الكلامُ الذي لم أقُلْهُ

الكلامُ الذي لم أقُلْهُ

نمر سعدي

(1)

بقلبيَ عينانِ نضَّاحتانْ

وسمعٌ رهيفٌ لرَفَّةِ مُخملكِ الرطبِ في الليلِ

حينَ تجيئينَ مكتظَّةً باللهيبِ وبالثلجِ

مشغولةً بالمحارِ الحليبيِّ

مدهونةً بالشذى مثلَ نرجسةِ الشعرِ

مسكونةً بالبكاءِ المُشعِّ

على ما استقالَ من الشمعِ منكِ

وعابقةً بندى الأُغنياتِ العصيَّةِ…

حافلةً بالخرافةِ……/

قلبي بعينينِ نضَّاحتينِ

يرى فيكِ كُلَّ الذي لا تراهُ العيونْ

ويلمسُ همسَ الخطى

وانتباهَ الأصابعِ فوقَ الغصونْ

ورفَّةَ مخملكِ الرطبِ في الليلِ

حينَ تجيئينَ لاذعةً كالدموعِ

وشفَّافةً كبكاءِ الرضيعِ

وصافيةً كالينابيعِ

قاتلةً كأكُفِّ الشتاءِ

وناعمةً كحريرِ الصقيعْ

تجيئينَ عبرَ المساماتِ

عبرَ الخطى الوالهاتِ

وعبرَ انتظارِ القصيدةِ

عبرَ انهمارِ الكلامِ الجميلِ

المخاتلِ كاللصِّ أنثى الربيعْ

تجيئينَ…..

تندلعينَ بقلبي كسربِ السنونو

كحقلٍ من الجمرِ

تستنبتينَ الخرافةَ والمجدَ والنهرَ والحُلمَ

تنكسرينَ على صخرةٍ عاشقةْ

تجيئينَ موَّارةً بالأناشيدِ

منذورةً للطفولةِ

ملغومةً بالعواصفِ والقُبَلِ الحارقةْ

ومُزدانةً كالطبيعةِ في عُرسها

كإناثِ الطيورِ التي لم تعُدْ

من سِفارٍ إلى الحُبِّ والهاويةْ

أنتِ كالأبجدِّيةِ في قاعِ قلبي

وأيقونةٌ للمحبَّةِ ملءَ دمي ذاويةْ

(2)

كلَّما اندلعَتْ في عيوني الرياحينُ

واحتشَدَتْ في عروقي الزلازلُ

يـمَّمْتُ قبلةَ رائحةِ المسكِ في صدركِ المرمريِّ

ولوَّحتُ بالبَيرقِ المُتمزِّقِ

تحتَ الشفاهِ التي عمَّدتني

بماءِ الحنينِ ونارِ الطهارةِ

ذاتَ نهارٍ عصيٍّ على ما تقولينَ

عن وجعِ الكلماتِ التي لم تُحالفْ رؤاكِ

وراءَ المعاني الحبيسةِ مثلَ الأحاسيسِ…

أو شهقاتِ الفرَحْ

تجيئينَ أو تذهَبينَ كقوسِ قُزَحْ

وها أنني لا أُلملمُ إلاَّ بقاياكِ

مثلَ الذئابِ الوديعةِ

أو أنتشي بالرمادِ الحبيبِ.. ولذعِ القدَحْ

ألفُ نجمٍ على طرَفِ الخصرِ منكِ يُصيحونَ بي

وأنا بسمةٌ لا تغادرُ عينيكِ حينَ تنامينَ

أو طيفُ أمسكِ أو ظلُّهُ

أو مرايا اشتهائكِ

أو حقلُ رائحةٍ من سرابٍ

لرغوةِ شهوةِ قلبكِ خلفَ الفضاءِ انبطَحْ

وأنا دمعةٌ لا تغادرُ كفَّيكِ

حتى تُحيلَ دمي نهرَ نيلوفرٍ

في مهبِّ الرياحِ

وشوقي ضباباً لمعنى العدَمْ

كلُّ هذا الكلامِ الذي لم أقلْهُ

انتصارٌ لما فيكِ من رغبةٍ أو ندَمْ

(3)

بقلبيَ عينانِ نضَّاحتانْ

وأجراسُ وردٍ

وأنهارُ شهدٍ

وتسبيحةٌ للصباحِ الحزينِ

وأمطارُ دمعٍ لشوقِ الزمانْ

إلى ما تقولينَ يوماً بحسِّ الخريفِ المُروَّضِ

من غيرِ أن تنبسينَ ببنتِ شفاهٍ….

وتشتعلينَ بماءِ الحنانْ

بقلبيَ عينانِ نضَّاحتانْ

(4)

كانَ حُزنكِ أكبرَ من فسحةِ الصبرِ ملءَ يديَّ

وأوسعَ من قُبلةٍ كحوافِ الهلالِ المُقالِ من الجنَّتينِ

وأضيقَ من بسمةٍ عابرةْ

على مشهدِ الأرضِ والآخرةْ

كانَ حزنكِ يأخذني كالغريبِ إلى اللا مكانْ

(5)

كُلُّ هذا الكلامِ الذي يتمايلُ

مثلَ النسائمِ في غابِ روحي

ويُرجئني كالقصيدةِ من دونِ قصدٍ

إلى لحظةٍ غابرةْ

كلُّ هذا الكلامِ يُراودني عن وفائي

ويخلطُ كلَّ لعابِ الذئابِ

وسُمِّ الأفاعي….. بمائي

(6)

لماذا تريدينَ نقضَ الغيومِ التي

نسجتها أصابعُ بنلوبَ يوماً ثياباً لقلبي….

ونقضَ خيوطِ القمَرْ..؟

أنا لا أحبُّكِ أكثرَ من أيِّ شيءٍ

وليسَ أقلَّ من الأُقحوانِ الغريبِ بفصلِ الشتاءِ

فرُدِّي إليَّ نقاوةَ فجري

وبعضَ براءةِ شعري

وعمري الذي نقَّطتهُ دموعُ السفَرْ

ولا تقتلي بلبلاً في سَحَرْ

ولا تصبغي فلَّةً بقتامْ

…………….

أنا لن أُسائلَ لو مرَّةً واحدةْ

ولو كانَ سائلَ بعضُ انفعالي

وبعضُ جنونيَ فيكِ…..

فلا تصمتي أو تُجيبي

ولكن إلى الحبِّ توبي

وتوبي إلى نجمتي الشاردةْ

وراءَ سماءِ عيوني

وهاويةٍ في أعالي حنيني

(7)

شُرودُكِ بحرٌ كئيبٌ كئيبٌ.. ونارٌ طقوسيَّةٌ كالنوارسِ

راحتْ تُرفرفُ فوقَ جبيني

تُخلِّدُ مجدي القتيلَ الجميلَ صباهْ

تلذِّعُ قلبي بطعمِ الجليدِ الذي نزَّ من بسَمَاتِ الشفاهْ

وأنَّكِ أطهرُ من نسمةٍ في الضحى المُستعادْ

وأنصعُ من قبلةٍ لا تحطُّ بأيِّ بلادْ

وأشرسُ من ذئبةٍ في الفلاهْ

(8)

تستحمُّ دماؤكُ بالأغنياتِ

كما بالشموسِ الأليفةِ في كلِّ ليلةْ

ويُزهرُ وجهُكِ بالعنفوانْ

كأنَّكِ زنبقةٌ عاريةْ

وحوريةٌ لا تفارقني منذُ بدءِ الزمانْ

على صهوةِ الوجدِ والحلُمِ المستباحْ

فأزرعُ عينيَّ ماءَ بحارٍ

وحقلَ نجومٍ وراءَ الصباحْ

وأفهمُ فيكِ غموضَ الحياةْ

والوضوحَ الذي يتقطَّرُ من ساعديكِ

كماءِ الوضوءِ على شهقاتي

أنتِ سرٌّ لأفعى الأنوثةِ ينسابُ في قلبِ فُلَّةْ

وأنَّ عذابي المُتوَّجَ فيكِ قصيدةُ منفى

وسيفُ هيامي الذي هو أهيبُ

من غابةِ النارِ في ملكوتِ الظلامْ

بهِ سوفَ أُقتلُ يوماً بأُمِّ يميني

وأُصبحُ بعضَ الهديلِ القليلِ

وظلاًّ من الياسمينِ الحزينِ

(9)

الفراغُ يحفُّ دمي بالعذاباتِ

يرفعُ عينيَّ فوقَ الصليبِ المتوَّجِ بالشوكِ

يحضنني في الأعالي

ويُكملُني بالمعاني

التي نقصَتْ من كياني

الفراغُ يُمسِّدُ أظفارَهُ

بحريرِ الكلامِ الذي لم أقلهُ أنا…..

وأنا لم أكُنْ غيرَ ظلِّ الكلامِ المعلَّقِ بينَ السماءِ

وما بينَ أرضِ الخسارةِ…..

ما بينَ عينيَّ أقصى جحيمِ سدومَ

وما بينَ حُلمٍ يُرفرفُ أعلى سماءِ اليمامِ الذبيحِ

إلى لا انتهاءْ

ليتني كنتُ ظلاًّ لأنثى الخزامْ.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد