شابَ القصيدُ رثاءً

الدكتور سعد الحداد

في رثاءِ الصَّديقِ والأَخِ العزيزِ المؤرخ الأستاذ عبد الرِّضا عوض الحلِّي (رحمه الله):
تُؤرِّقُنِي الحَوادِثُ  وَهيَ جُرحُ  وتَنهَشُنِي الليالي وَهيَ سُودُ
ويُرهِقُني مِنَ الآلامِ نَزفٌ         وتُلهِبُنِي ضَراوَتَها الرُّعودُ
وتَعصِفُنِي ريَاحُ الهَمِّ عَصفًا**      فَتَذرونِي بلا أَمَلٍ يَجُودُ
فَتُشبِعُنِي جَوَاها وَهيَ وَحشٌ  وتُمْطِرُنِي  خَرَابًا وهيَ بِيْدُ
تُسَاقِينِي مِنَ الأَوصَابِ سُمًّا هِيَ الحَيَّاتُ واللَّدْغُ العَتِيدُ
وتَغْوي في صَبَابَتِهَا مَزيدًا  يُعَاضِدُها الأَسَى دَهْرٌ كَؤُوْدُ
فَتَفْجَعُنِي بِقَنْصٍ مِنْ أَذَاهَا  وتبتكرُ الطرائقَ أَو تعيدُ
وتغتالُ المباهج باضطرادٍ**يسابقُ خطوها النَّهَمُ الوَخِيْدُ
هِيَ المَوتُ الزُّؤامُ بكلِّ فَجٍّ**يُجَرِّدُنا, يُرَوِّعُنَا , يَزَيدُ
ويُوتِرُنا بِفَقْدٍ لايُجَارَى      مَآسِيهِ  مَهَالِكُ لا تَبيدُ
كأَنِّي  والأَمَانِي مَحضُ خَلْقٍ  تَنَافَرَ فِي أَزِمَّتِها الحُشُودُ
فَأَشْرَبُها وأَطوي الكَشْحَ صَبْرًا  وعِنْدِي مِنْ مَرَارَتِها عَدِيدُ
***
لَقَد شَابَ القَصِيدُ بِنَا رِثَاءً  وَضَجَّ الحَرفُ  نَعيًا  لا يَهِيدُ
لَبِسْنَا الحُزْنَ نَسْجًا مِنْ بَلايا  تَجَسَّدَ في  مَعَانيهِ المُبِيْدُ
مَوَاكِبُ لِلأَحبَّةِ غَادَرَتْنَا** عَلَى عَجَلٍ تُشَيِّعُها  الوُرُوْدُ
وَلَكِنْ حَسرَةُ الفُقْدَانِ تَبقَى  يُلازِمُهَا مِنَ الأَلمِ الخُلُودُ
فَقَدتُ طُرُوسَ أَضوَاءٍ تَخَّفتْ  جَواهِرُها تُكبِّلُها اللُحُوْدُ
وَأُجْدِبَتِ المُرُوجُ الخُضْرُ تَنْعَى** يَلِفُّ حُقُولَها حُزْنٌ شَدِيدُ
فَأَقْفَرَتِ الدِّيَارُ دِيَارُ فِكْرٍ  وَنَاحَ عَلَى أَحِبَّتِها القَصِيدُ
أَبا حَمْدِي بِكَ الأَيامُ ذِكرَى تَمُرُّ  كَأَنَّها طَيْفٌ شَرُودُ
تُذَكِّرُني بِهَا الجَلَسَاتُ عُمرًا  بِهِ الفَيحَاءُ حَاضِرَةٌ تَمِيْدُ
لَنَا فِي صَفحَةِ التَّاريخِ سِفْرٌ  هُوَ البَاقِي  إذا شَحَّ الوَلِيْدُ
فَمَا مَاتَ الَّذِي أَضحَى خَدِيْنًا** لِحِلَّتِهِ , ولا تُقْصَى الشُّهودُ
صَحِبْنَا الحَرفَ تَنقِيْبًا وحِفْظًا  ومَازَالَتْ لَآلئُهُ تَجُودُ
فَقَدنَا فِيْكَ خِلًّا ذَا طِبَاعٍ  تَفرَّدَ  في ظَرَافتِها العَنُودُ
نَعَاكَ الحَرفُ تَاريخًا وذُخْرًا** وَخَصَّكَ بالثَّنَا قَولٌ سَديدُ
بَذَلْتَ العُمْرَ جَريًا في أَنَاةٍ  هِيَ الاخْلاصُ والجُهْدُ الجَهِيْدُ
نَعَتكَ الحِلَّةُ الفَيحَاءُ ابْنًا  نَجِيبًا في مَحَافلِها يَسُودُ
تُنَقِّبُ في الزَّوايا  واثِقًا  قَد** تَجَلَّى فيكَ تَاريخٌ مَجِيدُ
ويَبقَى ارثُكَ المَنشُورُ يَنْمُو  وتَخفَقُ في مَلامِحِهِ البُنُودُ
نَعَاكَ الصَّحبُ تُغدِقُهُم خِصَالًا  فَفِي دَارِ الفراتِ لَهُمْ رَصِيدُ
لَنَا في الوَارثِينَ شُمُوسُ وِدٍّ** هُمُ الأَحبابُ والخُلُقُ الفريدُ
وذِكرَى لايَزُوْلُ لَهَا مَقَامٌ   **  يُخَلِّدُ سِحرَهَا الذِّكرُ الحَمِيدُ

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد