مازالَ يهرولُ عدّادُ الموتى

latifa_aldlimy

ثامر سعيد

الشاعرُ الذي يطلُّ من نافذةِ العالمِ
بأيامهِ التي تشبه نقوشاً متكررة
على جدارِ معبدٍ عتيق
تُفزعهُ أيادٍ صفرٌ
وفرائصُ راجفةٌ
وكأنَّ قطيعاً من الزومبي
يفرُّ من فيلمٍ شنيعٍ
ويتجولُ خلفَ سياجِ حديقتهِ .
فيُسدلُ ستائرَهُ
ليُعقمَ ضجرَهُ بنبيذِ القصائدِ
ويغسلَ وحشتهُ بكلماتٍ رطبةٍ ,
ومثلما يختفي الصيّادون الصوماليونَ
في البحرِ
بسرعةٍ مريبةٍ
يهرولُ عدّادُ الموتِ
بلا توقفٍ في نشراتِ الأخبارِ ,
لا عزاءُ أو مشيعون
ولا شاهدةٌ على قبرٍ
سوى حمائمَ تهدلُ من قلبها
في الهواءِ النظيف .

الشاعرُ الذي تُغرقُ أسطولاً باطشاً ,
همومُهُ
وتَسقي غِبطتُهُ كلَّ حقولِ الأرضِ ,
يقشّرُ ساعاتَهُ بين مقاطعِ اليوتيوب
فتُحبطهُ سيدةُ الأقمارِ الزرقِ
وهي تُشيحُ بحَنجرتِها
عن الأسماءِ المكتوبةِ على الحور العتيق
ووردةٍ كانتْ تخبئُها في كتابٍ
أو تزرعُها على مِخدّةٍ ,
ومن كَنبةٍ حمراءَ
في حجرةٍ محجورةٍ
تُرنّمُ مزموراً ناحباً
من الكتابِ القديم :
( يا ربُ لماذا تقفُ بعيداً ؟
لماذا في أوقاتِ الضيقِ تختفي ؟ ) .
بينما الطليانُ يحرقونَ الرايةَ الزرقاءَ
في عيونِ الكاميراتِ
بعد أن تخلّتْ نجومُها عنهم
ويجمعونَ موتاهم بأكياسٍ معفّرة
وقوسُ النصرِ في باريس
يندبُ أيامَه الفارهة .

أيّها الموتُ كنْ رحيماً بنا ,
نحن أحفادكَ البررة ,
تصرخُ نافورةٌ في غرناطةَ
بوجهِ غيمةٍ سوداءَ
فيفرُّ مفزوعاً من القصرِ الحمامُ .

الموتى في نيويورك أكثرُ من أسِرَّةِ
المشافي ,
وسيدةُ الحريةِ على البحرِ
قايضتْ شعلتها بكمامةٍ واقية
وقفازين .

المتدينون اليهودُ , في القدسِ القديمةِ
يطوفون بينّ القبّةِ والجدار
متحدينَ جنرالاتَهم الغارقين في البلاء .

الصينيونَ في ووهان يكسبونَ الجولةَ
الأولى
مع الإمبراطور الذي أسقطَ الأقنعةَ
ومزّقَ أثوابَ القداسةِ
بأغنيةٍ شاهقةٍ :
( كبيرةٌ هي الصينُ ونحنُ نشبهُها )
فتُثيرُ حفيظةَ ال CIA
لتُقلّمَ أغصانَ ال MSS
بمناجلَ البروباغندا البالستية
عسى أن تكفَّ عن العطاس
لكن ال KGB مازالتْ تراقبُ المشهدَ
بهدوء
كذلك الموسادُ
فترفعُ المذيعةُ الشقراءُ غمازاتيها الشبقتينِ
بابتسامةٍ خبيثةٍ
كأنها تلّمحُ عن فضيحةٍ جنسيةٍ
لكنها لا تقولُ : إن في قلبِ الهدوءِ
دماءٌ لا تهدأُ .

لا تتباهى الشمعةُ في عينِ الشّمسِ
والقُبلةُ لا تشتعلُ من وراءِ لثام
فكيف ستغني ريتا ويلسون
Hip Hop Hurray
وفي رأسِ توم هانكس
بحرٌ من الأفكارِ المزعجة
وكيفَ يمارسانِ الحبَّ
في غرفةٍ للعنايةِ المركزة ؟

كيفَ تُعيدُ الشّمسَ إلى أغنيةٍ
في مقهى
القمرَ إلى مصطبةِ النهرِ
وهي تُنهي سهرتَها بلا عاشِقَينِ
الثرثرةَ إلى المجانينَ الأنبياءِ ؟
كيفَ تُلهي الشجرةَ عن نوبةِ تثاؤبٍ
طويلةٍ
وهذا الغامضُ الغطريسُ
كلّما فتحتَ باباً غيّرَ شِفرتَهُ
وكلّما منحتهُ وردةً
شَزرَ إليكَ , كسكّيرٍ كرعَ حتى طفحتْ
شَمخرتُهُ ,
وهو يصرُّ أن يُفهمكَ
أنكَ لن تجيدَ الحياةَ
إذا لم تزرْ سجناً أو مقبرةً
وإن الترابَ سقفُكَ الأبدي ؟

أسواقُ البورصةِ تُطلقُ أسهمَها وسِهامَها
فلا تصيبُ رؤوسَ المالِ ولا عجيزاتَهُ ,
الإباحيّاتُ الثريّاتُ أوسعُ يداً للخيرِ
من الأتقياءِ المبجلين ,
العرّابون الصقليون , العرّابون الرومانيون
والسفّاكونَ في ريو دي جانيرو
تركوا في أقبيةٍ منسيّةٍ خَوابيَّهم
وشمَّعوا مشاجبَهم
ثم راحوا يوزعونَ الخبزَ على المنكوبين .
وفي بلادي ..
فقيرٌ يتصدقُ على فقير !

في صباحاتِ الحَجرِ الخاوية
يستيقظُ شاعرٌ ..
وفي رأسِهِ أفكارٌ صلدةٌ
يمزقُ قصائدَ الليلِ بلا وعيٍّ
ويحدقُ في مِنفضةِ سجائرهِ
فيرى قرىً تغرقُ في رمادِها .
هل يحلقُ ذقنَهُ
أم يرشفُ قهوتَهُ المرّةَ
على أخبارٍ مفزعةٍ أخرى ؟
يعودُ إلى شجرةِ اليوتيوب
ومن غصنٍ بعيدٍ في أقصى الشجرةِ
تسحبهُ سيلين ديون
وهي تميسُ على أنغامِ البوب
كأفعى وديعةٍ :
( عندما أسمعُ أنفاسَكَ , أحصلُ على أجنحةٍ
وأطيرُ , أشعرُ أني على قيدِ الحياة ) .
فيغلقُ غرفته
ويفتحُ أزرارَ القصيدةِ .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *