مرافىء ثقافية

نهاد شكر الحديثي

مرافىء ثقافية

نهاد الحديثي

بغداد تجد ذاتها في القدس توآمها الروحي والثقافي , وهي تواجه بشموخ وإباء محاولات الاحتلال لمسخ هويتها وطمس معالمها والغاء موقعها كرمز ومعلم رئيس للحضارة الاسلامية”. حينما نحتفي ببغداد والقدس كعواصم للثقافة العربية , فاننا نبغي ان تكون المناسبات جسور تواصل بين ابناء الامة العربية , تؤدي الى تعارف اكبر وفهم اعمق لبعضنا البعض.

نعم—القدس عاصمة القلوب القدس ليست مقدسة بمعالمها بل بناسها. ورجال ونساء المقاومة الباسلة , ولن نستطيع المحافظة على عروبتها ما لم نستطع المحافظة على عرب القدس”هكذا يفول سميح القاسم ، وأضاف قبل أن يقرأ إحدى قصائده عن مدينة القدس 67% من أهالي المدينة المقدسة يعيشون تحت خط الفقر. هذا عار على العرب والمسلمين. وعلى العرب أن يحافظوا على كرامة أهل القدس”.وأوضح القاسم أن القدس كانت دائما عاصمة للثقافة العربية “هذه مسالة تاريخية.. كان العلماء يتمون علمهم بعد بغداد ودمشق والقاهرة في القدس”.واعتمدت جامعة الدول العربية قرارا يقضي بأن تكون القدس عاصمة أبدية للثقافة العربية يجري توأمتها مع كل عاصمة للثقافة العربية في كل عام.

القدس قلب العرب النابض، عاصمة فلسطين، مهد السيد المسيح عليه السلام، ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أولى القبلتين، وثالث الحرمين.

حظيت القدس باهتمام الشعراء العرب، في أقطار الوطن العربي كله، حتى في المهجر، فنظم الشعراء أبهى القصائد في التغني بها، والدفاع عنها، وتأكيد الأمل في خلاصها من أذى العدوان الصهيوني.—-ولقد حملت معظم القصائد معاني مشتركة، من أبرزها- التنبه في وقت مبكر إلى الخطر الصهيوني، وتنبيه العرب على ضرورة العمل لوقف الغزو الصهيوني، بالتضامن والاتحاد,فضح شراسة العدو الصهيوني في إلحاقه الأذى بالشعب العربي في فلسطين واحتلاله الأرض.- تصوير مآسي الشعب العربي في فلسطين وما لحق به من مجازر وتهجير واحتلال لأرضه- تمجيد البطولات والإشادة بالشهداء وتصوير صمود الشعب في الأرض وتمسكه بها.

ومنذ البدء كان الشعراء جميعاً واعين لخطورة العدو الصهيوني حتى من كان منهم بعيداً عن الوطن، ففي المهجر الأمريكي، يندد الشاعر القروي رشيد سليم الخوري بوعد بلفور عام 1917، ويذكر بصلاح الدين معتزاً به فيقول فاحسب حساب الحق يامتجبر – مهج العباد خسئت يامستعمر

ويفخر الأخطل الصغير (1885- 1968) ببطولات العرب في فلسطين يوم انتفضوا على المحتل الغادر عام 1936 ويشيد بالشهداء ويدعو الشيخ جميل العقاد من حلب (1898- 1968) إلى المشاركة في حرب عام 1937 في فلسطين، ويؤكد أن القدس هي قلب سورية وتأتي دعوته عفوية حماسية، وبأسلوب خطابي فيقول: لفلسطين اشرئبوا   إن جيش العرب لجب—
وفي عام 1947 أقرّت الجمعية العمومية مشروع تقسيم فلسطين، فرفض العرب هذا المشروع، وتم تشكيل جيش الإنقاذ من مئات المتطوعين ودخلوا فلسطين في صور جديدة، ولغة متميزة، يقول :

يارؤى عيسى على جفن النبي

صهلة الخيل ووهج القضب

ونمت مابيننا من نسب

وإذا بغداد نجوى يثرب

وفي صباح يوم 15 أيار 1948 أعلن الصهاينة عن قيام دولة إسرائيل.
وينفجر الغضب في قلب الشاعر العربي عمر أبو ريشة فيعاتب أمته بقسوة منكراً عليها تقصيرها، ويعبّر الشاعر المصري صلاح عبدالصبور (1932- 1982) عن صمود الفلسطيني وتعلقه بأمل العودة ، مستعيناً على ذلك بشعر التفعيلة، متخلّصاً من كثير من الخطابة والحماسة، محاولاً تطويع هذا الشعر لموضوعات كان الشعر التقليدي ينفرد بها، يقول :

كانت له أرض وزيتونه

وكرمة وساحة دار

وعندما أوفت به سفائن العمر إلى شواطئ السكينة

وخطّ قبره على ذرا التلال

انطلقت كتائب التتار

ويؤكد الشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي (1926- 1999) أن يوم العودة قريب، مادام هناك قلب ينبض بالحياة، ويعبر عن ذلك بقدر كبير من العفوية والبساطة والمباشرة، منطلقاً من مفهومه التزام الشعر لقضايا الواقع، يقول :

أنا لن أموت

مادام في مصباح ليل اللاجئين

و يقول نزار قباني في قصيدة له عنوانها القدس ترجع إلى عام 1968 يمجد فيها القدس مدينة السلام ويسأل من سينقذها :

ياقدس يامدينة الأحزان

ادمعة كبيرة تجول في الأجفان

من يوقف العدوان ؟

عليك، يالؤلؤة الأديان ؟

من يغسل الدماء عن حجارة الجدران

من ينقذ الإنجيل

من ينقذ القرآن ؟

من ينقذ الإنسان ؟

إن قصيدة ” منشورات فدائية على جدران إسرائيل ” تكاد تكون وحدها ممثلة لكل ماتضمنه الشعر العربي من معان وأفكار في اهتمامه بالقضية الفلسطينية، وهي جديرة أن تكون بحق قصيدة فلسطين الأولى.وينتفض الشعب العربي في فلسطين، ويحمل كل طفل حجراً، ليرمي به آلة العدوان، مؤكداً الحق العربي، فاضحاً زيف الكيان الصهيوني، يقول ممدوح عدوان:

هذا زمان من حجر

الظل وسط الصيف مات من الضجر

والسيف وسط الحرب مات من الضجر

والماء في الأنهار قد أضحى حجر

إن ماقيل عن القدس من شعر وعن القضية الفلسطينية كثير، هو بقدر ماأريق من دماء الشهداء، وبقدر مادمّر من بيوت وقرى في أرض فلسطين، وهو شعر شارك فيه كل الشعراء في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، ، ، و كان مخلصاً للقضية، محباً لها، مدافعاً عنها.

ومن حق هذا الشعر أن تترجم بعض نصوصه إلى اللغات الحية، وأن ينشر في الغرب،ليتعرفوا إلى القضية الفلسطينية، والحق العربي.
وحسب ذلك الشعر فخراً حمله القضية هماً، وموضوعاً، وفناً، وإخلاصه لها، وقديماً قيل: “الشعر ديوان العرب”، وسيظل “الشعر ديوان العرب”.

كم نحن العرب والعراقيين , ادباء وشعراء بحاجة ماسة لااقامة اسبوع ثقافي في مدينة القدس تنفذه المؤسسات الثقافية المقدسية بأشراف الطرفين والسعي لانشاء بيت ثقافي عراقي — عربي في مدينة القدس بالتنسيق مع اللجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للثقافة العربية لما للقدس من مكانة خاصة لدى الشعب العربي

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد