مكانة المرأة في الحضارة الساسانية (3 – 4)

مهدي كاكه يي

مكانة المرأة في الأديان الكوردية (12)

تحالفات الزواج

كان تعدد الزوجات سائداً عند الملوك الساسانيين وذلك لِحاجة الملِك إلى إنجاب ذُرّية عديدة من الذكور من أجل اختيار أفضل وريث للعرش، وبسبب الحاجة إلى عقد زواج مع بنات النبلاء الساسانيين والحلفاء السياسيين من أجل ترسيخ الولاءات السياسية. نظرًا لأن نسل الوريث للعرش لم يكن يعتمد على أصل والدته أو عِرقها أو معتقدها الديني، فإن الادّعاء بأن زواج المحارم، الذي يُزعَم أنه أُبرِم من أجل الحفاظ على “السلالة النقية” لِتحديد اختيار وريث العرش، يتم تفنيده بشكل أكثر.

بدايات السُلالة الساسانية غامضة فيما يتعلق بِنساء الأسرة الملِكية، كما هو الحال فيما يتعلق بِنَسَب (أردشير) من ساسان. يدّعي المؤرخ الطبري (سنة 839-923 م) أنّ (پاپك) كان ابن كلّ من (ساسان) و(رامبَهَشْت)، ابنة الأسرة النبيلة لعشيرة (بازرانگي Bāzrangi) [a]، بينما يذكر (شاپور الأول) في نقشه أنّ (ديناگ) هي أم (پاپك)، ويشير إليها على أنها والدة الملِك، دون ربطها بِساسان (نقش كعبة زردشت، الفقرة 23). كان (پاپك) نفسه متزوجًا من امرأة تُدعى (روداك Rōdak)، والتي بِصفتها والدة (أردشير الأول I Ardašir)، كانت تحمل لقب (والدة ملِك الملوك)، (نقش كعبة زردشت، الفقرة 41). مُنحت (ديناگ)، ابنة (پاپك) لقب ملِكة الملِكات، وهو اللقب الذي يظهر الآن بالتوازي مع لقب ملِك الملوك الذي يحمله ابن (پاپك) ووريثه [b]. ختم ((Hermitage Museum, St. Petersburg, Russia, Inv. GL. 979) يصوّر امرأة في الملف الشخصي، ويحددها على أنها” (ديناگ Dēnag)، ملِكة الملِكات، “(MPers. Dēnag ī bāmbišn bāmbišnān mahist pad tan šābestān) تُنسَب إليها تقليديًا. لا يمكن التحقق مما يعنيه هذا العنوان على وجه التحديد، ولكن قد يُفترض أنها كانت رئيسة لِقسم النساء في المحكمة ومسؤولة عن موظفيها.

بصفتها والدة (شاپور الأول)، وريث العرش، تم نقل لقب والدة ملِك الملوك إلى زوجة أردشير، (موررود)، بينما ابنة شاپور، (آدور- أناهيد)، أصبحت ملِكة الملِكات ([c]. هناك صورة على ختم لِملِكة الإمبراطورية (خوارانزيم Xwaranzēm)، التي على الأرجح هي لزوجة شاپور الأول [d]. التمييز بين زوجة الملِك – التي تم تحديدها في حالات الملِك (پاپك) و (أردشير الأول) و(شاپور الأول) وبين الفتاة الملِكية التي حصلت على لقب ملِكة الملِكات، الذي هو مختلف عن لقب الملِكة الممنوحة لنساء أخريات في المحكمة، يجعلنا أن نرفض الرأي الشائع القائل أن اللقب يشير تلقائيًا إلى زوجة الملِك. من الواضح أنه تم استخدامه للإشارة إلى أعلى رتبة بين ملِكات البلاط الساساني، والتي تضمنت زوجات الملوك المحلية للمناطق.

يصعب تفسير إشارة غير عادية إلى أصل الإبنة من ناحية الأم [e]، حيث تم ذكر (خوارانزيم Xwaranzēm) على أنها والدة (وَرازدوخت Warāzduxt)، على الرغم من أن الإسم نفسه لا يعني أنها لم تكن إبنة (شاپور الأول). في نقشه، يذكر شاپور الأول أبناءه (هرمز الأول) و (شاپور) و(نارسيه) و(بهرام الأول) (حكم سنة 271-274) دون الإشارة إلى نَسَب الأم. ومع ذلك، وفقا للطبري، كانت والدة هرمز وابنة الملِك (ميهراك Mihrak) [f]. إن ذكر (هرمزداگ Hormozdag) بإعتباره ابن (هرمز الأول) مسبوق بإشارة إلى الملِكة (ستاخرياد Staxryād)، التي يمكن تحديدها على أنها زوجة (هرمز الأول ([g]. بالنسبة لإبن (شاپور الأول)، (شاپور)، ملِك (ميسيني Messene)، فإن إبنه (پیروز Pērōz) والإبنة (شاپوردوختاك Šāpurduxtak) مُعرّفان، في حين أن زوجته ربما كانت الملِكة (ديناگ Dēnag)، التي عُرفت بإسم (ملِكة ميسيني)، [h]. تمت تسمية (شاپوردوختاك Šāpurduxtak)، ملِكة (ساكاس Sakas) والسيدة (نارسيهدوختاك Narsehduxtak) على التوالي كزوجة ويفترض أنها ابنة (نارسيه Narseh)، ملِك (ساكاس). حذّر شهبازي من تحديد (شاپوردوختاك) على أنها إبنة شاپور الأول [i]. إن الاسم الشخصي نفسه لا يسمح بأي استنتاج فيما يتعلق بِنَسَب الإمرأة الأبوي فيما يتعلق بإبنة أخرى ل(نارسيه)، التي إسمها (هرمزدوختاك Hormozdduxtak ) [e]. أخيرًا، امرأة يُشار إليها بإسم السيدة (چاشماگ Čašmag) وعلى الأرجح أنها عضوة في العائلة الساسانية المالِكة [e]، يمكن ربطها بِ(چاشماگ شجاع شاپور Čašmag brave-of-Shapur) [j].

يذكر الطبري زواج الأخ والأخت بين (بهرام السادس چوبین Bahrām VI Čōbīn) (حكم سنة 590-91) و(كورديه Kurdiyah)، ولكن لم يذكر فيما إذا كانا شقيقَين حقيقيَين [k]. لم يُعرف أي شيء عن نسل (ديناگ Dēnag)، زوجة (يزدكورد الثاني) (حكم من سنة 439 إلى 577 م) والتي هي أم پيروز (حكم سنة 459 – 84) و(هرمز الثالث) (حكم سنة 457-59)، على الرغم من أن اسمها يشير إلى أنها كانت عضوة في العائلة المالِكة الساسانية. يقال إنها حكمت المملكة المحيطة ب(تيسفون Ctesiphon) [l]. إذا كانت هذه المعلومات هي تاريخية، فإنها تشير إلى أنه يمكن إعطاء النساء الملِكيات مناصب سياسية في تنظيم الإمبراطورية.

حدثت زيجات عديدة للملوك الساسانيين من نساء غير ساسانيات بِسبب التحالفات السياسية، ومن المثير للإهتمام أن أبناء هذه الزيجات غالبًا ما كانوا ينجحون في تولي العرش. يُقال أنّ زوجة بهرام الخامس، (گور) (حكم سنة 420 إلى 38) كانت أميرة هندية [m]، إلا أنه لم يُعرف أي شيء عنها أو عن نسلها. أدى الزواج بين (كاوا الأول Kawād I) (حكم 488-496) و(نيواندوخت Nēwanduxt)، ابنة خاقان الهفتاليين، إلى أن تصبح والدة ملِك الملوك (خسرو الأول أنوشيروان) (حكم سنة 531-79). قيل إنها ربما كانت ابنة (پيروزدوخت Pērōzduxt)، التي سبق أن أسرها الملِك الهفتالي، وأعيدت بعد أن تفاوض (سوكرا) على إطلاق سراحها [n]. ومع ذلك، فإن معقولية هذا التقرير تعتمد على جدوى إنجاب (پيروزدوخت Pērōzduxt) لطفل ملِكي كان عليها بعد ذلك تركه عند إطلاق سراحها من الأسر. على حدّ سواء، لأسباب سياسية، تزوج الملِك (خسرو الأول) من ابنة خاقان الأتراك التي أصبحت والدة (هرمز الرابع) (حكم سنة 579 إلى 90) [o]. يُقال إن (خسرو الثاني) (حكم سنة 590-628) تزوج زوجتين مسيحيتين: الأميرة البيزنطية (مريم) و(شيرين). وفقًا لمصادر مسيحية، كانت هذه الأخيرة أيضًا أميرة بيزنطية [p]، رغم أنها من أصل آرامي [q]. وبحسب الطبري [r]، كانت (مريم) والدة (كاوا الثاني Kawād II) (حكم سنة 628)، بينما كانت شيرين والدة (مردانشاه) والوالدة (المُرضِعة) ل(شهريار). (خسرو الثاني) تزوج (شيرين) في سنة 592، وعلى أمل ولادة ابن له، خصّص هدايا لضريح القدّيس (سرگيوس Sergius) في الرصافة (Sergiopolis) بعد عام [s]. يرى (فودن Fowden) أنّ تبرّع الزوجَين الملِكيَين بِصليب ذهبي، وكذلك بنائهم لِثلاث كنائس، واحدة منها كانت مخصصة للقديس (سرگيوس)، هو موازٍ للتقديم السابق للصليب ومشاريع البناء التي قام بها الإمبراطور (جوستينيَن Justinian) (حكم سنة 527-65) والإمبراطورة البيزنطية (ثيودورا Theodora) (متوفية في سنة 548) [t]. تمّ بناء كنيسة شيرين مع قصر في (بيت لاشپار Beṯ Lašpar)، والذي تم تحديده على أنه (قصر شيرين) الواقع في إقليم شرق كوردستان) [u].

خلال الاضطرابات السياسية في أواخر الفترة الساسانية، نجحت ابنتان للملِك (خسرو الثاني)، (بوران Bōrān) و(آزارميگدوخت) (حكمت سنة 631 م)، ولو لفترات وجيزة من الزمن، أن تعتليان العرش الساساني. وفقا للمؤرخ (حمزة أصفهاني Hamza Eṣfahāni)، كانت (بوران) ابنة زوجة خسرو المسيحية (مريم) [v]. تميّز عهدها بِحُكم خير وأمل في إنهاء الحرب بالوسائل السلمية. قامت بإصدار عملات معدنية جديدة، وصدرت أوامر بإعفاء ضريبي وإعادة بناء الجسور الحجرية والجسور المصنوعة من القوارب، لتحسين الوضع الاقتصادي في الإمبراطورية [w]. تعرّفها العُملات المعدنية في الأسطورة وتُظهِر صورتها وهي ترتدي تاج وهلال [x]. أهم إلتفاتة سياسية ل(بوران) كانت عودة الصليب المقدس إلى القدس. استمر حكم (آزارميگدوخت ) لستة أشهر فقط قبل أن تُقتل على ما يبدو على يد (رستم)، نجل (فَروك هرمز FarroḵHormozd)، قائد جيش خراسان [y]. قامت هذه الملِكة بِسك عملات معدنية تحمل اسمها ولكنها أظهرت صورة ملِك، تم تحديده إما أن تكون صورة والدها أو صورة (فَروك هرمز) [z] [ab]. جميع العملات المعدنية المعروفة التي تحمل اسمها مأخوذة من مدينة تيسفون.

ملاحظة: كان مخططاً ان يتم نشر موضوع (مكانة المرأة في الحضارة الساسانية) في ثلاث حلقات، الا أنه نظراً لِطوله وتجنباً للإطالة، يتم نشره في أربع حلقات.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد