية وكانت صوتأ للمرأة ، وكانت جريئة جدا في تناول المرأة (كذات)؟! ، تحدت التقاليد وأستثمرت جرأتها وتحديها لذكورية المجتمع وتسيده وتنمره على حقوق المرأة .

ولدت لميعة عباس عمارة لعائلة عريقة مشهورة في بغداد سنة 1929 ، وجاء لقبها العمارة من والدها ، والعمارة مدينة جنوبية متشاطئة مع لجة التأريخ والميثيولوجية ، تركبت شخصيتها من طين الرافدين بجذور سومرية ، أوغلت في التبغدد بحياة مترفة تميل دوماً إلى الدعة والأنبساط .

ودرست في دار المعلمين العالية فرع اللغة العربية في هذه الدار كانت فرصة ثمينة لمعايشة ورفقة قامات ثقافية وشعرية في مواكبة حركة الشعر الحر الحديث فكان منهم الشاعر بدر شاكر السياب الذي وضع لميعة في قصيدته ( أنشودة مطر ) التي مطلعها :

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

فكانت صداقة زمالة بريئة كما حكت لميعة للروائية ” أنعام كججي ” .

فكانت شاعرتنا طاقة مثابرة لا تهدأ فقد شغلت عضوية الهيئة الأدارية أتحاد الأدباء في بغداد خلال الأعوام 1963 – 1975 ، وتولت نائب الممثل الدائم للعراق في منظمة اليونسكو في باريس بين عامي 1973 – 1975 .

فقد تركت ورائها مجاميع شعرية تحوي تجاربها الثرة والثرية في الحياة والشعر في دواوينها هي :

الزاوية الخالية 1960 ، عودة الربيع1963 ، ويسمونه الحب 1972 ، أغاني عشتار 1969 ، لو أنبأني العراف 1980 ، البعد الأخير 1988، أنا بدوي دمي .

وها هي تغرد وتصدح في قصيدتها المشهورة من ديوان “لو أنبأني العراف ” وهو الديوان الوحيد في مكتبتي المتواضغة :

تقول في لو أنبأني العراف !  بصوت رومانسي مرهف في الشعر العراقي

إنك يوماً ستكون حبيبي

لم أكتب غزلا في رجل

خرساء أظلّ

لتظل حبيبي

لوأنبأني العراف

إني سألامس وجه القمر العالي

لم ألعب بحصى الغدران

ولم أنظمّ من خرز آمالي .

لميعة عباس عمارة شاعرة الرومانسية العراقية – وهي تقول :

أتدخنين ؟! لا—

أتشربين ؟! لا—

أترقصين ؟! لا —

ما أنت جمع لا—-؟!

أنا التي تراني

كل خمول الشرق في أرداني

فما الذي يشدُ رجليكِ إلى مكاني

يا سيدي الخبير بالنسوان

إن عطاء اليوم شيَ ثاني

حلق ؟!

فلو طأطأت—- فلن تراني

وتقول في ديوانها الموسوم ب ” عودة الربيع ”

مرحى ومرحى يا ربيع العام

أشرق فدتك مشارق الأيام

بعد الشتاء وبعد طول عبوسه

أرنا بشاشة ثغرك البسام

وأبعث لنا أرج النسيم معطراً

متخطرا كخواطر الأحلام

وفي قصيدة على شواطئ الأطلسي تقول :

من غرفتي أحكي عن الحب أنا

وعن هوى لم ألمسِ

كفيلسوف يصف الخمر التي لم يحتسي

عانت وشربت من الغربة ومنافيها حد الثمالة

حيث تناءى الدرب وأنشق إلى نصفين

جدار الروح نصفين

فنصف تاه في أروقة الغربة

والنصف أسير بين نهرين

ومع معاناة هذا الوجع تردد :

وما أجمل هذا الأسر وما أحلاه

لو كنا على ضفته نرتاح يومين

نرتاد مقاهيها ونمضي للأخلاء

أربع وعشرون عاما في أمريكا لم تغيّر منها تلك السنون شيئاً ، فهي لم تشعر يوماً بالأنتماء غير أنتماء العراق الحبيب ، فقد كانت فتاة في أوج شبابها بيضاء البشرة تمطر حسناً ورقة ودلالاً، كأنها الرشا المتوثب النفور وفي أنثيالات شعرها الخمري المسدول لمعة يا لميعة  ، كانت رسالتها بسلاح الشعر في نشر المحبة والسلام لا الكراهية الفوقية البغيضة ، ستبقين في ذاكرة التأريخ  بصمتك شاخصة وعميقة ، يبدو لي كأنك متسابقة التي لا تبارى فأنت أميرة العبق وأنت يا أنت نوارة الحرف وماهية المعاني وألق الحرف وصيرورة الزمكنة .

لك منا محبة تليق بنقاء روحك وصفاء قلبك وجمال حضورك المترع ، كنت ولا زلتِ مشعل نور متوهج بالعطاء ، وأنت أيقونة الثقافة والأنسنة ، دواوينك نصوص من الروعة ما يقول هل من مزيد ؟ يتجلى فيها جمال الرؤى وعبق الفكرة وشغف الأنهمار حيث تأتلق فيها لغة الأبداع مقرونة بشذى التمييز ، وناضلتِي ضد تصحر القلوب التي لا يفيد معها التنقيط ، ووجدتكِ دوماً مع أشاعة فلسفة الجمال الذي هو سر أنقاذ البشرية كما يعتقدونهُ الفلاسفة .

ورثاها بعض من القامات الأدبية والثقافية والأعلامية في السويد

نعاها الرئيس العراقي برهم صالح : نودع الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة في منفاها ، ونودع معها أكثر من خمسة عقود من صناعة الجمال .

نعاها الدكتور ” عقيل الناصري ” { وداعا لميعه عباس عماره — سيدة الأبداع والرقة والعذوبة}

ورثاها الأديب جاسم المطير  : رحلت الشاعرة الرقيقة بنت دجلة والعراق ، ويبقى شعرها برقته وجماله وحبه للعراق خالدا .

ونعاها الأعلامي الدكتور سلام قاسم : غيب الموت الشاعرة العراقية لميعه عباس عماره بعد أن تركت لنا أرثا ثقافيا كبيرا ، أجادت لمحبيها وقراءها بقصائدها العذبة في الحب والحياة ، وأمتازت بجرأتها ممزوجة بغنج أنثوي ودلال رومانسيا ووصلت النجومية في الفصيح والعامية بمنتهى البلاغة ، يا لميعة أنت من رفع راية الشعر بكل ثقة وثبات ، وفخري أنك ستبقين خالدة بأرثك حب الوطن والتبغدد عزا وجاها  .

ورثتها الأديبة والشاعرة ” رفيف الفارس ” : هُدم اليوم عمود كان سنداً لتهجداتنا وغابت أشرعة الجمال ، يا لمعة الشعر والجمال والأنوثة والرقة ، يا نصا من أساطير سومر وبابل .

رثاها بوجع الشاعر الأعلامي التقدمي ” فالح حسون الدراجي : ماتت نخلة البرحي وترمل بستان الشعر ، قارورة عسل الشعر تهشمت في ثمالة هذا الليل المترع بخمرة الجمال .

وهكذا حال الدنيا :

العابرون لا يتكررون

والراحلون لا يعودون

ربما — ربما القادم أجمل ؟؟؟!!!

الأديب عبدالجبارنوري

في 20/6/2021

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد