الشاعر جمال الحلاق الى “صوت الاخر”: إنّ الوجود بأكمله وجود شعري ، كلّ ما فيه يحاول أن يترك بصمته عليّ

حاوره: عبدالوهاب طالباني
سيدني

الحوار مع الشعراء دائما يكون له نكهة خاصة ، مع شيء من المغامرة في ادراك الهدف النهائي منه ، ويكون له بعد غير عادي في عملية اكتشاف ما وراء كل تلك المشاعر والرؤى والصور والمكابدات التي ينقلها الشاعر في النهاية عبر طاقته التعبيرية الى الورق  ، كأنهم يتخلصون من حمل ثقيل .. كيف يمكن ان  ندخل في نسغ عملية ابداعية  لا يمكن لحد الان ان يستوعبه تعريف معين ..فالشعر عالم يعجن الكلمة والحرف والخلجات والبصر والعقل وكل ما يحيط بالانسان او ما يحيط به الانسان .
والوضع يختلف مع ضيفنا الشاعر جمال الحلاق ، فهو لا يأخذ بناصية الشعر فقط ، بل انه يبحث  في التاريخ والتراث وكاتب دراسات ومقالات ، وفي مجالات  تعتبر مواقع جد حساسة في التبحر به ،  لنر الان كيف يمكن ان نخترق عالم الشاعر والباحث العراقي ، ولنحاول اكتشاف عالمه ، وكيف يتأبط معاناته ورؤاه وافكاره في مدينة تضج اضواء فوق مياه الباسيفيك

..

البدايات:
في قرية ” الزهيرات” بمحافظة البرتقال “ديالى” فتح عينيه للحياة ، انشغل في بداياته  ، وبالضبط في مرحلة التعليم الاولي  بالرسم ، وكانت فرصة غير عادية ان يفوز بجائزة احسن رسام لعام 1978على صعيد المحافظة ، ليأخذه الفن التشكيلي فيما بعد الى فن التشكيل بالكلمات وعالم الشعر ليفوز في عام 1985 بجائزة الشعرالاولى وكان طالبا في الصف السادس العلمي ، وبعد ان انهى الدراسة الاعدادية انتسب الى معهد النفط ببغداد .
وفي عام 1986 ، تعرف على جماعة  ادبية في بغداد  ، او بالاحرى هو كان من ضمن مؤسسيها ، فاصدروا نشرة ثقافية عن طريق الاستنساخ ،  صدر منها ثلاثة اعداد ، وفي عام 1990 اسس مع مجموعة من الادباء ملتقى الصليخ الادبي.
وقد صدر له اول مجموعة شعرية في 1993 بعنوان”يرتكب التفكير لاحقا” ، وفي عام 1997 صدرت له مجموعة اخرى بعنوان “صعادات” ، وبالاشتراك مع فرج الحطاب اصدرا في 1997 ايضا “بيان الرؤيا الان” عن الجيل التسعيني، وفي عام 1998 صدر له النص ” خارج على العقل” وهوعبارة عن سيرة وافكار .
صدر له عام 1999 نص نثري بعنوان “تقدم أيّها الخرف” يصفه هو بأنّه “شيء من الارتكاب في المعنى” ، وفي العام 2000 نشر نصا بعنوان ” تحطيم الاصنام” تلته مجموعة شعرية أخرى في العام 2001 بعنوان ” عائلتي ” ، وفي العام التالي كانت هناك مجموعته الشعرية ” تبدو” التي صدرت عن ( دار ألواح ) والتي كتب أغلب نصوصها في الأردن… اضافة الى كل هذه المجموعات المطبوعة فهناك الكثير من النصوص التي نشرها على المواقع الالكترونية  ، ومن بين النصوص التي يعتز بها ونشر على موقع ” أدب فن”  كان نصه المعنون ب “قلق المنفتح” ..

وفي مجال انتشار نصوصه باللغات الاخرى فقد ترجمت له نصوص عديدة الى اللغات الانكليزية والفارسية والكوردية والاسبانية والكاتلانية والفرنسية واليابانية ..وهناك الان محاولة لترجمة احدى مجموعاته الى التركية.

وللاطلاع على مكمن التجربة الابداعية للشاعر لابد ان نبحث في الجذور والبدايات .. فقال الشاعر:
–    هذا السؤال يتطلّب كتابة السيرة الذاتية ، لكنّني هنا أحب أن أتحدّث عن نشوئي داخل عائلة مركّبة ، بعضها كان ماركسياً قيادياً وبعضها كان أئمة مساجد . ومع هذا فإنّها كانت عائلة متداخلة غير متقاطعة ، وكانت الحوارات التي تجري تمنحني شيئاً من أفق مختلف ، كنت قريباً الى كليهما ، لكنّني لم أقف مع أحدهما ، ومع هذا كنت أميل الى التفكير المادي ، لكن من زاوية وجودية ، وهذا ما جعلني مختلفاً جديداً داخل العائلة المركّبة . والذي فعّل ذلك أيضا أنّني قضيت طفولتي في قرية الزهيرات ، لكنّني مع سنّ البلوغ والدراسة الجامعية انتقلت للعيش في العاصمة بغداد ، وأظنني كنت خلطاً مركّباً من الريفي الحضري إذا ما استخدمت كلمات الدكتور علي الوردي . اقامتي في بغداد جعلتني أميل الى المدنيّة أكثر ، ومع هذا كانت بغداد في تسعينيات القرن الماضي قد تحوّلت الى قرية أيضا ، لا بمفهوم القرية العالمية ، بل بتراجعها الحضاري ، تصحّر بغداد الذي يشبه داء الصلع جعلني أنفر منها أيضاً ، ثمّ جاءت هجرتي الى عمّان ، ومنها الى أستراليا ، الانتقالة الأخيرة كانت أكثر الانتقالات سعة ، فهي لم تكن انتقالة في المكان ، بل في الزمن ، الزمن بدلالة الوعي ، كما انّها انتقالة من لغة الى أخرى ، إنشطار اللسان بين العربية والانجليزية ، وإعادة تركيبة الوعي مجدّداً مع كلّ تجربة مختلفة ، كلّ هذه الانتقالات ساهمت بشكل فاعل في تأثيث هويّتي الشخصية ، ومنحتها إختلافها .

– أزعم أنّ في نصّك  كمٌّ كبير من الغموض ، بحيث يجعلني ” وعفوا من صيغة الانا ”  أتعب للبحث عما وراءه ، السؤال هو : هل يهمّك أن يفهم المتلّقي الحالة التي كتبت فيها نصّك ويذهب الى معانيه يضرب أخماسه بأسداسه  … بماذا ترد ؟

•    لا أختلف معك في أنّ هناك غموض في الكتابة ، لكن ، إنتباهة بسيطة تكشف للقارئ أنّني أكتب باللغة اليومية ، أي أنّ مفرداتي – في مجموعتي ( حريق ) مثلاً – لا تحتاج الى مراجعة القاموس ، وهنا ، يكون الغموض ليس ناتجاً عن الكتابة الشعرية ، بل عن التجربة الحياتية التي تضخّ في الكلمات دلالات مغايرة ، التجربة هي التي تصنع القالب والمحتوى ، إختلاف التجربة يجعلها غامضة ، يجعلها ليست يسيرة ، المطلوب ، لحلّ هذا الإشكال أن تكون تجربتا الكاتب والقارئ متقاربتين .

وأمّا هل يهمّني أن يصل القارئ الى ما أريد ، فأعتقد أنّ الكتابة ، في جوهرها ، محاولة في توسيع رقعة الذات ، محاولة في خلق فضاء أوسع لحركة الكاتب في العالم ، ومع هذا ، تبقى هناك مستويات التلقّي وإتجاهاتها ، إضافة الى قدرة القارئ ، ليس على إستلام النصّ فقط ، بل على تثويره أيضا .

– يقال أنّ الشعر  ينبت  فكرة أو ربّما يقدح صعقاً  في اللاشعور ، ثمّ بعد هذا تأتي مرحلة التعبير عنه في كلمات وجمل شعرية .. ما هو تعليقك ؟ أو كيف ترى أنت حالة الولادة تلك ؟

•    لكلّ نصّ هويّته ، وتجربته الخاصّة ، على الصعيد الذاتي ، لا يتشابه نصّان في التجربة ، التشابه يقود الى توأمية يكون جزء منها فائضا .
أما كيف يأتي الشعر ؟ أقول إنّ الوجود بأكمله وجود شعري ، كلّ ما فيه يحاول أن يترك بصمته عليّ ، وما أفعله أنّني أستقبل كلّ شيء بشعرية أيضا ، وهذا تمرين هائل ، أن تجعل الحواس تعمل وفق آلية الشعر كلغة ، وإذا ما كانت لغتنا مجازاً فإنّها انعكاس لوجودنا في العالم ، هناك مشهد أو تجربة تجرفك معها ، أذكر مرّة وكنت أمشي في شوارع بغداد إحتلني شعور بولادة نصّ ، كانت التجربة قد طفحت على الحواس ، فالتقطت علبة سجائر مرمية على الرصيف وكتبت النصّ عليها ، أسميته ” إنجراف ” ، ومع هذا فهناك تجربة تأتي من العالم لتستقر في الذهن الى سنين ، تماما كما في تجربتي مع نصّ ” الى جنين المتحف الطبيعي ” ، لقد رأيت الجنين في زجاجة داخل المتحف الطبيعي في جامعة بغداد عام 1981 ، لكنّني كتبت النصّ عام 1997 ، والعجيب أنّني كتبت النصّ أكثر من مرّة ، وكنت أمزّق ما أكتب ، حتى إكتمل كما هو في مجموعتي ” صعّادات ” ، كما لو أنّ النصّ مرّ بحالات إجهاض مماثلة لعملية إجهاض الجنين المعروض في المتحف ، غير أنّ النصّ في النهاية ولد ولادة طبيعية ، كان الجنين أنا .
والشعر أيضا يأتي في النوم كما يأتي في اليقظة ، وفي بعض الأحيان يبقى النصّ عالقاً في الذهن فأكتبه عند الصحو كما حصل معي مراراً ، وجملة : ” النصوص الكبيرة شتائم كبيرة ” كانت نتاج حلم .
وفي أحيان كثيرة أعيش التجربة الشعرية ولا أكتبها ، ويمكنني القول هنا أنّ نصوصاً مهمّة جداً تلك التي نعيشها ولا نتجرأ على كتابتها ، لأنّها أحياناً تكون أعلى من مستوى اللغة ذاتها .

– طبعا تكنولوجيا تبادل المعلومات بالسرعة المدهشة التي نراها قلّلت كثيراً من معنى أن يكون هناك شعر مهجرى أو شعر ” وطني ” إن صح التعبير ، في هذه الحالة هل ما زال هناك نصّاً مهاجراً في أستراليا أو المهاجر الأخرى له نكهة خاصّة  بحالة  البعاد عن الوطن الام ؟

•    هذا السؤال يتطلّب إعادة تعريف الوطن والهجرة ، ما الوطن ؟ وما الهجرة ؟ هل الوطن نقطة في المكان ؟ وهل الهجرة إنتقال مكاني ؟ أم هما صراع بين الذات والآخر ؟  إن كانا صراعاً فإنّ الهجرة قائمة حيثما كنّا ، وستكون الذات هي الوطن ، وعليه فنحن في أوطاننا ما دمنا ملتصقين بذواتنا ، التنازل عن الذات هجرة وغربة ونفي ، وهنا سيسقط المكان ، وسيكون التقسيم زمانيا ، زمن الذات وزمن الآخر ، وعليه فما تمّ تسميته بأدب المهجر يمكن أن يكتبه العراقي وهو في العراق ، أنا أقرأ نتاج الجيل التسعيني في العراق من هذا المنظور ، كان أدب هجرة لأنّنا كنّا ملتصقين بذواتنا ، إنّها الهجرة الى الذات ، وما يُكتب الآن في العراق فيه من الإحساس بالغربة والنفي أكثر مما يُكتب خارج العراق ، هذا لا يمنع أن يكون هناك شعراء مصابين بالمكان ، فترى الحنين الى هناك قائما ، من وجهة نظري ، المشكلة أعقد بكثير من التقسيم المكاني الساذج .

–  كيف تقيّم الحالة الثقافية الاسترالية ، أقصد المنتج باللغة العربية ؟

* لدينا قدرات فردية مذهلة على صعيدي الجالية العربية أو العراقية ، لكنّها تفشل حين تلتقي . لا تزال الخيوط تتداخل لكنّها لا تخلق نسيجاً مُحكماً ، هكذا يستمر الخيط في مسيره ليخرج من الجهة الأخرى ، ليس هناك حواراً مُنْتِجاً ، وهناك أيضاً كسل ثقيل ، يمكن أن أسمّيه بروداً تجاه الذات ، يجعل الكثيرين ينسحبون حتى من ذواتهم ، إضافة الى تراكمات إنعدام الثقة التي هي نتاج طبيعي لتاريخ العراق الحديث ، ومع هذا ، تبدو هناك في الأفق ثمّة تجمّعات يمكن أن تتحوّل لاحقاً الى صبغة ثقافية ، لا تزال الفردية هى المركز الثقافي ، المطلوب وجود مؤسّسات تعمل على دعم وتسويق النتاج إجتماعيا ، محاولة في خلق حوار ثقافي .

–  هل سبق وأن راودك سؤال” ما الجدوى من كل هذا” ؟

•    هذا السؤال يحاصرني منذ أن إنتبهت لوجودي في الحياة وفي العالم ، منذ أن بدأت أسئلة الذات : مَن ؟ لماذا ؟ الى أين ؟ وهو السؤال ذاته الذي يجعلني ألتصق بذاتي أعمق وأعمق كلّ يوم ، لأنّنا في النهاية تجارب فردية تمّ تغليفها بصبغة إجتماعية ، وسؤال ما الجدوى ؟ يطالبني أن أعطي تبريرا منطقيا – على الأقل بالنسبة لي – لوجودي في الحياة ، البعض يرى الجدوى في الإنضواء تحت شعار ديني أو قومي أو طبقي ، لكنّني الى الآن أراها في المشاركة الإنسانية وليست في الإنضواء أو في الإنسحاب ، الإنضواء يقتل جدوى الذات باعتبارها تفرّدا ، كذلك الإنسحاب ، بينما المشاركة تعمل على تفعيلها ، وبالتأكيد قد تنحصر الجدوى لدى كائن عادي بأن ينتمي لأسرة وأن يعمل على إدامتها ، في النهاية لكلّ كائن تبريره المنطقي إزاء ذاته ، وكوني أبحث عن جدوى أكثر سعةً وتأثيرا ، وحتى لا يكون وجودي تكراراً نمطياً ، فإنّني أبحث خارج الأطر الجاهزة ، أبحث عنها في ما لا أعرف ، في الإنتماء للكون بكلّ تاريخه ، للظاهر منه ، ولأحافير كائناته المنقرضة ، أشعر أنّني إمتدادٌ حي لتلك اللحظة التي إنطلقت فيها الحياة من خطّ البداية الأولى ، إمتداد لرغبة الضوء الأوّل في احتلال العدم ، الضوء الذي تحوّل الى جناح طائر يحلّق فوق أعلى قمّة على الأرض ، والى زعنفة في سمكة تقيم في أغور عمق للماء ، أشعر أنّني إمتدادٌ للنسيج الكلّي الذي يعيد صياغة الأشياء كلّ يوم ، بل كلّ لحظة . ومع هذا يبقى السؤال يقظاً ، لأنّ الإطمئنان سرعان ما تخترقه دودة القلق ، القلق من أنّني أتحرّك بعيداً عن ذاتي في اللحظة التي أظنّ أنّها هي .

•    علاقته بالادب الكوردي

•    كان الشاعر جمال الحلاق اثناء دراسته في معهد النفط ببغداد يتردد على كركوك لان الدروس التطبيقية كانت تتم هناك ، وفي المدينة الباباكركرية تعرف على الفنان التشكيلي الكوردي اشتي  مهدي شيخاني ، ومن خلاله تعرف على الادب الكوردي والثقافة الكوردية عموما ، ولاول مرة اطلع على قصائد كوردية مترجمة الى العربية هناك عام 1987 وحينها تعرف على شعر شيركو بيكه س ولطيف هه لمه ت ، ونتيجة لاهتمامه بالادب الكوردي وقيامه بقراءة نصوص كوردية في بعض المجالس  كان البعض يتندرون ويقولون : جمال الحلاق إنضمّ الى “العصاة..!” ، اذ كان الاعلام الحكومي آنذاك يطلق هذه الصفة على مقاتلي الثورة الكوردية . ، وفي التسعينات تعرّف على نصوص كولاله نوري  ومزكين عزيز  من الجيل الجديد ، وهو يقرأ الآن بحب لزيرفان على سليفاني ، هذا وقد تُرجمتْ بعض أعمال الحلاق الى اللغة الكوردية من قبل الكاتب الكوردي جهاد محمد حمه كريم المقيم في النرويج ..
•     في مجال اطلاعه على الادب الكوردي اوضح  الشاعر جمال الحلاق:
– لا أستطيع القول أنّ لديّ إطّلاعا على الأدب الكردي ، لكنّني أقرأ ما يتسرّب لي من نصوص مترجمة منه ، أذكر أنّني بدأت أقرأ  لشيركو بيكس ولطيف هلمت عام 1987 بعد أن دلّني عليهما الفنان التشكيلي آشتي مهدي ، لا أزال أقرأ لشيركو ، وفي الوقت ذاته أقرأ ما أعثر عليه من نتاج كلالة نوري ، طيب جبار ، وزيرفان علي سليفاني ، وكنت أتمنى ، ولا أزال ، أن أقرأ شيئاً للشيخ رضا طالباني مثلاً الذي أرى فيه شخصيّة عبود الكرخي ، وقد سمعت خسرو الجاف مرّة يتحدّث عن وجود نصٍّ كردي تزامنت كتابته مع تنبوءات نوستر آداموس وإنّه شبيه لها ، كم تمنّيت لو أنّني حصلت عليه .

–    في كتابك المهم ” مسلمة الحنفي : قراءة في تاريخٍ محرّم ” ، طبع في بيروت 2009 ، تجزم بأنّ التاريخ يكتبه المنتصرون ( ص 168 ) ، هل يعني هذا الشكّ بكلّ التاريخ الذي نقرأه ، وأنّه مزوّر ؟ هل يمكن أن توضّح المزيد في قراءتك للتاريخ ؟

–    تعلمت أن اقرأ كلّ شيء من خلال منهج النشوء والارتقاء ، وباستخدام مبدأ البقاء للأقوى ، لكن ، مع وضع تحديد لدلالة الأقوى ” بالأعنف ” ، يمكن بسهولة الوصول الى هذه النتيجة ، وأقصد أنّ التاريخ يكتبه المنتصرون ، لكن ، وهنا أقف إزاء سؤالك الهام جدا ، هل يعني هذا الشكّ بكلّ التاريخ ؟  بالتأكيد ستكون الإجابة بالنفي ، والسؤال كيف نتمكّن من الوصول الى الحقيقة الأرجح التي تختفي في كلّ ما قد تمّ تدوينه ؟ هنا ، أنا أستخدم نفس آلية الجيولوجي الذي يقرأ أعمار طبقات الأرض ، والبايلوجي الذي يحاول قراءة الأحافير المتبقّية لكائنات إنقرضت لسبب أو لآخر ، وظيفتي هي التنقيب عن هذه الأحافير المتبقّية من حياة كان لها حضورها وفاعليتها – سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي – عملت المؤسّسة الحاكمة على طمسها . هناك الكثير من الكائنات الحيّة التي عاشت وكان لها أثر على الارض ثمّ انقرضت ، لكنّها أبقت لنا في باطن الارض ما يشير اليها ، واذا ما كان بقاء الأحافير في الطبيعة يخضع لآليات بعيدة عن إرادة الكائن المنقرض ، فإنّ الأمر مع التاريخ البشري يأخذ بُعداً آخر ، الحفاظ على الأحفورة أو على المدوّنة التاريخية التي تشير الى تاريخ خفي يتمّ بآليات عديدة ، أوّلها محاولة الطمس ذاتها ، وذلك بسرقة التاريخ وجعله تاريخا للمؤسّسة الحاكمة ، وهنا نقف إزاء ضبابية الوصول الى الفرز بين ما هو تأريخ حقيقي وبين ما هو تأريخ مسروق ، إضافة الى ذلك فإنّ المهزوم لن يتوقّف عن محاولة بثّ تاريخه الخاص بين ثنايا تاريخ المؤسّسة ومن خلالها ، لكن تحت ضبابية أكثر ، سنجد دائما عند ذكر الاخبار المخالفة لرأي المؤسّسة أخبار تروى عن فلان من الناس ، أو ذكر شيخ ثقة ، أو ورد عن بعضهم ، أو قال أحدهم ، هذه الحالات التي لا تكشف فيها أسماء الذين وراء الاخبار تصلح أن تكون نافذة ، واعتقد أنّ آلية السبّ واللعن كانت جزءاً من آليات الحفاظ على التاريخ أيضا ، فبهذا الطريق وصل الينا مسلمة الحنفي باعتباره كاذباً ، أي أنّ ذكره وصل الينا دون أن ينقرض تماما ، وعليه فإنّ عملية تهريب التاريخ تتمّ عبر انتحاله أو عبر محاولات تشويهه ، وهذا يعني أن لا نقرأ باطمئنان تام ما ورد الينا باعتباره تاريخا حقيقيّاً ، وفي نفس الوقت علينا أن لا نرفض التاريخ باعتباره مكتوباً من قبل المؤسّسة المنتصرة . 

– هل تعتقد بأنّ العمل الكتابي في الصحف يأخذ من جرف الابداع عند الشاعر؟

حين أتحدّث عن تجربتي أرى أنّ الكتابة الأسبوعية – في صحيفة بانوراما مثلاً – أضافت لي ولم تأخذ مني ، فمنذ قرابة عشر سنين وأنا غارق في قراءة وبحث آليات عملية تهريب التاريخ ، وقد وصل الأمر بي كما لو أنّني أعيش خارج اللحظة الراهنة ، فعملية نبش الماضي وإعادة قراءته جعلتني في الوقت ذاته بعيداً عن تفاصيل حياتي اليومية ، الكتابة الاسبوعية في بانوراما كانت السنارة التي انتشلتني من هذا المأزق ، وهو مأزق وجودي صرف ، أبحث عن جدوى ، لكن في نفس الوقت تسرقني عملية البحث من حياتي الخاصّة ، هكذا أشعر بلذّة الوصول وبمرارة الفقدان معاً ، المقال الاسبوعي جعلني قريبا من ذاتي كتجربة لها طقوسها أيضا ولها سلوكياتها بعيداً عن البحث التاريخي ، وتجربة الكتابة الأسبوعيّة  حفّزتني على الخروج ايضا من البيت ، البحث جعلني كائنا بيتوتيا ، المقال الاسبوعي أعاد لي بعض حيويّتي السابقة ، إنّه تحدٍّ لي أيضا على المواصلة .
أما تأثير الكتابة الصحفية على الشعر فهذا يعتمد على فهم ما الشعر أصلا ؟ وحين تصل الى أنّ تجربتك في العالم هي محض تجربة شعرية ، وأنّ ما تكتبه يندرج تماما تحت هذه القراءة ، فأعتقد أنّ ذلك يولّد بلوغاً جديداً خارج نطاق التأطير . أنا أنظر لكتاب ” مسلمة الحنفي ” باعتباره كتابة نصّية ، لقد كان البحث حرثاً في أراضٍ بكر ، وهذا هو الشعر .   

أسرة بلا سلطات “عليا”
وفي الجانب الشخصي والعائلي فلجمال الحلاق أسرة من ثلاثة أولاد هم ” نورس ، علي ، بلاد ” إضافة الى زوجته بشرى الدرّاجي ، والذي يعرف عن قرب هذه العائلة الكريمة ، يرى أن لا ممارسة للسلطات “العليا” ، بل انهم يكوّنون مجتمعا صغيرا مبنيا على مبدأ الحوار في كل أمورهم الحياتية ، فهم اصدقاء ويعيشون أجواء صداقة متينة ونقية بكل معنى الكلمة.

وينتهي حوارنا هذا الذي إستغرق منا ثلاث جلسات ولساعات عديدة من النقاش ، والسفر لمسافات غير قصيرة ،  واتصالات هاتفية  ، وتكون الابتسامة خاتمة عملنا ، ونلم اوراقنا ، ومن الباب الرئيس لباب المقهى الاسترالي  لاحظنا أن زخات من المطر “الصيفي” تغسل وجه الشارع ، ونسمة منعشة متضوعة برائحة الارض والمطر تهب في الارجاء .. ودعته  : شكرا أستاذ جمال على هذه الرحلة  الرائعة في عالمك الابداعي .. رفع يده إحتراما…. وغاب في لجّة الناس والمطر والشعر.

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد