سعاد العتابي… الوطن، هو قصديتي وشعري

latifa_aldlimy

سعاد العتابي…

الوطن، هو قصديتي وشعري، أرسم معالمه الغائبة الحاضرة في مخيلة الطفلة القابعة داخلي

…………………………………………….

خاص بمعارج الفكر / الادب النسوي

……………………………………………

على الرغم من غربتها المعتقة، تحمل الوطن وأناته معها حيث تكون، روحها تحلّق في سمائه، وتغفو تحت ظلال ذكرياته، تتذكره إن داهمه الحزن، وتفخر بما يجود، تتمايل كغصن حركته نسمات الربيع على ( تراتيل قمر) وهي تقول بكبرياء:

ترنيمة سومرية يا سيد النّور..
صمتك حديثٌ متخمٌ بالتساؤلات..
هل سأبقى رهينة جلجامش حتى يأتيه ردّ الآلهة؟
كل ودائع روحك،
مخبأة في أقبيتي..
لوحاً سومريا أيها النّور المعبّد بالعتمة..
أنت شموع نذر تتمايل على خدّ دجلة نسمة مخضّبة برائحة الحنّاء…

ثمة روابط بينها وبين الجنوب، تمتد إلى قاع روحها، سليلة حضارة عمرها خمسة آلاف سنة، سومرية، يتدفق الشعر من ثغرها كماءٍ بلا ضجيج، إنها الشاعرة والرسامة والإعلامية سعاد العتابي.. كان لي هذا الحوار معها.

………………………………………..

حاورتها: سعاد حسين العبودي

………………………………………..

• مكان الوطن كالقلب من الجسد، فأين الوطن من شعِركِ؟
الوطن، هو قصديتي وشعري، هو العاشق والمعشوق، أرسم معالمه الغائبة الحاضرة في مخيلة الطفلة القابعة داخلي، تجدين الوطن في كل حروف قصائدي، أناجيه.. أعاتبه.. أهفو لحضنه الدافئ كلما تعتريني رياح الغربة وتجردني تلتحف روحي بحنيني إليه فتطلق تراتيها عازفة لحنها على أوتار الوطن، هو نبض حرفي، إن غاب عن روحي تموت أشعاري.

• هل أجد لديك تعريفا للشعر لم يسبقك أحد إليه؟

الشعر بالنسبة لي هو غناء الروح وبكاؤها.

• متى تتشكل لديك الرؤيا التي تكون محور النص؟
– الشعر عندي ليس صناعة أو يأتي بقرارٍ مني لكتابة القصيدة وقتما أشاء، فلا يوجد لدي طقوس لولادة القصيدة، لأنها بداخلي كما حمل الجنين فعند اكتمال نموها تعلن عن خروجها، حينها أكون منصاعة لذلك؛ فأسرع بإسقاطها على الورق.

• ماذا تقولين لما يطرح في معاطن الشعر؟
– أرى إن الشعر يفسر الذات التي نضجت أحاسيسها من خلال تجاربها الحياتية بعين الشاعر الموهوب يرى الوجود كله، ويسبغه من سمو روحه وذائقته الخاصة حتى يبعث في حياته روحا جميلة. فالشاعر الموهوب مبلغ رسالة وحي من عند الله تعالى، يكتب بعد نضجه ونموه؛ فتولد القصيدة الخصبة العذبة الفتية، وكلما تعجل في الكتابة دون هذا النضج؛ أخذه اللحن وكذب عليه وسرق منه القصيد؛ فتصبح القصيدة مهترئة مفككة عاطنة كما وصفتيها.
فالشاعر مران وتدريبات مستمرة كما للصوفي والولي عليه بكثرة الصلاة والاستذكار ليكون دوما قلبا نقيا مستقبلا فتح الله عليه ببصيرة القلوب المؤمنة فيرى مالا يراه الآخرون وهكذا هو الشاعر عليه مثل هذا التعبد بالقراءة المستمرة لفطاحل الشعراء وفي بحث دائم عن كل جديد لإثراء قاموسه اللغوي . كما عليه المشاركة الفاعلة في الحياة والخطوب وأمور الناس.
فما نجده اليوم من عطن الشعر هو ليس بشعر وإنما أكذوبة اللحن.. هو دلالة قاطعة على انصراف ما يدعون الشعر عن القراءة والإطلاع وسمو الروح في قراءة تفاصيل الحياة.

• ما رأيك بما يسمى قصيدة النثر، يقال إنها لحد الان لم تستطع أن تثبت وجودها، ويعتقد البعض أنها في نهاية المطاف تتجه إلى فن القصة؟
-أتت القصيدة النثرية بتهجين الخاطرة الرمزية البلاغية من الشعر الحديث حتى أصبحت قصيدة كاملة العضوية..
أي قصيدة مكتملة في عناصر شكلها الجديد: موضوع ذات فكرة موحدة ـ تميّز في البلاغة الأدبية في مقاطعها ـ صور بلاغية وشعرية جديدة في معناها تحتاج اللفظ الحر الطليق غير مقيّد بوزن تفعيلي.
معبر موظف توظيفا جيدا ـ صورها وألفاظها تدخل في تأويل جديد على مستوى اللفظ والمقطع ـ لفظ يؤول تأويلا جديدا غير متعارف عليه في السابق وهذا المفهوم اقتبسته من دراسة بحثية للناقد مختار أمين “درجة من درجات أوزان اللفظ الثلاثة”.
إذن القصيدة النثرية أتت بجديد أثرى الأدب رغم تعند الخليليين الكلاسيكيين، والغرب يكتبون القصيدة النثرية منذ زمن.
وهي في حالة عدم كمالها ونضجها في الشكل والمضمون ممكن أن تأخذ مسار الخاطرة ولكنها بأي حال من الأحوال لن تأخذ مسار القصة، لأن القصة لها سمات وعناصر محددة التكنيك، فالتكنيك مهما كان نوعه (قصة قصيرة، قصيرة جدا، أقصوصة) بعيد الشبه جدا في الشكل والمضمون عن قصيدة النثر.
وأعتقد هذا الرأي ليس رأيا نقديا لأن الناقد يعلم سمات كل جنس أدبي.

• كيف ترين النقد اليوم؟
-النقد في صورته الكاملة الواعية هو إبداع أدبي موازٍ لكافة الإبداعات للأجناس الأدبية.
ورؤيتي للنقد بالنسبة للشعر هي: أرى أنه صاحب فضل إنصاف القصيدة النثرية وأرى أيضا أنه بعد نضج تحرّر في تناوله للقصائد النثرية من ناحية الشكل والميزان الكلاسيكي الذي يناسب القصيدة الخليلية وتناول بأدواته الحديثة تحليل قصيدة النثر واكتشاف فعل البلاغة وما أتت به من تجديد في التراكيب البلاغية والصور الشعرية والتوظيف الجديد لسيمائيات اللفظ ووحدة الموضوع إذ أنه كشف عن جماليات تفوق في بلاغتها وهدفها على قصائد الشعر التقليدي (التفعيلة والعامودي) ووضعها في مصاف الإبداع الحقيقي، وهذا بوجهة نظري هو اجتهاد لبعض النقاد وليس اجتهاد أكاديمي مجتمع عليه من المؤسسات النقدية.
أما الاجتهاد النقدي بشكل عام على الأجناس الأدبية سماؤه تظلله غيمة كبيرة، إذ أن بعض النقاد يتمسكون بالنظريات الكلاسيكية الغربية والمصطلحات الثقيلة دون تفسير وتفكيك له ودون دلالة مباشرة، أي ينخرطون في عزلة مصطلحاتهم المعقدة وينفصلون بها انفصالا حقيقيا عما جاء في متن النص المكتوب.

• ما صدى مجموعتكِ الشعرية ( تراتيل قمر) في الساحة الأدبية؟
– تراتيل قمر هي مجموعتي الشعرية الأولى التي صدرت عن دار المختار للنشر والتوزيع في القاهرة وكنت متخوفة جدا كونها الأولى، لكن أقول الحمد والشكر لله رب العالمين..
لقد نالت الطبعة الأولى منها النجاح والتوفيق من الله تعالى خرجت بشكل جميل ويعود الفضل لفريق عمل متفان في عمله ومتخصص في دار المختار.
حظيت معظم قصائد الديوان على قراءات ودراسات نقدية بأقلام نقاد مبدعين من مختلف الوطن العربي من مصر الناقد (مختار أمين) الذي شرفني بكتابة مقدمة ودراسة لقصائد الديوان. والناقد الأستاذ (أحمد طنطاوي) الذي أشار في بعض قراءاته لقصائدي إلى البعد التشكيلي فيها. ومن تونس الناقد صاحب الفضل الأول على ظهوري كشاعرة هو (الأستاذ حبيب بالحاج سالم) والناقدة (زهرة خصخوصي) و (د. حمد حاجي) ومن المغرب الناقدة (رجاء البقالي) ومن سوريا الناقد (منذر الغزالي) أشادوا بها جميعا.
ونشرت في العديد من الصحف الورقية العربية والعراقية والمواقع الإلكترونية. وسيكون هناك طبعة ثانية قريبا إن شاء المولى.

• أراكِ في بعض نصوصكِ تمزجين الشعر بالتشكيل، فهل التشكيل مكّمل لصوركِ الشعرية، أم ثمة اعتبار آخر؟
-الرسم بالنسبة لي منذ الصغر أداة تعبير عندما أعجز عن البوح أو تفسير ما يجول بخاطري، وأتذكر موقف لي عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي، وهي كانت المرة الأولى استخدم فيها هذه الخاصية في التعبير، عندما طلبت معلمة اللغة العربية منا كتابة موضوع عن رحلة إلى الريف طبعا أنا عجزت عن الكتابة، ولا شعوريا أخذت أرسم صورا كانت قد علقت بمخيلتي حين قمت بالذهاب مع أبي في موسم زراعة الرز وعشت طقوس المكان وساهمت بشتل بعض شتلات الرز مع أبي في الماء..
كل هذه الصور استحضرتها ورسمتها وقدمتها للمعلمة كموضوع تعبير ومن حينها أصبحت القصيدة عندي تكتب مرتين، مرة بالقلم ومرة بالريشة..
فالتشكيل مكمل لصوري الشعرية البلاغية بعض الأحيان كما جاء في آخر قصيدة كتبتها عن فاجعة الكرادة (آه.. بغداد) رافقتها لوحة تحمل نفس العنوان تحتوي صورا أخرى تدور حول ذات المعنى والفكرة للقصيدة.

آه.. بغداد صباح آخر
لم تزقزق فيه العصافير
لم أسمع فيروز تصدح في دروبك
“طلعت يا محلا نورها”
يا للمسكينة!
توارى خلف أصوات الصمت
ارتدى لونا أضاع فيه ظلّه
فراشات حزينة
تبحث أجنحتها عن التحليق …

• هل تقدمين الشاعرة على الرسامة أم الإعلامية، وأيهما الأقرب إليك؟
-لا تفضيل بينهم فالشاعرة والرسامة توأم روحي لا ينفصلان عن بعضهما أبدا.
أما الإعلامية لا تقل عنهما من حيث الأهمية والقرب من نفسي فمن خلالها أستطيع المتابعة والإطلاع والقراءة والبحث واستخلاص الخبرات من تجارب الآخرين وتوظيفها في كتاباتي الشعرية أو القصصية.
فهم يشكلون ثالوثا تكامليا لجانب من جوانب شخصيتي التأملية.

• لقد أولى معارج الفكر أهمية خاصة لقضايا المرأة بشكلٍ عام، وللأدب النسوي بشكلٍ خاص، فكيف تنظرين لهذه المبادرة؟
أولا أوجه شكري وتقديري لكل العاملين في هذا الصرح الثقافي الراقي وبالأخص الاستاذ شينوار لما يقدمه من رعاية واهتمام ومتابعة للحركة الأدبية والثقافية وما يكرسه من جهد واضح يستحق كل الشكر والثناء عليه.
وأثمّن هذه المبادرة الراقية بقضايا المرأة وبنتاجاتها الأدبية وذلك بتسليط الضوء على إبداعاتهن بمنحهن فرصة الانتشار بين الأروقة الأدبية والثقافية بشكلٍ واسع.

الحديث معها ما بين الشعر والرسم لا يخلو من متعةٍ، صدقها وطيبتها تنثال عبقا جنوبيا على من حولها، هزتني مناجاتها للعراق:

لم يبقَ في الصبح مكانٍ
وقافلة حنيني تروي الغدير
المار على واحة الأمنيات
ونصفٌ يعلّقني على جيد حلمٍ
نغم قيثارة
الريح تعرفني
وشجرة النخيل
وتلك الروح العاشقة المنتظرة

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *