قراءة في قصيدة (سيرة قصيدة) للشاعر والناقد مقداد مسعود … بقلم الدكتور علاء العبادي

مقداد مسعود

قراءة في قصيدة( سيرة قصيدة) للشاعر الناقد مقداد مسعود

د.علاء العبادي
القصيدة هي الإنسان، ويا حبذا لو كان الإنسان قصيدة، لاسيما إذا كان هذا الإنسان ذا حسٍّ باطنيٍ شفيف يجوس من خلاله مكامن الأشياء و الأحداث و المكان و الزمان. هذا استهلال لقصيدة (سيرة قصيدة) للشاعر الناقد مقداد مسعود، وهي محدودة الكلمات، لكنها واسعة المراد، حاوية كلّ مفردات استهلالنا، وبذا نراها قصيدة كونية، كما نرى حال كثير من قصائد شاعرنا الملهم. والشاعر لايؤثث قصيدته بتلك المفردات من أجل أن يبني بناءً عشوائيا يتناهبه تبدل الفصول والأحوال، إنما هو يبني بناءً راسخا مكتمل الأركان لتُقيم روحه فيه، ثابت الجنان، متماسك الرؤى، بالرغم من هواجسه الكثيرة و أحلامه الملونة.
لايُعلمنا الشاعر مباشرة بمكان وزمان أحلامه لكننا نستشفهما من خلال خيالاته المتواشجة مع الأماكن و الأوقات، فقصيدته (تستفيء إلى شجر الرتم)، وسقفها نهر يسقي كل مدينته ويروي قصيدته، وهو بلاريب يومىء إلى ريف البصرة، وتلك مدينته، التي تنكشف لنا ببيتين رائعين هما (كلما تنزهت عيناي/ شممت حناءً و محلباً) إذ يخرج الشاعر من وصف المكان المتمثل بالشجر وبالنهر ليدخل بحواسه إلى أعماق المدينة، ويخلط البصر بالشم ليُركّب لنا صورة شديدة الخصوصية للمدينة، فعيناه تتنزهان فيها لتكتمل النزهة بقفزة رشيقة من الرؤية إلى شمّ خصوصيات المدينة.
وبعد ذلك يُضفي الشاعر مسحة تاريخية على تلك المدينة، وهذا ما دعوناه بالأحداث في استهلال المقالة، و تمتلأ قصيدته بعبق ذلك التأريخ فهي (تبحث عن حشية من جلد الماعز) مذكّرة إيانا، ربّما، بقصائد شعرائنا الأقدمين المرقومة على الجلود، وربّما أدرك شاعرنا أن شعره يستحق أن يُخلّد كما خُلّدت أشعار بعض الأولين. ولأن قصيدته قصيرة ومحكمة يؤوب الشاعر مسرعاً إلى حاضره متأملاً في عين الوقت مستقبلاً أفضل حيث تبحث قصيدته عن (طائر سيفتض سماءنا ويوكّر في الهواء). تمنحه القصيدة حرية الطائر، بل يعود هو نفسه ليكون الطائر الذي يستخدم حروف القصيدة(حبلاً وغادر القلعة تحت هطيل لم يتوقف)، وربما كانت القلعة رمزا لماضٍ يريد الشاعر أن يتجاوزه.
سيمياء جميلة تغمر نسيج القصيدة التي ترى في الشعر العظيم نافذة يطلّ من خلالها الشاعر على الماضي الجميل، ويستشرفُ الحاضر والمستقبل، وينفذ إلى دروب الحرية. بتلك السيمياء الغنية يغادرنا الشاعر مسرعاً بكلمات مقتضبة لكنها محتدمة بالمعاني، وكأنه مبشرٌ يستعجل العودة لصومعته، فنرى إمرأة جميلة التكوين، تشبه القصيدة، و القصيدة هي الإنسان، كما قلنا مستندين على ما توحيه لنا روح الشاعر، وتضفي تلك المرأة جمالها على عالمنا اليباب فتمنحه من روحها روحاً، (وعند الأقاصي/ترجلت/ وكما تخلع قفازا/خلعت خاتمها الشذري/ وسقت بئراً مهجورة(

________________________________________

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد