صانع الكمانات

latifa_aldlimy

إسماعيل الصيّاح

 

الى أحد أئمة الشعر الكبير مظفر النواب
صادفتُهُ
لم أكنْ من قبلُ ، أعرفُــــــــــــهُ
يحدو وسيلٌ من الإحســـــــاسِ يجرفُهُ
بهِ طُمأنينةُ الأزهارِ باديـــةٌ على الفراشـاتِ
والأعشاشُ تألفُهُ
يداه نبعانِ والأشجارُ طفلتُهُ
فـــلا تَورّدُ الاّ حينَ ترشفُهُ
لكنّهُ صانعُ الإصغـاءِ
ينحتُهُ منهـا
بمعزوفةٍ عُمراً ستُسرِفُهُ
يبُدي اعتذاراً إذا ما جاءَ مقتطفـــاً غصناً
كأنْ ، من أقاصي القلبِ يقطفُهُ
يكادُ يسمعُ همسَ الذائبيـــــنَ بهِ ،
وبالندى ،
وحكايـــاتٍ تزُخرُفُهُ
يحني،
ويحنو عليها
وهو مبتهــــــجٌ جداً
وينسى،
بأنَّ الدمعَ مَتحفُهُ
يضفي على لونها المذبوحِ من دمهِ
بمَنْسَكٍ كان من (نيكـــــــــــــــــول) * يعرفُهُ
“يدوزنُ “الصبرَ في أوتارها نغمـــــــاً
فيمتلي من صدى الأشجانِ مِعطفُـــــــــهُ
لكنّما حكمةُ الأشجارِ
موقنــةٌ بهِ
وأنَّ الكمــالَ المحضَ يهدِفُهُ
يهيمُ في طرقاتِ الصمتِ
مُبتكـــراً عَراءَهُ
فضجيـجُ اللهوِ يُتلِفُهُ
ويختلي عن عيون الليلِ
في قَمرٍ،
لعلّ أمناً قُبيلَ الفـــجرِ يَغرِفُهُ
فينزوي شبحُ الضوضاءِ عن وطنٍ
لفرطِ غُربتهِ ما عــاد يَكنُفُهُ
يشكـــو له امرأةً
كانت تراودُهُ حُلْماً
ولكنّهُ ما انفـــكّ ينسِفُهُ
وعَن تباريحِ وَجدٍ
راحَ يمنحُهــــا- بين انقضاضين- وعداً
سوفَ يُخلفُهُ
ويدّعي،
إنما دنياهُ ما اقترحـــتْ غير الجراحِ
لذا فالعـــزفُ يخصِفُهُ
سألتُهُ دهشةً ،
عن سرِّ محنتهِ ،
وكيفَ أنّ الخــريفَ الطفلَ يُجحِفُهُ
فَرَدَّ :
إنّ الذي يذوي مكابــدةً كالوردِ..
أسرعُهُ للقطفِ أترفُــهُ
وضم آلتَهُ للصدرِ منكســـراً
وقالَ :
أفتكُ ما في العشقِ أشغفُهُ
مداعباً شعرَها الموتورَ
فَسّــــرهُ :
فتى أحبَّ ، ارتأى موتاً تعففُـــهُ
هناك أوحى لقوسِ الريحِ
فانفتحتْ مواجعُ الكونِ
واستشرى تأفـُفُــــهُ
بكى ، وفتّقَ من أضلاعهِ شجنـــاً
تضجُ آهاتُهُ عشقاً يؤرشفُـــهُ
وظلَّ يُفرِغُ من قلبِ الكمانِ أسىً
حتى ظننتُ بأنَّ الموتَ يخطَفُـــهُ
رأيتُ في العزفِ ،
أسرابَ القطا،
وبدا حزنُ الغُروبِ وأضواءٌ تُطففُهُ
سمِعتُ منهُ مواويلاً،
وأسئلـةً
والبوحُ يفضحهُ غيمٌ
فيذرفُــهُ
عن الجياعِ ،
وعن أحلامِ أرملةٍ بالدفءِ ،
يا ليلَها ..
والبردُ أسخفُهُ
عنِ استفاقةِ عطرٍ ذاهلٍ لسدىً
لا يرتئي أنّ هذا الكونَ مُنصِفُــــهُ
وعن عويلٍ لتأريخٍ ذوى أسفاً
مذْ ضاعَ مِنهُ لفرطِ الجهلِ أشرفُــــهُ
ثم استراحَ كنجمٍ فوقَ “نوتتهِ”
كأنّما كانتِ الأفلاكُ
تقذفُـــهُ
حتى عرجنا سوياً
قال منتشياً:
دعْ كلَّ صوتٍ وكنْ ما أنتَ تعزِفُهُ
…………………..
* (نيكولو بوسوتي ) صانع الكمنجات الايطالي الذي توفيت زوجتُهُ وولدها اثناء الولادة ، فجاء يحملها على يديه ووضعها على طاولة العمل في الورشة وقطع في معصمها شريانا ليعبئ من دمها زجاجة صغيرة خلطها بمواد الطلاء، و طلى الكمان بفرشاة صنعها من شعرها الذهبي, وكانت آخر قطعة صنعها نيكولو وقبل وفاته.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

1 تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *