مكانة المرأة في الحضارة الساسانية (1 – 3)

مهدي كاكه يي

مكانة المرأة في الأديان الكوردية (10)

مكانة المرأة في الإمبراطورية الساسانية هي نتاج مُركّب من العقيدة الزردشتية والثقافة الكوردية، حيث أنّ حُكّامها كانوا كورداً ولذلك جعلتُها ضمن هذه السلسلة من المقالات رغم كون الدين الزردشتي هو دين فارسي، نشأ وترعرع وإنتشر بين الفُرس ودعمه الفُرس الذين قاموا أيضاً بتحوير هذا الدين الى آيديولوجيا تلائم القومية الفارسية وفعلاً نجح الفُرس في إستغلاله للقضاء على الإمبراطورية الميدية وتأسيس المملكة الأخمينية الفارسية على أنقاضها.

لعبت العقيدة الزردشتية دورًا مهمًا في تحديد مكانة المرأة الساسانية. وفقًا للعقيدة الزردشتية، في بداية الخلق، نبت نباتان متشابكان من نبات الراوند من الأرض، وتحوّلا تدريجياً إلى شخصَين. بدا هذان الشخصان متشابهين في القامة والنظرة، وكانا يُعرفان بِ(ماشيه Mashieh) و(ماشيانه Mashianeh). جاء في كتاب (بونداهشن Bundaheshn)، ما يلي: و في تلك اللحظة نفخ (أهورامزدا) الروح (المخلوقة قبل الجسد) في (ماشيه) و(ماشيانه)، وأصبح هذان الإثنان مخلوقَين حيّين، ثم قال لهما: “أنتما أم وأب أهل الدنيا، خلقتُكما بشكل جيد وكاملاً، استخدما أقوالكما وأفكاركما وأفعالكما بشكل صحيح ولا تعبدا الأرواح الشرّيرة”. فبدأ (ماشيه) و(ماشيانه) يتحركان واغتسلا ثم قالا: يوجد (أهورامزدا) واحد فقط وهو خالِق الشمس والقمر والنجوم والسماء والماء والأرض والنبات وجميع الكائنات الحية [a]. يشير هذا إلى المكانة المتساوية التي يتمتع بها الرجال والنساء في رواية خلق الانسان في الدين الزردشتي.

عندما يظهر (ساوشيانت Saoshyant) (الماشيه الزردشتي) من حول بحيرة (هاموون Hamoon)، سيأتي إليه (30000) ثلاثون ألف رجل وامرأة صالحين ومؤمنين من مختلف المناطق. من بين هؤلاء الثلاثين ألفًا، نصفهم رجال والنصف الآخر نساء. علاوة على ذلك، من أصل ستة (آميشا سپينتا Amesha spentas) (المعبودون الآدميون)، هناك ثلاث إناث وثلاثة ذكور. المعبودون الآدميون الذكور هم: (بهمن Bahman)، (ڤهمن Vahman) أو (ڤوهو مانه Vohu manah) الذي يعني (التفكير الصالح)؛ (أورديبَهَشت Ordibehesht) أو (Asha vahishta) التي تعني (العدل، الحقيقة)؛ و (شهريڤر Shahrivar) أو ( Khshathra Vairya ڤايريا خشاثرا) الذي يعني (المنطقة المرغوب بها). المعبودات النسائيات الثلاث هنّ: (إسفَند Esfand) أو (أرمايتا Armaita) أي (المعبودة أنايتا Annaita، التقوى)، (إسفند) هي حامية الأرض، (خورداد Khordad) أو (هاورڤاتات Haurvatat) التي تعني (كمال) وهي حامية المياه؛ وأخيراً (أمورداد Amordad) أو (أميريتات Ameretat) التي تعني (الخلود). علاوة على ذلك، فإن العديد من ال(زَد zad) التي هي مماثلة للملائكة وذات مرتبة أقل من المعبودات الآدمية Amesha Dédas))، هنّ من الإناث. على سبيل المثال، في فجر اليوم الرابع بعد وفاة الإنسان، عند جسر (Requiter) أو (Chinvat)، سوف يقوم {الملائكة (مهر Mehr)} و (سوروش Soroush) و (راشن Rashn)، بإستجواب أرواح الموتى فيما يتعلق بأعمالهم وأفعالهم في الدنيا. أول إثنين من الملائكة المذكورين هما من الذكور، بينما (راشن) هي أنثى. كذلك المَلَك (داينا Daena)، التي إسمها يعني (الضمير والدين)، تتعاون مع المَلَك (راشن). كما أن المَلَك (چيستا Chista) (المعرفة والعقل)، والمَلَك (آشي Ashi) (الغفران والكرم والراحة) كلتاهما من الإناث.

إحدى الحقائق التي تشير إلى المساواة بين المرأة والرجل في الدين الزردشتي، هي اللقب (Nemanopayeti) الذي يُطلق على المرأة، والذي يعني “نور البيت”، بينما اللقب الذي يُمنح للرجال هو (Neman payeti)، والذي يعني “رب البيت” [ٍb].

علاوة على ذلك، فإنَّ التحية والرحمة تنهمران على (فراڤاهار fravahar) (روح وجوهر) الرجال والنساء على السواء بعد موتهم. جاء في كتاب (ياشت Yasht) ما يلي: “نرحم روح الصالحين والصالِحات”. وبالمثل يذكر (Geiger) في بحثه عما جاء في آڤيستا ما يلي: “أوه (أهورامزدا)! نحن نُثمّن نساء هذه الأرض، النساء اللواتي اخترن الصواب طريقًا لهن” [ٍb]. في (Farvardin Yasht)، الذي هو أطول (Yasht) في الكتاب المقدس الزردشتي (آڤيستا Avestas)، يتم إنهمار الثناء بالمثل على روح وجوهر كل من النساء الصالحات والرجال الصالحين. يُفهَم مما جاء في نصوص الكتاب المقدس الزردشتي أنّ العقيدة الزردشتية تُثمّن النساء الصالحات فقط، أي اللواتي يتمسكن بتعليمات وشرائع زردشت.

خلال الحفريات الأثرية في قصر (پيرسيپوليس Persepolis)، تم العثور على ألواح تُظهِر النساء يعملن جنبًا إلى جنب مع الرجال في بناء قصر (پيرسيپوليس)، ويتلقون أجورًا ومزايا، مثل الخبز والنبيذ، وما إلى ذلك، مساوية للمبلغ المعطى للرجال. توجد هذه الألواح حاليًا في مختلف متاحف العالَم [b].

يؤكد المستشرق الدنماركي (كريستنسن Christensen) أن الرجال كانوا يتصرفون بإحترام مع النساء في الإمبراطورية الساسانية وكانت النساء يتمتعنَ بالحرية المطلقة في الأمور الشخصية والاجتماعية والعامة [ٍc]. كانت الفتيات أحرارًا في اختيار أزواجهنّ، وهي نقطة تتجلى بوضوح في موقف زردشت تجاه ابنته الصغرى (برووسچيستا Prooschista)، حيث قال زردشت ل(برووسچيستا Prooschista) “لقد اخترتُ المُتعلم (جامأسپ Jamasp) وزير الملِك، (ڤيشتأسپ Vishtaspa)، زوجاً لكِ، استخدمي تقييمكِ الخاص بكِ، وانظري فيما لو أنه يُناسبكِ”.

في كتابه عن الحقوق القانونية للمرأة خلال الفترة الساسانية، يشير (بارثولوماي Bartholomae) إلى أن المرأة كانت حُرّة في اختيار زوجها، ولم يكن عليها أن تقبل الرجل الذي اختاره لها والدها. في حالة رفض قبول اختيار الأب، كان لا يجوز للأب أن يُحرّم إبنته من الميراث أو أن يتخذ أية إجراءات ضدها [ٍd]، حيث أنه لا يمكن للأب تزويج إبنته إلا بموافقة زوجته.

في أعمال (ماتيكان هَزار دادستان Matikan Hezar Dadestan)، نجد أنه مكتوب: “لا ينبغي إجبار الفتيات على الزواج الذي لا يوافقن عليه” [c]. ومرة أخرى، “حتى بعد الزواج، يلتزم الأبناء والبنات بِسداد ديون والدَيهم المالية [e]. بعد وفاة رب الأسرة، يتم منح الأُم الوصاية على الأسرة. في حالة الطلاق أو الانفصال، يمكن للمرأة أن تطلب المهر، وطالما أنها لم تتزوج مرة أخرى، أو لم تحصل على مصدر دخل مستقل، يحق لها الحصول على نفقة من زوجها السابق.

استنادًا إلى المعلومات المتعلقة بالميراث في كتاب (ماتيكان هزار دادستان)، خلص (بارثولوماي Bartholomae) إلى أنه “خلال الفترة الساسانية، بعد وفاة الأب، تم تقسيم الميراث على النحو التالي: الزوجة والأبناء يرثون حصصًا متساوية. ورثت البنات نصف هذا المبلغ إذا كانت متزوجة، وحصلت على جهاز الزواج، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فقد ورثنّ أيضًا مبلغًا مساويًا لمقدار والدتهنّ أو كل من إخوتهنّ ” [d]. يمكن للأم أن تكون وصية على أطفالها ويمكن للزوجة أن تدخل الدعوى نيابة عن زوجها، وأن تُدير ممتلكاته له (في حالة مرض الزوج أو جنونه). يمكن للزوجة رفع دعوى ضد زوج قاسٍ وسوء معاملته لها، وتطلب من المحكمة العقوبة المناسبة. تُقبَل شهادة المرأة في المحكمة ويمكن للمرأة أن تصبح حاكِمة أو قاضية. يمكن للمرأة أن تحكم كلاً من المقاطعات والدولة، ويمكنها أن ترث كل ثروتها.

فيما يتعلق بالتدريب والتعليم، كانت تتم معاملة الفتيات والفتيان على حد سواء حسب الكتاب المقدس (آڤيستا)، الذي جاء فيه: “أوه (آهورا مزدا Ahura Mazda)، أعطني طفلة/طفلًا قادرة/قادرًا على أداء واجباتها/واجباته تجاه نفسها/نفسه وتجاه البيت والأسرة والمدينة والبلاد “(لم يرد ذكر لفتاة أو فتى).

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد