العراقية رحاب الصائغ لـ ” اليوم بريس ” : ملاذي الاخير هو الكتابة

عزيزة رحموني

الكاتبة والناقدة العراقية رحاب الصائغ تفتح سجل  البوح  على صفحات ” اليوم بريس” ، وتعتبر أن الحرف ملاذها الابدي، وتخشى أن تنسى الكتابة والقراءة يوما ما ، على امتداد هذا الحوار الشيق نكتشف رحاب  الصائغ التي  ينطبق الاسم على المسمى في رحابة الفكر  والصيغة الابداعية المتأصلة والاصلية لمبدعة أحبت العراق والوطن العربي وتفننت في كتابته أحرفا تختزل   الاهات  العميقة  في حب الاوطان.

س .رحاب  إنسانة رقيقة اهتماماتها متعددة. لنعد إلى منابع طفولتها و نكتشف أولى خطواتها في الحياة ؟
ج – سماء طفولتي غلفتها شقاوة خمسة من الذكور، وأب ثقافته من خطبة الجمعة، والأمثال الشعبية، وأم لا هم لها غير صقل العادات والعمل بالأصول والتقاليد، وإنشائي ربة بيت متميزة.
طريق المدرسة توقف ذات قرار. لماذا و متى ؟
ج – في أولى سنين دراستي، الابتدائي، كنت مولعة بالرسم، وشاهدني والدي في يوم ارسم بعض الأشخاص، فحرمني من المدرسة، حين سألني من قال لك أن ترسمي؟
اجبته المعلمة:
– قال: حرام رسم ” الاوادم” ، أي الأشخاص، هكذا قال الخطيب في الجامع، وهددني، إن شاهدني ارسم مرة أخرى، سوف يمنعني من المدرسة، ومعلمة الرسم كانت تفخر بي وتتطلب مني أن أتدرب في البيت، فكانت نهايتي على يد خطيب الجامع، بقرار من والدي، ومنعت من الذهاب للمدرسة في بداية الشهر الثاني من الدوام، في الصف الخامس الابتدائي، لن أنسى تلك اللكمة القاسية، التي لم ينفع معها أي بكاء أو نحيب، أو قسم باني لن أعود للرسم.
الكتابة  تعرف خلجانك وتأتيك طائعة في عدة أجناس. كيف كانت البدايات ؟
ج – خوفي من أن أنسى القراءة والكتابة، أصبحت كالعثة، اقرأ كل ما يقع في يدي من كتب، وعندما أجد صعوبة في قراءتها، اكتبها، ولم يسمح لي بقراءة شيء غير المصحف الكريم، وبما أنني في البيت أقوم بتنظيف الغرف كنت اسرق أحيانا بعض المجلات والجرائد والكتب، من غرف إخوتي، كونهم ذكورا مسموح لهم بقراءة ما يحلو لهم، لم اترك أي كتب لديهم، حتى المدرسية الخاصة بهم، ولكل المراحل الدراسية، في البداية كان همي القراءة فقط وليس التفكير فيما اقرأ، في يوم قال لي أخي( رحمه الله) في الحرب الايرانية العراقية، والذي يصغرني سنة، هل تحبين قراءة القصص؟، قلت له ولما لا احبها جداً،  فاحضر لي كم من القصص، تعجب حين أكملت قرائنها في فترة قصيرة جدا، واخذ يزودني بكثير من الكتب والمجلات، وأتذكر منها، مجلد ميكي ماوس، مجلد تاتان، ثم قصص شارلوك هولمز، اجاثا كرستي، مجلة المغامر، مجلة العربي الكويتية، مجلة حواء، مجلة الموعد، ثم روايات متنوعة، لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، ومجلة طبيبك، وغيرهم من الكتاب، وكنت اقراؤها وأتخيل كل حدث فيها، طبعا في السر بعيدا عن نظر والدتي، ، ومن ثم مجلة المزمار وألف باء، وكثير مما كان يصدر حينها، لا يشغلني شيء عن القراءة، ومهما كانت الظروف، ولم اتخرج من الاكاديميات، بل من قراءاتي المكقفة، حبي للمعرفة، ثقافتي وزادي من الحياة، والحياة لا غيرها، ولولا النت لما عرف احد رحاب حسين الصائغ.
” رحلة في قعر الشيء”  كيف سارت خطاها، وأي جغرافيا كتبت ذاتك فيها ؟
ج – في يوم كنت أتصفح  مجلة ألف باء، الصفحة الثقافية، قلت لنفسي حينها، لما لا اكتب أنا أيضا، وحينها فكرت كثيرا فيما سأكتب، فكرت اكتب عن أمي، إخوتي، البيت، والدي، ولكن ماذا اكتب؟؟؟، قلت لأكتب عن نفسي، ولم اقدر أن اكتب شيء لمدى من الزمن، بقيت لأيام أفكر ماذا اكتب؟، في رأس السنة الميلادية الكل يحتفل بهذه الليلة، ويتحدث عنها، والتلفاز منشغل بعروض عن هذه الليلة، وأيضا صادف ان احد أخوتي، حدثنا عن أصدقائه المسيحيين، وعن اشتياقهم لابنهم خارج العراق، وبعد العشاء، كل من في البيت ذهب لحاله، والدتي للنوم وإخوتي لغرفهم، وإنا أيضا لغرفتي، ما أن غلقت باب غرفتي، حتى راودتني فكرة الكتابة عن شجرة الميلاد، وكتبت عنها، ولكن بعد أيام مزقت ما كتبت، وهكذا بدأت كلما شعرت بضيق من شيء أو فرحت أو حزنت اكتب ما أحسه واحتفظ به، والقراءة همي الوحيد، وما يشغلني أن اعرف أكثر وأكثر من القراءة، إلى أن التقيت بزوجي باسم، وعلمت انه قد يساعدني في معرفة ما اكتب، وعرضت عليه بعض كتاباتي، وشاءت الظروف إن نتزوج، واحتواني بمعنى الكلمة، عاملني كطالبة علم، زاهدا في الحياة معي، لم يطلب مني أي شيء يتعلق بأمور البيت، أو كزوجة، بل كصديقة، كان رقيقا حنونا، عوضني ما فقدته من حنان عند أسرتي التي لم اعرف معها غير التهميش والإهمال، خاصة بعد مروري بتجربة قاسية أخرى، “الطلاق”، فكان الصمت حد الموت، يلف أطراف ساعات حياتي وأيامي المنكسرة،  لسنوات حليفي الكتابة وونيسي، أما زواجي من باسم، جعلني كملكة على عرش الحرف تسكن، وشعبها الكتب التي حفني بها من مكتبته الخاصة، كنت ليل نهار أقرأ بنهم شديد ولم اشبع، و قراءاتي ينظمها على شكل كورسات، ويناقشني فيما اقرأ، وكنت اكتب وأعرض عليه ما اكتبه كي يقوم بنشره لي عن طريق بعض معارف، فكان يقول لي : بعد بعد يا رحاب، حتى بت أظن انه فقط يشغلني، في يوم كتبت قصيدة وقلت هذه لن يعترض عليها، لكن جوابه كان نفسه، بكيت حينها وقررت أن احرق كل ما كتبت، وفعلا أحرقت كل ما كتبت، فقلت لا باس، كنت قد حرقت مرتين ما كتبت سابقاً، فقال لي: عندما لا أطاوعك على النشر هذا لا يعني انك لا تكتبين الشيء الجيد ولكن كتابتك تحمل الغث والسمين، وقليل من الصبر، سوف تكونين كالصائغ، لديك ما يميزك، وطلب مني أن نقوم بسفرة سياحية، واترك الكتابة والقراءة لمدة أسبوع في عام 1997 كتبت نصا وقدمته له بعد عودته من عمله، وقت الغداء، ما أن قرءه، حتى اخذ يقبلني ويرقص وخرج سريعا من البيت فرحا، في المساء قال لي، قرأه شاعر متخصص بالشعر، وهو أستاذ جامعي، وطلب مني نشره قائلا: – انه نص جيدا، فرحتي لم تسعني، وكان عنوان هذا النص ( رحلة في قعر الشيء) وبعدها توالت كتاباتي والنشر، وطبعت أول مجموعة شعرية، بعد ان حصلت على موافقه  وزارة الثقافة الشؤون الإعلامية  (قصائد لا تحرق) وهي أول مجموعة في ديواني ( رحلة في قعر الشيء)، والذي يحتوي على عشرة مجاميع شعرية.
“رجل لم يخلق بعد” ما هي ظروف ولادته  ؟
ج – الإنسان. دائما يبحث عن الكمال والخلود، وما عاصرته في حياتي، لم أجد رجلا كامل المواصفات، لذا بت أفكر في خلق رجل له مواصفات الكمال، في خيالي وعقلي وكل أحاسيسي، صادفني كثير من الأشخاص، لكنهم ليسوا رجالا بمعنى الكلمة، دائما تنقصهم همم لا تعدهم في مصاف الرجال، إذن لما يقال عن المرأة، ما لم يقل عن هؤلاء من يحتاجون  هم  للكمال، وأطلقوا ما أطلقوا على المرأة، فكان ديوان ( رجل لم يخلق بعد)  وطبعا كثير ممن يتوهم إني ابحث عن رجل، أو فاقدة للحب لرجل معين.
“عادت منحرفة” حصلت على جائزة إحسان عبدا لقدوس. هل لك أن تفتحي لنا قلب هذه الرواية و تعطينا نبذة عنها ؟
ج – عادت منحرفة اقصد بها الظروف التي عاشها العراق، من حرب وحصار وحرب وحرب، وكلها تعود منحرفة بقوة أكثر من ذي قبل، وما قامت به تلك الظروف من تغيير للوضع العام للمجتمع العراقي، عاش العراق فوق ما يتحمله البشر، أحيانا اقول:- العراقيين وصلوا مرحلة النبوة بالصبر، مما عانوا من قهر وجور وتسلط، وفيها أتحدث عن مرحلة من الخمسينات إلى ما بعد الاحتلال، وما وقع من ثقل على كاهل المرأة بالذات ومعاناة لم تكن بالحسبان أبدا.
رحاب الشاعرة.هل ترى أن الأدب العربي غير تيماته من الغزل و الرثاء و المدح و طور موضوعاته و صار مرايا تفضح تفاصيل الكيان العربي بكل شناعته و عقدة و رومانسياته أيضا ؟
ج – الأدب العربي يبقى محتفظ بكل تيماته من الغزل والرثاء والمدح، لكنه يمر ألان بعواصف لا يستطيع أن يتجاهلها، كون هناك أصابع تعبث بكل خزينه من الثقافة والتاريخ والقيم، والعبث بالجذر يحتاج ادوات قمع من الداخل، سببتها الحروب والحصار، التي خلقت الفاقة والبحث عن لقمة العيش، العبث بالأخلاق والقيم وما تحمل معانيها من السمو، وإرهاصات أدواتها مشروطة بتلك الأصابع، ما يغيظني هو نوع الاستلام الحاصل، والانقياد الفظيع، وعدم معالجة الإرباك، والمتورطين به، واجد المصالح الخاصة وعدم الصدق مع النفس هو سبب ما يحصل ويدور، ولابد من صوت يفضح كل العقد والشناعة وليس الرومانسية؛ بل التطفل الغبي، هو ما حول تفاصيل الكيان العربي الى نوع هش من الحضور المقيت، هناك من يحاول أن يبني، ولا صوت له.
ما رأيك  كناقدة في الإبداع النسائي العراقي ؟
ج – المرأة العراقية تحقق كثيرا من الوجود والثبات في فكرها ومسار مشوارها الأدبي والفكري، ويثمن ذلك اتحاد الأدباء والكتاب العراقي، والمرأة العراقية تعمل جاهدة بكل عصبها أن تبني جدارها، واجد الكثيرات الجديرات بما تقدمه من فكر وإبداع، أحييها عليه، وقد كتبت نقدا عن شاعرات عراقيات يستحقن كل التقدير والاهتمام.
ما هي القضايا التي تتفاعل معها الأديبات العراقيات ؟
ج – هموم شعبها، هموم مجتمعها، هموم المرأة ذاتها،
هل تعتقين أن المرأة المبدعة  قادرة على التحرر في المجتمع العربي الذكوري ؟
ج – لا.. وأقولها بقوة، وما المقصود بكلمة التحرر، في المجتمع العربي، كلمة تحرر تعني التسيب، ولا تقبل كلمة التحرر بمفهومها الصحيح، في المجتمع العربي، إذ كون المرأة تعيش في مجتمع لا يفهم معنى الأنوثة، أو الفكر الذي تحمله تلك الأنثى، يفهم فقط، أنها امرأة ولا شيء خارج هذه المفردة، ولابد أن تقبل قيده،  كونه قوام عليها، وكل السلطة في يده،  ولا قانون يحمي المرأة في المجتمع العربي، لا المثقفة أو غير المثقفة، في حالة واحدة فقط أن تعزل نفسها عنه، وتحصن نفسها منه ومن شهواته، وطبعا من المستحيل ان تنزوي المرأة المثقفة، وسلاحها الاتزان ورفض التسيب، وإلا تعتبر ساقطة، ولقمة سائغة في نظر الرجل، والذي هو أيضا يمثل النصف الأخر في المجتمع الرجل نفسه الى شيء من التحرر من قيود الشهوة وفهم معنى وجوده كرجل ليكون جدير بحمل راية القيادة.
هل ترين أنها مستلبة ؟ أم حققت ذاتها ؟
ج – نعم حققت ذاتها في بعض المجالات،  ولكنها مستلبة في حين تستسهل الطريق للوصل إلى مصاف أعلى من ما تريده من عيش رغيد ومكانة أفضل، عن طريق مغريات يقدمها الرجل، حينها تكون قد خسرت كل ما تملك من علم ومعرفة وقوة تتسلح بها،
رحاب الصائغ, أي التيمات تشد فكرها و تتلبس إبداعها؟
ج – الإنسان، ولماذا يضعف، ولماذا يتجبر، ولماذا يقسو، ولماذا يظلم، الكل مسافر، وكل ما في هذا الكون متحرك وزائل، وفي متغير مستمر، إلى ماذا يريد أن يصل، يقتل من اجل ماذا؟، يفكر بالانتقام لماذا؟،… لينظر الورود كيف تنمو، والشمس كيف تشرق، والطفل كيف يبتسم، والربيع كيف يأتي ويذهب، كل شيء في تداخل وتضاد، لماذا يسرف في التنكيل، ومن أين يأتيه الحقد هذا الإنسان،  يؤلمني جدا حين أجد ذلك الإنسان ضعيفا وغير قادر على إصلاح نفسه او موقفه، وأقول دائما: الحب تعويض للإنسان عن الموت، والموت لا ينصف احد.
رحاب المبدعة كيف تتفاعل مع محيطها الصغير و محيطها الكبير؟
ج –  محيطي الصغير بيتي وزوجي ومن حولي، اعمل على إسعادهم قدر ما استطعت، وبإخلاص مع نفسي قبل كل شيء، كي أكون سعيدة بما أقدم، أجيد الطبخ والخياطة والتطريز وأحب الاعتناء بالنباتات في حديقتي الصغيرة، أحب السفر، وأمنيتي أن زور كل الدول العربية، ومحيطي الكبير قلمي، وارواقي، وحروفي، وكلماتي، هم همي الكبير، كوني لم أكمل دراستي، ولم احصل على شهادات تؤهلني للعمل في جانب من جوانب الحياة، فأصبح اشتغالي في الكتابة، اعبر من خلالها عن  حزني وسعادتي وفرحي وبكائي وصراخي ، أدون بلغتي العربية أفكاري التي استمديتها من قراءاتي وملاحظاتي وتأملاتي لما عشته وما أعيشه من مواقف وتجارب ومعاناة، لا اعرف طعما ليوم يمر بدون أن اقرأ أو اكتب، لم أضع قلمي تحت أي سلطة أو نفوذ او جهة معينة، حرة بقلمي وكتاباتي  وأفكاري، ولولا ألنت، لما عرفني غير المقربين جدا.
هل تمارسين السياسة ؟
ج – لا .
هل المثقف العربي مؤثر في مجتمعه ؟
ج – المثقف العربي، لا يؤثر إلا في نفسه، المثقف العربي، تحكمه أشياء، وتلك الأشياء، إن خلت من المصلحة، تكون مؤثرة، لأنها حين تكون الثقافة مسيَّسة، تخرج عن حدود المطلوب منها، ومجتمعنا اغلبه من الأميين، والبقية الباقية منه تبحث عن نفسها، ولا تجد لها من شافع.
ما رأيك في الربيع العربي؟
ج –  أتمنى لكل الشعوب العربية تحقيق ما تهدف إليه.
اليك بعض الكلمات ’ ما تعني لك :
الحرف- ما أتنفسه في يومي.
الفوضى – مجمل حياتنا فوضى.
الدموع – حزن كبير.
شمعة – تسعفي بفكرة.
صلوات – تقدم في أضرحة الأولياء.
أصابع – تفعل الكثير.
كلمة أخيرة؟
شكرا سيدتي: الموقرة
لك كل الامتنان والحب، تشرفت بهذا الحوار  الجميل وكذا الشكر موصول لجريدة ” اليوم بريس” ،وافتخر بمعرفتي بك،  أتمنى ان أكون وفقت في الإجابة ، دمت سالمة وتحية  وإجلال لشخصك الكريم.
-‘-‘-‘-‘-‘-‘-‘-

الخميس, 22 ديسمبر 2011 |  اليوم بريس | 

الكاتبة والناقدة العراقية رحاب الصائغ تفتح سجل  البوح  على صفحات ” اليوم بريس” ، وتعتبر أن الحرف ملاذها الابدي، وتخشى أن تنسى الكتابة والقراءة يوما ما ، على امتداد هذا الحوار الشيق نكتشف رحاب  الصائغ التي  ينطبق الاسم على المسمى في رحابة الفكر  والصيغة الابداعية المتأصلة والاصلية لمبدعة أحبت العراق والوطن العربي وتفننت في كتابته أحرفا تختزل   الاهات  العميقة  في حب الاوطان.

س .رحاب  إنسانة رقيقة اهتماماتها متعددة. لنعد إلى منابع طفولتها و نكتشف أولى خطواتها في الحياة ؟
ج – سماء طفولتي غلفتها شقاوة خمسة من الذكور، وأب ثقافته من خطبة الجمعة، والأمثال الشعبية، وأم لا هم لها غير صقل العادات والعمل بالأصول والتقاليد، وإنشائي ربة بيت متميزة.
طريق المدرسة توقف ذات قرار. لماذا و متى ؟
ج – في أولى سنين دراستي، الابتدائي، كنت مولعة بالرسم، وشاهدني والدي في يوم ارسم بعض الأشخاص، فحرمني من المدرسة، حين سألني من قال لك أن ترسمي؟
اجبته المعلمة:
– قال: حرام رسم ” الاوادم” ، أي الأشخاص، هكذا قال الخطيب في الجامع، وهددني، إن شاهدني ارسم مرة أخرى، سوف يمنعني من المدرسة، ومعلمة الرسم كانت تفخر بي وتتطلب مني أن أتدرب في البيت، فكانت نهايتي على يد خطيب الجامع، بقرار من والدي، ومنعت من الذهاب للمدرسة في بداية الشهر الثاني من الدوام، في الصف الخامس الابتدائي، لن أنسى تلك اللكمة القاسية، التي لم ينفع معها أي بكاء أو نحيب، أو قسم باني لن أعود للرسم.
الكتابة  تعرف خلجانك وتأتيك طائعة في عدة أجناس. كيف كانت البدايات ؟
ج – خوفي من أن أنسى القراءة والكتابة، أصبحت كالعثة، اقرأ كل ما يقع في يدي من كتب، وعندما أجد صعوبة في قراءتها، اكتبها، ولم يسمح لي بقراءة شيء غير المصحف الكريم، وبما أنني في البيت أقوم بتنظيف الغرف كنت اسرق أحيانا بعض المجلات والجرائد والكتب، من غرف إخوتي، كونهم ذكورا مسموح لهم بقراءة ما يحلو لهم، لم اترك أي كتب لديهم، حتى المدرسية الخاصة بهم، ولكل المراحل الدراسية، في البداية كان همي القراءة فقط وليس التفكير فيما اقرأ، في يوم قال لي أخي( رحمه الله) في الحرب الايرانية العراقية، والذي يصغرني سنة، هل تحبين قراءة القصص؟، قلت له ولما لا احبها جداً،  فاحضر لي كم من القصص، تعجب حين أكملت قرائنها في فترة قصيرة جدا، واخذ يزودني بكثير من الكتب والمجلات، وأتذكر منها، مجلد ميكي ماوس، مجلد تاتان، ثم قصص شارلوك هولمز، اجاثا كرستي، مجلة المغامر، مجلة العربي الكويتية، مجلة حواء، مجلة الموعد، ثم روايات متنوعة، لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، ومجلة طبيبك، وغيرهم من الكتاب، وكنت اقراؤها وأتخيل كل حدث فيها، طبعا في السر بعيدا عن نظر والدتي، ، ومن ثم مجلة المزمار وألف باء، وكثير مما كان يصدر حينها، لا يشغلني شيء عن القراءة، ومهما كانت الظروف، ولم اتخرج من الاكاديميات، بل من قراءاتي المكقفة، حبي للمعرفة، ثقافتي وزادي من الحياة، والحياة لا غيرها، ولولا النت لما عرف احد رحاب حسين الصائغ.
” رحلة في قعر الشيء”  كيف سارت خطاها، وأي جغرافيا كتبت ذاتك فيها ؟
ج – في يوم كنت أتصفح  مجلة ألف باء، الصفحة الثقافية، قلت لنفسي حينها، لما لا اكتب أنا أيضا، وحينها فكرت كثيرا فيما سأكتب، فكرت اكتب عن أمي، إخوتي، البيت، والدي، ولكن ماذا اكتب؟؟؟، قلت لأكتب عن نفسي، ولم اقدر أن اكتب شيء لمدى من الزمن، بقيت لأيام أفكر ماذا اكتب؟، في رأس السنة الميلادية الكل يحتفل بهذه الليلة، ويتحدث عنها، والتلفاز منشغل بعروض عن هذه الليلة، وأيضا صادف ان احد أخوتي، حدثنا عن أصدقائه المسيحيين، وعن اشتياقهم لابنهم خارج العراق، وبعد العشاء، كل من في البيت ذهب لحاله، والدتي للنوم وإخوتي لغرفهم، وإنا أيضا لغرفتي، ما أن غلقت باب غرفتي، حتى راودتني فكرة الكتابة عن شجرة الميلاد، وكتبت عنها، ولكن بعد أيام مزقت ما كتبت، وهكذا بدأت كلما شعرت بضيق من شيء أو فرحت أو حزنت اكتب ما أحسه واحتفظ به، والقراءة همي الوحيد، وما يشغلني أن اعرف أكثر وأكثر من القراءة، إلى أن التقيت بزوجي باسم، وعلمت انه قد يساعدني في معرفة ما اكتب، وعرضت عليه بعض كتاباتي، وشاءت الظروف إن نتزوج، واحتواني بمعنى الكلمة، عاملني كطالبة علم، زاهدا في الحياة معي، لم يطلب مني أي شيء يتعلق بأمور البيت، أو كزوجة، بل كصديقة، كان رقيقا حنونا، عوضني ما فقدته من حنان عند أسرتي التي لم اعرف معها غير التهميش والإهمال، خاصة بعد مروري بتجربة قاسية أخرى، “الطلاق”، فكان الصمت حد الموت، يلف أطراف ساعات حياتي وأيامي المنكسرة،  لسنوات حليفي الكتابة وونيسي، أما زواجي من باسم، جعلني كملكة على عرش الحرف تسكن، وشعبها الكتب التي حفني بها من مكتبته الخاصة، كنت ليل نهار أقرأ بنهم شديد ولم اشبع، و قراءاتي ينظمها على شكل كورسات، ويناقشني فيما اقرأ، وكنت اكتب وأعرض عليه ما اكتبه كي يقوم بنشره لي عن طريق بعض معارف، فكان يقول لي : بعد بعد يا رحاب، حتى بت أظن انه فقط يشغلني، في يوم كتبت قصيدة وقلت هذه لن يعترض عليها، لكن جوابه كان نفسه، بكيت حينها وقررت أن احرق كل ما كتبت، وفعلا أحرقت كل ما كتبت، فقلت لا باس، كنت قد حرقت مرتين ما كتبت سابقاً، فقال لي: عندما لا أطاوعك على النشر هذا لا يعني انك لا تكتبين الشيء الجيد ولكن كتابتك تحمل الغث والسمين، وقليل من الصبر، سوف تكونين كالصائغ، لديك ما يميزك، وطلب مني أن نقوم بسفرة سياحية، واترك الكتابة والقراءة لمدة أسبوع في عام 1997 كتبت نصا وقدمته له بعد عودته من عمله، وقت الغداء، ما أن قرءه، حتى اخذ يقبلني ويرقص وخرج سريعا من البيت فرحا، في المساء قال لي، قرأه شاعر متخصص بالشعر، وهو أستاذ جامعي، وطلب مني نشره قائلا: – انه نص جيدا، فرحتي لم تسعني، وكان عنوان هذا النص ( رحلة في قعر الشيء) وبعدها توالت كتاباتي والنشر، وطبعت أول مجموعة شعرية، بعد ان حصلت على موافقه  وزارة الثقافة الشؤون الإعلامية  (قصائد لا تحرق) وهي أول مجموعة في ديواني ( رحلة في قعر الشيء)، والذي يحتوي على عشرة مجاميع شعرية.
“رجل لم يخلق بعد” ما هي ظروف ولادته  ؟
ج – الإنسان. دائما يبحث عن الكمال والخلود، وما عاصرته في حياتي، لم أجد رجلا كامل المواصفات، لذا بت أفكر في خلق رجل له مواصفات الكمال، في خيالي وعقلي وكل أحاسيسي، صادفني كثير من الأشخاص، لكنهم ليسوا رجالا بمعنى الكلمة، دائما تنقصهم همم لا تعدهم في مصاف الرجال، إذن لما يقال عن المرأة، ما لم يقل عن هؤلاء من يحتاجون  هم  للكمال، وأطلقوا ما أطلقوا على المرأة، فكان ديوان ( رجل لم يخلق بعد)  وطبعا كثير ممن يتوهم إني ابحث عن رجل، أو فاقدة للحب لرجل معين.
“عادت منحرفة” حصلت على جائزة إحسان عبدا لقدوس. هل لك أن تفتحي لنا قلب هذه الرواية و تعطينا نبذة عنها ؟
ج – عادت منحرفة اقصد بها الظروف التي عاشها العراق، من حرب وحصار وحرب وحرب، وكلها تعود منحرفة بقوة أكثر من ذي قبل، وما قامت به تلك الظروف من تغيير للوضع العام للمجتمع العراقي، عاش العراق فوق ما يتحمله البشر، أحيانا اقول:- العراقيين وصلوا مرحلة النبوة بالصبر، مما عانوا من قهر وجور وتسلط، وفيها أتحدث عن مرحلة من الخمسينات إلى ما بعد الاحتلال، وما وقع من ثقل على كاهل المرأة بالذات ومعاناة لم تكن بالحسبان أبدا.
رحاب الشاعرة.هل ترى أن الأدب العربي غير تيماته من الغزل و الرثاء و المدح و طور موضوعاته و صار مرايا تفضح تفاصيل الكيان العربي بكل شناعته و عقدة و رومانسياته أيضا ؟
ج – الأدب العربي يبقى محتفظ بكل تيماته من الغزل والرثاء والمدح، لكنه يمر ألان بعواصف لا يستطيع أن يتجاهلها، كون هناك أصابع تعبث بكل خزينه من الثقافة والتاريخ والقيم، والعبث بالجذر يحتاج ادوات قمع من الداخل، سببتها الحروب والحصار، التي خلقت الفاقة والبحث عن لقمة العيش، العبث بالأخلاق والقيم وما تحمل معانيها من السمو، وإرهاصات أدواتها مشروطة بتلك الأصابع، ما يغيظني هو نوع الاستلام الحاصل، والانقياد الفظيع، وعدم معالجة الإرباك، والمتورطين به، واجد المصالح الخاصة وعدم الصدق مع النفس هو سبب ما يحصل ويدور، ولابد من صوت يفضح كل العقد والشناعة وليس الرومانسية؛ بل التطفل الغبي، هو ما حول تفاصيل الكيان العربي الى نوع هش من الحضور المقيت، هناك من يحاول أن يبني، ولا صوت له.
ما رأيك  كناقدة في الإبداع النسائي العراقي ؟
ج – المرأة العراقية تحقق كثيرا من الوجود والثبات في فكرها ومسار مشوارها الأدبي والفكري، ويثمن ذلك اتحاد الأدباء والكتاب العراقي، والمرأة العراقية تعمل جاهدة بكل عصبها أن تبني جدارها، واجد الكثيرات الجديرات بما تقدمه من فكر وإبداع، أحييها عليه، وقد كتبت نقدا عن شاعرات عراقيات يستحقن كل التقدير والاهتمام.
ما هي القضايا التي تتفاعل معها الأديبات العراقيات ؟
ج – هموم شعبها، هموم مجتمعها، هموم المرأة ذاتها،
هل تعتقين أن المرأة المبدعة  قادرة على التحرر في المجتمع العربي الذكوري ؟
ج – لا.. وأقولها بقوة، وما المقصود بكلمة التحرر، في المجتمع العربي، كلمة تحرر تعني التسيب، ولا تقبل كلمة التحرر بمفهومها الصحيح، في المجتمع العربي، إذ كون المرأة تعيش في مجتمع لا يفهم معنى الأنوثة، أو الفكر الذي تحمله تلك الأنثى، يفهم فقط، أنها امرأة ولا شيء خارج هذه المفردة، ولابد أن تقبل قيده،  كونه قوام عليها، وكل السلطة في يده،  ولا قانون يحمي المرأة في المجتمع العربي، لا المثقفة أو غير المثقفة، في حالة واحدة فقط أن تعزل نفسها عنه، وتحصن نفسها منه ومن شهواته، وطبعا من المستحيل ان تنزوي المرأة المثقفة، وسلاحها الاتزان ورفض التسيب، وإلا تعتبر ساقطة، ولقمة سائغة في نظر الرجل، والذي هو أيضا يمثل النصف الأخر في المجتمع الرجل نفسه الى شيء من التحرر من قيود الشهوة وفهم معنى وجوده كرجل ليكون جدير بحمل راية القيادة.
هل ترين أنها مستلبة ؟ أم حققت ذاتها ؟
ج – نعم حققت ذاتها في بعض المجالات،  ولكنها مستلبة في حين تستسهل الطريق للوصل إلى مصاف أعلى من ما تريده من عيش رغيد ومكانة أفضل، عن طريق مغريات يقدمها الرجل، حينها تكون قد خسرت كل ما تملك من علم ومعرفة وقوة تتسلح بها،
رحاب الصائغ, أي التيمات تشد فكرها و تتلبس إبداعها؟
ج – الإنسان، ولماذا يضعف، ولماذا يتجبر، ولماذا يقسو، ولماذا يظلم، الكل مسافر، وكل ما في هذا الكون متحرك وزائل، وفي متغير مستمر، إلى ماذا يريد أن يصل، يقتل من اجل ماذا؟، يفكر بالانتقام لماذا؟،… لينظر الورود كيف تنمو، والشمس كيف تشرق، والطفل كيف يبتسم، والربيع كيف يأتي ويذهب، كل شيء في تداخل وتضاد، لماذا يسرف في التنكيل، ومن أين يأتيه الحقد هذا الإنسان،  يؤلمني جدا حين أجد ذلك الإنسان ضعيفا وغير قادر على إصلاح نفسه او موقفه، وأقول دائما: الحب تعويض للإنسان عن الموت، والموت لا ينصف احد.
رحاب المبدعة كيف تتفاعل مع محيطها الصغير و محيطها الكبير؟
ج –  محيطي الصغير بيتي وزوجي ومن حولي، اعمل على إسعادهم قدر ما استطعت، وبإخلاص مع نفسي قبل كل شيء، كي أكون سعيدة بما أقدم، أجيد الطبخ والخياطة والتطريز وأحب الاعتناء بالنباتات في حديقتي الصغيرة، أحب السفر، وأمنيتي أن زور كل الدول العربية، ومحيطي الكبير قلمي، وارواقي، وحروفي، وكلماتي، هم همي الكبير، كوني لم أكمل دراستي، ولم احصل على شهادات تؤهلني للعمل في جانب من جوانب الحياة، فأصبح اشتغالي في الكتابة، اعبر من خلالها عن  حزني وسعادتي وفرحي وبكائي وصراخي ، أدون بلغتي العربية أفكاري التي استمديتها من قراءاتي وملاحظاتي وتأملاتي لما عشته وما أعيشه من مواقف وتجارب ومعاناة، لا اعرف طعما ليوم يمر بدون أن اقرأ أو اكتب، لم أضع قلمي تحت أي سلطة أو نفوذ او جهة معينة، حرة بقلمي وكتاباتي  وأفكاري، ولولا ألنت، لما عرفني غير المقربين جدا.
هل تمارسين السياسة ؟
ج – لا .
هل المثقف العربي مؤثر في مجتمعه ؟
ج – المثقف العربي، لا يؤثر إلا في نفسه، المثقف العربي، تحكمه أشياء، وتلك الأشياء، إن خلت من المصلحة، تكون مؤثرة، لأنها حين تكون الثقافة مسيَّسة، تخرج عن حدود المطلوب منها، ومجتمعنا اغلبه من الأميين، والبقية الباقية منه تبحث عن نفسها، ولا تجد لها من شافع.
ما رأيك في الربيع العربي؟
ج –  أتمنى لكل الشعوب العربية تحقيق ما تهدف إليه.
اليك بعض الكلمات ’ ما تعني لك :
الحرف- ما أتنفسه في يومي.
الفوضى – مجمل حياتنا فوضى.
الدموع – حزن كبير.
شمعة – تسعفي بفكرة.
صلوات – تقدم في أضرحة الأولياء.
أصابع – تفعل الكثير.
كلمة أخيرة؟
شكرا سيدتي: الموقرة
لك كل الامتنان والحب، تشرفت بهذا الحوار  الجميل وكذا الشكر موصول لجريدة ” اليوم بريس” ،وافتخر بمعرفتي بك،  أتمنى ان أكون وفقت في الإجابة ، دمت سالمة وتحية  وإجلال لشخصك الكريم.
-‘-‘-‘-‘-‘-‘-‘-
اجرت الحوار عزيزة رحموني/ اليوم بريس

عن اليوم برس

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد