حوار مع المبدعة فاطمة بن محمود

فاطمة بن محمود أديبة تونسية بماء الياسمين تسقي حرفها حين تزرعه في نصوص نثرية او شعرية او سردية..لإبداعها نكهة خاصة كما فلاشات التصوير الفوتوغرافي الذي تعشقه و لكتابتها الادبية طعم فلسفي
•    يحتفي بالإنسان و الحياة. لنتابع الحوار التالي :
**فاطمة بن محمود هل تفتح شرفاتِ قلبها لنا لنتعرف عليها عن كثب ؟

*شرفات القلب قد تخون فلا تعكس الصورة كما هي ..
القلب لا يستطيع ان يكون محايدا و بالتالي لن يضمن الموضوعية ، انحيازه ناحية المحبة أو الكره تجعله يخطئ و يفشل في اختبار تقديم صاحبه .
ثم لا اجد من اللائق ان يعرّف الكاتب نفسه بغير نصوصه . وحدها النصوص حمّالة لصاحبها و لأوجاعه و احلامه و هي التي تنبئ به و تفشي كل اسراره و يعرّي قاع اللاوعي الذي ينحدر منه .
أعتقد ان النصوص هي الطريق الملكي للذات و من ثمة للعالم .
ألم تكن النصوص الادبية هي التي تدلنا بشكل او بآخر عن المجتمعات القديمة و تساعدنا على قراءة التاريخ .
و اذا كان سقراط يهتف بمن لا يعرفه ” تكلم حتى اراك ” فاني اعتقد الان انه يمكن ان نقول لمن نريد ان نتعرّف عليه ” هات نصوصك حتى نراك “.
**-لك في الشعر 3 مجموعات شعرية، ما رسالتك في الكتابة و لمن تكتبين ؟
*أن تكون لي رسالة في الكتابة يعني ان تكون لي خطة عمل اريد من خلالها تبليغ فكرة و تحقيق اهداف و بالتالي ان احقق النجاعة بإيجاد جمهور استهدفه لإنجاح هذه الرسالة ..
سيبدو الامر وجيها لو كنت مثلا سياسية لي رسالة معيّنه و اهدف الى تحقيق النجاعة .. أنا اخترت الكتابة و لعلها هي التي اختارتني لسبب لا ادريه و الكتابة بالنسبة لي لا تحتكم الى رسالة و لا تتجه الى جمهور بعينه .. الكتابة عندي هي اقتفاء أثر الحياة و احياء القيم الجمالية و انتصار للبهاء
و الكتابة هي فعل حر لا يحتكم الى قوانين صارمة و لا تتجه الى جمهور بعينه انها فعل يحاول ان يحرر الروح من تكلّسها و ان يجعل الحياة جديرة بالانسان و الانسان جديرا بها .
**” –رغبة أخرى لا .. تعنيني” اول دواوينك على ما اعتقد، هل كان الاشتغال على العنوان بوعي ؟
*
العنوان عتبة مهمة جدا للكتاب الأدبي و هناك شروط في اقتراح العنوان يحددها اندريه جيد في قدرة على لفت انتباه القارئ و استفزازه و لا يكون هذا ممكنا الا اذا كان العنوان غير مجترّ و يحمل دلالة و يشير الى صاحبه و يحفّز القارئ .. و لذلك انا اختار عناوين كتبي بدقة و انت تلاحظين ربما ان في عناوين مجموعاتي الشعرية الى حد الان ( رغبة اخرى لا تعنيني / ما لم يقله القصيد / الوردة التي لا اسميها ..) انما اشتغل على النفي و ذلك لاني اعتقد ان العملية الابداعية في عمقها هي عملية نفي و اقصاء للسائد و المألوف و ربما لذلك ليس جزافا ان يكون الابداع مشتق لغة من البدعة و التبدعة هي الخروج عن المألوف و ذلك هو جوهر العملية الابداعية ..
و غير هذا أنا أعتبر ان العملية الابداعية تقتضي حضور كلي للوعي فلا يوجد ما هو عفوي في الكتابة سوى البارقة الاولى للقصيد و التي نعود للاشتغال عليها بوعي جمالي لننحت منها صورة تليق بالقصيدة و تستجيب لذائقة المتلقي .
**- نحن يعنينا ما تكتبين و نرغب في ملامسة جمال قلبك فيما تكتبين، لكن نود معرفة ما الذي يزعجك في الكتابة و هل لديك خطوط حمراء او مقص رقيب داخلك حين تكتبين ؟
*الكتابة لا تزعجني بل هي التي تصنع لي الانسجام و تعيد اليّ تماسكي .. الكتابة عندي هي ان أقتفي أثر الحياة و أن أنتبه الى كل ماهو جمالي في الانسان و في الكون ، الكتابة هي ان انتصر للقيم الانسانية الراقية ..
لكل ذلك الكتابة هي الرئة التي اتنفس من خلالها .
و الكتابة لا تكون ممكنة الا اذا كانت حرة لا تلتزم بضوابط مسبقة و لا تحتمل عين الرقيب الخارجي و لا سلطة الكاتب الذي يسقطها احيانا على نصه .. انها سباحة حرة في مياه اللغة ..
** و “ما لم يقله.. القصيد” هل تحكيه لنا فاطمة هنا مع ابتسامة ؟
*عندما اكتب النص القصصي او الشعري فانه لم يعد ملكي و اذا ظهرت المجموعة الشعرية للسوق فهي ايضا ليست ملكي و لذلك من حق المتلقي فقط بما هو قارئ او ناقد ان يتحدث عنها ..
ما اريده انا قلت بعضه في قصائد الديوان و يهمني جدا ما يقوله المتلقي ..
وصلتني اصداء رائعة عن هذا الديوان من خلال مجموعة من المقاربات النقدية و اعتقد ان هذا رائع و يدفعني للإجادة ..
**”امرأة في زمن الثورة “كتاب في السيرة الذاتية كتَبْتِه بصيغة روائية ، هل سرقك السرد من النظم و هل تضمَّنَ الكتاب ُ فلسفتك في الحياة ؟ هل كنت تبحثين عنك فيكِ ؟
*”امرأة في زمن الثورة ” كتاب مهم بالنسبة لمسيرتي الادبية لأنه اول كتاب سردي يخطفني من القصيدة و يزجّ في تجربة ابداعية جديدة.. صدقا وجدت في الكتابة السردية متعة و ربما مجالا ارحب في التعبير بحرية اكثر و لعل ما حققه هذا الكتاب من نجاح في تونس و خارجها من طرف النقاد و القراء يجعلني ان اواصل في الكتابة السردية و احاول ان اتحدى نفسي بالإجادة اكثر .. و كتاب ” امرأة في زمن الثورة ” لم يتضمن فلسفة بالمعنى الكلاسيكي و إن كان فيه الكثير من الاسئلة و من الحيرة و من الصدمة و كنت بحق ابحث عن معاني في الحياة و كنت فيه في حالة تشظي و ألم و حزن و أمل و بهجة و عنف و يأس ..
**ما الفلسفة في عُرف فاطمة؟
*الفلسفة في شكلها الاولي هي اللحظة الاولى التي يكتشف فيها السؤال و يعكس وعي الانسان بذلك السؤال و لكن أعتقد ان افضل مقاربة للفلسفة بالنسبة لي هي انها بحث عن القيمة في الانسان و الحياة و الوجود و الطبيعة .. و بهذا المعنى تصبح مرادفة للوجود الانساني بل و تعبّر عن مستوى الوعي الاجتماعي و درجة التحظر فليست كل بلاد مؤهلة لاحتضان الفلسفة .
**قالت فاطمة ذاتَ حوار :
(للإبداع عموما شروط “بورجوازية ” للتشكل) كيف ذلك
؟
*نعم أعتقد ان حياة البؤس و الشقاء يمكن ان تجعل الكثير من الافكار الابداعية و القصائد تصهر في أتون الحياة اليومية و تحرق في فرن الحياة اليومية و مشاغلها المتشعبة و فواتيرها المضنية و لذلك يجب ان يتوفر للكاتب الحد الأدنى من الحياة الكريمة التي تضمن له مساحة خاصة للإبداع و الكتابة و التأمل و التجريب .. و لكن هذا لا يعني ان الكاتب يقصي نفسه من هموم المجتمع و تناقضات الواقع و لكن يعيش كل ذلك ذهنيا و جدانيا و دون ان يعاني شظف العيش لان الفقر و الحاجة تجفف سماء منابع الكتابة و ان حدث في تاريخ الابداع غير هذا فهي استثناءات عبقرية . ثم يجب مع الحياة الكريمة ان تتوفر مساحة من الحرية ليبدع و لعل شرط الحرية اهم ربما لان الكاتب يستطيع ان يبدع اكثر و يفجر موهبته بشكل افضل في حالة الحرية .
**فاطمة لوْ لمْ تكُنْ شاعرة أي مجال إبداعي آخر كان سيأخذها ؟
*في الحقيقة انا احاول ان اعيش في حياتي وفق ما احب و لذلك كتبت القصيدة و القصة القصيرة جدا و السرد و النقد و كنت مولعة بالسينما و اهتم بالتصوير الفوتوغرافي .. و هكذا انا انفتح على العديد من الحقول الابداعية و استغل فرصة وجودي على قيد الحياة حتى استمتع بما أحبّ ..
**لماذا سُمّيت نصوصك بالبرقية ؟
*سميت نصوصي بالبرقية و ايضا بالومضة و ذلك لاني اعتمد على الاقتصاد في اللغة لأقول الفكرة و أشتغل في ذلك على صورة فنية .. و اعتقد ان هذا يتنزل في اطار اهتمام النقاد بما اكتب و هذا مهم جدا بالنسبة لي و يجعلني لا استسهل النص و يضنيني كثيرا حتى يكتمل .
**قريبا منك بعيدا عن الإبداع، هل تؤمنين بالحب ؟ بالجسد ؟ بالعشق ؟
*طبعا أومن بالحب و أحتفي بالجسد و أعترف بالعشق و كل هذا ليس بعيدا عن الابداع بل هو جزء منه بل لعله من شروط الابداع ان نكون في حالة حب لان الحب يشحننا بالأفكار و الانفعالات و يدرّبنا على الالم و نحن لا نستطيع ان نعيش تجربة الحب و نكتبها اذا اقصينا الجسد لأنه واسطة بين الانسان و ذاته كما هو واسطة بين الانسان و العالم و قد راقني انك اشرت على الجسد و ليس الجسم لان هناك اختلاف كبير بينهما . و العشق حالة من حالات الحب التي يعشها الجسد و توفر له التطهر الكارثسيسي و يحقق نوعا من السمو الروحي و نقاء النفس يمكن التعبير عنها في اشكال ابداعية ستكون في منتهى الشفافية و التجلي.
**كلمة اخيرة ؟

* كنت سعيدة بالتواصل معك و يهمني جدا هذا التنافذ الانساني و الابداعي ..
“”””””””””””””””””””””
اجرت الحوار عزيزة رحموني /المغرب

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد