نظرة مكثفة في كتاب -تاريخ الخوف- نقد المشاعر في الحيز الدائري- للباحث الأكاديمي د. فالح مهدي- الحلقة الثالثة: الخوض في أعماق الخوف وتطوره التاريخي

د. كاظم حبيب

اسم الكتاب: تاريخ الخوف [نقد المشاعر في الحيز الدائري] – دراسة
اسم المؤلف: الدكتور فالح مهدي
دار النشر: بيت الياسمين للنشر والتوزيع
مكان النشر: القاهرة – مصر
سنة النشر: 2020، الطبعة الألى
عدد الصفحات: 222 صفحة
الترقيم الدولي: 9789778172089
صورة غلافي الكتاب وصورة الكاتب

الحلقة الثالثة: الخوض في أعماق الخوف وتطوره التاريخي
الباحث الأكاديمي والكاتب الدكتور فالح مهدي يقوم برحلة علمية وأدبية غنية وممتعة مع قارئاته وقراءه بما يقدمه لهم من معلومات تنويرية وخبر متراكمة، فيكشف لنا عن عادات وتقاليد وتراث وسلوكيات الشعوب قديماً وحديثاً، وعن مواقفها، ومخيلتها، أحلامها وطموحاتها، أفراحها وأتراحها، مشاعرها وأحاسيسها إزاء واحدة من أكثر المسائل المعقدة التي شغلت الإنسان في كل مكان وزمان، مسألة الخوف وحصوله بصيغ مختلفة منذ العصر الحجري حتى الوقت الحاضر. إلا أن الكاتب يركز باهتمام كبير على العامل الأكبر الذي ينشأ عنه الخوف الدائم، إنه الموت. وكما يقول الشاعر العربي “تعددت الأسباب والموت واحد”. وهو المسألة المركزية في هذا الكتاب الموسوم “تاريخ الخوف”.
يقدم لنا الكاتب في فصول ثلاثة عصارة المشكلة التي تواجه الإنسان منذ القدم حتى الآن، تلك المسألة التي حيرته، وفي الغالب الأعم، أرقته ليال كثيرة لماذا يولد الإنسان، ولماذا يموت؟ وهل من حياة بعد الموت؟ فهو يشاهد الظاهرة ويعيشها يومياً ولكنه لا يجد تفسيراً لها فيغوص في التأمل والتفكير والتفسير والتأويل وهو يعيش تحت ضغط أفعال الطبيعة وقوانينها غير المعروفة له، وكل ما فيها يبعث فيه الحيرة والارتباك. إلا أن خياله في لحظة تجلي خلق لنفسه ما اعتقد أنه خالقه وخالق العالم الذي يحيط به والمسؤول عما يحصل في الطبيعة من أحداث، كما أنه المسؤول عن حياته وموته… إنه “الله”، كما تصوره، ومنه وبه نشأ الدين الذي ما يزال يحكم العالم بمسميات كثيرة وصفات لا تعد ولا تحصى. ورغم مرور آلاف مؤلفة من السنين فما زال ذاك الإله أو الآلهة أو الدين الذي أنتجه الإنسان بخياله الخصب المنهك والمأزوم حينذاك يسيطر على عقل وتفكير نسبة عالية جداً من البشرية في سائر أرجاء العالم، ومنه وعنه نشأ أيضاً الخوف بأنواعه، لاسيما الخوف من الموت والجحيم.
ينطلق بنا الباحث في رحلته عن “تاريخ الموت” من الفصل الثالث الموسوم بـ “الخوف الأعظم، الموت أولاً”، ليواصل مسيرته في الفصل الرابع ليبحث في “الخوف الأكبر، الجحيم ثانياً”، أما الفصل الخامس فيخص به “دور الخطيئة في صناعة الخوف”.
أمسك الدكتور فالح مهدي بزمام المسألة المركزية التي حيرَّت الإنسان القديم والحديث، رغم كل التطورات والتحولات التي حصلت في عالمنا الأرضي عبر الزمن. فهي مازالت تحير نسبة عالية جداً من البشر كأفراد: ما العبرة من وجود الإنسان المؤقت على هذه الأرض ثم موته؟ لماذا لا يبقى الإنسان حياً، أو لماذا يموت، ولماذا لا يبقى حياً أبداً، أي خالداً؟ ونعني هنا بالخلود الجسدي والعقلي وليس الرمزي. هذه الأسئلة وغيرها دفعت بالإنسان القديم إلى خوض غمار كثير من المغامرات وركوب المخاطر الجمة، كما نقرأ ذلك باندهاش شديد ومتعة في تاريخنا العراقي القديم والخالد، في ملحمة گِلگامِش أو في غيرها من الملاحم مما أنتجه خيال الإنسان في صراعه مع الطبيعة ومنتجاتها. هل هناك حياة أخرى بعد الموت؟ هل هناك من مات وعاد حيا؟ ثم لماذا يخاف الإنسان من الموت؟ أو لماذا خشيته من الأموات حين يظهرون له كأشباح في منامه أو حتى في تصوراته التي تتجلى في الأساطير التي تنقلها لنا الكتب الدينية، دون أن يكون هناك من عاد إلينا بعد موته ليقص علينا “مشاهداته!”؟ أليس هناك من يخاف من الحياة ذاتها، ويدفع به هذا الخوف إلى إنهاء حياته بكل صيغ الانتحار ولأسباب كثيرة، الفقر والجوع والحرمان، الاستبداد والقهر الفكري والسياسي، الحب المفقود، الحقد والكراهية…؟ هذه الأسئلة وعشرات الأسئلة الأخرى الأكثر التصاقاً بالموت وثقافة الموت والقبور من النواحي الدينية والفلسفية والأخلاقية والحياتية اليومية (الثقافية) يطرحها الباحث على نفسه وعلى قراءه ليجيب عنها لا باجتهاد شخصي بحت فحسب، بل جاءت بمحالات الإجابة عبر عمل علمي مجهد تميز بعرض وتحليل مهمين لرؤى ومواقف وتفسيرات وتكهنات لما كان يدور في مخيلات أتباع الديانات والمذاهب العالمية، قديماً وحديثاً، سواء الديانات الإبراهيمية منها أم غيرها، وتطور هذه الرؤى والمواقف عبر حركة الزمن. الممتاز في هذا الكتاب يتجلى أيضاً في أسلوبه الهادف إلى تحفيز القارئات والقراء على التفكير معه ومحاولة التحري عن إجابات لتلك الأسئلة التي تراود الكاتب وتراودنا في آن واحد. فهو يدفعك بطريقة ذكية للشك والتحري عن يقين بصورة علمية. والسؤال المطروح دوماً هل هناك حتى الآن من يقين؟ وإذا كان هناك من يقين نسبي فما هو بالنسبة للحياة والموت؟ وما دور العلم في الإجابة عن هذا السؤال الكبير بعيداً عن المشاعر المكبوسة والمحبوسة في الحيز الدائري المغلق.
يقول الكاتب: “الخوف عبارة عن جرس إنذار بالخطر القادم قد يسمح بتجنبه. الإنسان الذي لا يمتلك تلك الحاسة الحيوانية المتمثلة بأن هناك أمراً لا تُحمد عقباه لن يتوفر له الوقت الكافي لصد الخطر المميت الذي سيهدد حياته.”. (مهدي، تاريخ الخوف ص 65). هذا يعني بأن ليس الإنسان وحده يعيش الخوف، بل الحيوان طبعاً، وهنا يبدو لنا الخوف غريزي. يحس الحيوان بوقوع الزلازل قبل وقوعها مثلاً. ولنتساءل: هل للنباتات أحاسيس؟ لاسيما وقد اكتشف أخيراً بأن للنباتات لغتها أو حواراتها الخاصة عبر أصوات سجلت من خلال أغصان وجذوع الشجر؟ وبالتالي هل هناك مشاعر خطر لدى النبات باعتباره جزءاً من الأحياء؟ وكيف تتجلى؟ في كل فصل وفقرة وجملة يمر بها القارئ أو القارئة في هذا الكتاب تسمح لهما بطرح سؤال أو أكثر، وتدعوهما للتفكير بالإجابة عنها أو التحري عن إجابات لها في الكتب وفي الكتاب ذاته، وهو الأمر الأهم فيما يمكن أن يقدمه الكاتب لقرائه وقارئاته، أو الأستاذ لطلابه وطالباته. يقول الكاتب عن الخوف في مكان آخر:
“فالخوف في المجتمعات المعاصرة، وهنا أقصد في الحيز الفردي، أخذَ منحى آخر. فليس هناك خوفاً من الأمراض بسبب التقدم العلمي المذهل ولم يعد المرض لعنة وعقاباً من الله على عبده المسكين، بل أصبح أي عطب يصيب الجسد والنفس يمكن علاجه. ولم يعد الموت مخيفاً في هذه المجتمعات، بل يقوم البعض بنجارة تابوته…”. (مهدي، تاريخ العنف، ص 65). تواجهني أسئلة كثيرة وأنا أقرأ هذا المقطع، (دع عنك موضوع الله وإنزاله الأمراض بالناس كعقاب لهم بسبب خطاياهم!)، منها مثلاً: هل حقاً أن الخوف في المجتمعات المعاصرة كحيز فردي قد تغير بالنسبة إلى 7,8 مليار إنسان على وجه البسيطة، لاسيما وإن أكثر من 80% من سكان المعمورة، و60% من البشرية في آسيا وحدها، تعيش في الدول النامية، التي مازالت تعيش في دياناتها وبمشاعر محكومة بالحيز الدائري المغلق، كما أن نسبة عالية من سكان القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية وأستراليا لا تصل إلى 20% من مجموع سكان الأرض، ما زالت خاضعة في عقلها ووجهة تفكيرها للحيز الدائري المغلق؟ ثم ألا نلاحظ، ونحن نقرأ هذا الكتاب التنويري المهم، كيف ينشر وباء كورونا كوفيد 19 وسلالته الجديدة كوفيد 20 الخوف الواسع والعميق والمقلق في البشرية كلها، أي في ارجاء الكرة الأرضية كلها، كما التهم الموت حتى الآن حتى في أكثر الدول تقدماً في أمريكا وأوروبا، ما يزيد عن 1،7 مليون نسمة من مجموع من أصيب بهذا الوباء والبالغ 77 مليون نسمة حتى 20/12/2020. ألا نرى بأن الخوف دفع بغلق الحدود بين الدول، بل وبين المدن في الدولة الواحدة، خوفاً من الإصابة والموت المحتمل لاسيما لكبار السن والعجزة والمرضى.
هل كان الدكتور فالح مهدي على حق حين أشار إلى أن “الخوف يتغير بتغير العصور والأزمنة”، مع واقع، وبما هو ثابت ومستمر حتى الآن ومنذ أقدم العصور، بأن الخوف كان ومازال من الموت، وكذلك من تصور وجود جحيم ينتظره بعد الموت. اعتقد إنه محق فيما كتبه، إذ أن هناك بعض التغير في أوجه الخوف، كما برزت صيغ أخرى للموت لم تكن معروفة سابقاً، ومنها الموت بالكيماوي والجرثومي والنووي، كما حصل رمي القنابل الذرية على هيروشيما وناگازاكي من قبل الولايات المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية، أو في استخدام العتاد المخصب باليورانيوم 38 في حرب الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق في عام 1991 و2003، أو في استخدام العراق للسلاح الكيمياوي في حربه ضد إيران وكذلك ضد الشعب الكردي في كردستان العراق في الفترة بين 1980-1988 مثلاً. أو الموت تحت التعذيب في سراديب ومعتقلات أجهزة الأمن العراقية بتوجيه من النظام الدكتاتوري السابق، وكذلك ما يمارس منذ 2004 وفي سراديب ومعتقلات النظام الطائفي الفاسد الراهن والميليشيات المسلحة، إضافة إلى ما حصل في سجن أبو غريب من قبل القوات الأمنية الأمريكية والبريطانية. لهذا أطلق عليه الكاتب بصواب “الموت هو الخوف الأعظم” لدى الإنسان، إذ كتب الزميل فالح مهدي “يبقى الموت قديماً وحديثاً من أعظم المخاوف، بل الخوف الأكبر. حديثاً، وهنا أقصد في العالم الغربي قد تم تجاهله، في حين ما يزال فاعلاً في المجتمعات الدائرية.”. السؤال الكبير: هل تم حقاً تجاهل الموت في المجتمعات الغربية؟ لا أرى ذلك تماماً. فنسبة مهمة من المجتمع الغربي المؤمن بالكاثوليكية، والطوائف المنبثقة عنها لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال لا الحصر، ما تزال تفكيرها يتحرك في الحيز الدائري، وبالتالي فهي غير قادرة على تجاهل الموت. ولكن السؤال هنا: من هم الذين يفكرون بالموت على صعيد العالم كله؟ أرى جازماً بأن الغالبية العظمى من شبيبة العالم لا تفكر بالموت عموماً، إلا من غاص في الأساطير والخرافات التي تحمله الكتب الدينية أو بسبب معاناة. ولكن الذين يفكرون بالموت كانوا وما زالوا كبار السن والمرضى، لاسيما المصابون بتلك الأمراض الخبيثة التي يصعب الحصول على علاج لها، كما أن كثرة من شبيبة الانتفاضة التشرينية كان يرى الموت أمامه ومع ذلك كان يحتج ويتظاهر، كان وما زال يرى الميليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي وبعض القوات المسلحة ومنها بعض القوى الأمنية، وهي تختطف وتغتال يومياً من بنات وأبناء الانتفاضة ويتوقع أن يصله ذلك إليه القتلة أيضاً. أخر مثل على الاختطاف والتعذيب، وفي عهد رئيس وزراء أجوف يمارس التستر غير المباشر على مثل هذه الأفعال الدنية والقتل، ما حصل للمسعفة المدنية السيدة انتصار ناهي، حيث اختطفت وعذبت بالصعق الكهربائي والضرب المبرح والتهديد بالموت ثم تم رميها من جلاديها على قارعة الطريق بعد أن يئسوا من انتزاع تهمة العمالة لإحدى الدول الأجنبية أو العمل للبعثيين.
لا شك في وجود نسبة مهمة من البشر لا يخاف الموت بل يخشى المرض الذي يسبب له الآلام المبرحة التي تجعل حياة المريض جحيماً لا يطاق. وربما جمهرة من الفقراء والمعدمين المتدينين الذين يعيشون حياة غير إنسانية ويعانون من عذاب كبير بسبب جوع أفراد عائلاتهم فيتمنون الموت، لأنهم يريدون الخلاص من أوضاعهم البائسة أولاً، ويعتقدون بما جاء في الأساطير الدينية، لاسيما تلك التي وعدت هؤلاء الخائبين بالجنة وما فيها من ولدان وحور وبنات باكرات وخمور وحياة لم يعشها في دنياه ثانياً، أو أولئك الصبية والمؤمنين الذين أرسلهم المستبد بأمره الخميني للحرب العراقية-الإيرانية ووضع في أعناقهم مفاتيح الجنة وماتوا في التو لأنهم كانوا يمشون على ألغام أرضية زرعتها لهم قوات النظام الدكتاتوري العراقي، أو استقبلتهم بمدافعها. كما أن المؤمنين بإحدى الديانات ذات الحيز الدائري يخشون نار جهنم، إنها الجحيم الذي وعد الله المخطئين. من يقرأ ما جاء في الكتب الدينية من إرهاب فكري شرس للناس وتهديد مباشر لكي يبتعدوا عن الخطيئة، لاسيما بسبب عدم إيمانهم بما هم خلقوه، الله، أو الجنة الموعودة للذين لا يتجاوزون على الشرائع التي وضعها الله والحاكمون والمستغلون. كتب الدكتور فالح مهدي ما يلي:
“جهنم حيز لا يشبه أي حيز آخر بما يبعثه من صور عذاب وآلام تشهد على أن المخيلة التي صاغت ذلك مخيلة مريضة. إنها المكان الذي سيرقد فيه المذنبون إلى الأبد، كما أنه المكان الذي سيقيم فيه من أصيب بالجذام أو بما يطلق عليه طاعون في أدبيات العالم القديم”. (مهدي، تاريخ الخوف، ص 78). في كتابي الموسوم “لمحات من عراق القرن العشرين، الكتاب الأول من 11 كتاباً، جاء فيه بهذا الصدد ما يلي:
“تتضمن العقوبات القرآنية، ولها مثيلها في التوراة، تصورات ذات خيال رهيب وغير طبيعي، إذ يصعب على الإنسان السوي قبولها وهضمها. إذ تشكل نار جهنم المحور الذي تدور حوله هذه العقوبات وما يعانيه الفرد فيها من شتى صنوف العذاب، إذ وردت في القرآن اللوحة التالية التي تجسد الطريقة التي اختارها الله لتعذيب المذنبين وفق الآية 56 من سورة النساء ما يلي:
“إن الذين كفروا بآياتنا سوف نُصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما*” (القران، سورة النساء. مدنية. ترتيبها 4. آياتها 176. الآية 56. ص 87). أو في قوله في الآيتين 34 و35 من سورة التوبة: “يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم* يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون*”. (المصدر السابق نفسه. سورة التوبة. مدنية. ترتيبها 9. آياتها 129. الآية 34 و35. ص 192). أن صور وأساليب التعذيب المرعبة التي يهدد الله أنزالها بالإنسان المخطئ يوم القيامة تمنح الحكام على مر الزمن مادة أو “حقا” يعتمدونه في تفسير تلك الآيات وتأويلها على وفق الصيغة التي تسمح لهم بممارسة أقسى صيغ تعذيب الإنسان في الحياة الدنيا من جهة، كما تسمحان لخيالهم المريض أن يجنح بعيدا لممارسة أقسى وأكثر الأساليب شدة وقسوة وبشاعة بحق الإنسان الذي يعتبر بنظرهم مذنبا من جهة أخرى. فحق الله في إنزال أقسى واشد وأشرس العقوبات في يوم الآخرة بالإنسان المخطئ، يمكن أن ينتقل هذا الحق الثابت إلى وكيل الله في الأرض ينزلها بالمخطئ في الحياة الدنيا. ويمكن هنا الإشارة الواضحة إلى أساليب التعذيب الشرسة والمتطرفة التي مارسها الخلفاء العباسيون بحق من ناصبوهم الخصومة أو اتخذوا مواقف معارضة لسياساتهم، ومنهم ثوار الزنج وأتباع الحركة القرمطية أو بحق الأمويين قبل ذاك أو بحق العلويين أو غيرهم. وكانت تنهل من ذات “المعين السماوي” الوارد في القرآن. ولعب رجال الدين دورا استثنائياً في تطوير ذهنية التعذيب وأساليبه لدى الحكام في الدنيا وليس في الآخرة، إنها تشير إلى خيال سادي مريض وإرهابي شرس، كما يشير إلى ذلك بصواب الباحث هادي العلوي حين كتب يقول: “ولجهنم أوصاف كدسها الوعاظ تصدر عن خيال إرهابي مفرط”. (أنظر: كاظم حبيب، لمحات من عراق القرن العشرين، الكتاب الأول، من 11 كتاباً، دار أراس، أربيل 2013، ص 398/399). نحن اليوم في العراق على ايدي الحكم والميليشيات وإيران، وقبل ذاك على ايد قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني في أبي غريب، وفي أغلب الدول العربية، تواجه شعوبها جهنم على أرض الواقع بالنسبة لمن يطلق عليهم بالمخطئين، لا من قبل القوى التكفيرية المتطرفة فحسب، بل ومن قبل الحكام وأجهزتهم الأمنية وميليشياتهم المعلن عنها والسرية. من قرأ من القارئات والقراء الكرام أو من سيتسنى لها قراءة مسلة حمورابي والعقوبات التي جاءت فيها، لاسيما عقوبات الموت للمخطئين، أو قوانين الآشوريين العقابية، سيجد أن الكتب الإبراهيمية الثلاثة قد نهلت من هذا المعين البابلي الهائل في التشريع ابتداءً من قانون أوروكاجينا أو الإصلاحات الاجتماعية ومروراً بقانون أورنمو، ثم قانون لبت عشتار وقانون أشنونه وأخيراً قانون حمورابي، والذي نما وتطور مع تطور الملكية الفردية لوسائل الإنتاج وتفاعل بين الدين والسلطة وامتزاجهما وصراعهما في آن واحد، وتفاقم العقوبات الزجرية والقاسية ضد المخطئين لوصايا وقوانين الآلهة والحكام وكانوا نصف آلهة، أما حكام اليوم فهم آلهة مبطنة! (المصدر السابق نفسه).
هذا الكتاب الذي بين يدي القارئات والقراء الكرام يربط بشكل ممتاز بين الخوف والموت والخطيئة وجهنم والدين والعقل الدائري بين الماضي والحاضر، ولا يستبعد المستقبل، عند استمرار العقل أو المشاعر في الحيز الدائري المغلق أو حتى السهم الذي ينطلق من نقطة وينتهي في نقطة، له بداية ونهاية، مما يعانيه البشر في الوقت الحاضر. الكتاب لا يبحث في تاريخ الخوف وأسبابه فحسب، بل بمخاوف البشر الحالية، القديمة منها والمتجددة وكذلك الجديدة. لم استعرض الكتاب كله، إذ كان همي أن أشير إليه بسرعة لكي أساهم في جلب الانتباه له لأهميته لما جرى ويجري في عالمنا القديم والحديث وما يواجهنا حالياً وفي المستقبل بالارتباط مع الدين وما يوحيه لنا من مخاوف، فشكراً للمؤلف على خوضه هذا الموضوع المهم والآني.
الحلقة الأخيرة في قراءتي لهذا الكتاب ستدور حول الفصل الأخير: الخروج من الخوف.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد