الرجل الشرقي والحب “المطلوب”

latifa_aldlimy

سوسان جرجس

خاص بمعارج الفكر / ملف الادب النسوي

الحب- كما الكره- غريزة نفسية يحتاج كلّ من الجنسين الى إشباعها والتعبير عنها، ولكن أليست المبادرة إلى الحب/ العشق جسديًا أو لغويًا متباينة على أساس جندري؟ أليس من المفترض بالمرأة كما الرجل تأطير الذات ضمن صورٍ نمطية/ مرايا تعكس ملامح هويات جنسية يُراد تأبيدها؟ أليست المبادرة سمة ذكورية في المجتمعات الشرقية التقليدية؟ كيف يسعى الرجل الشرقي إذًا إلى الحب؟ وأيّ امرأة تلك التي يحبها؟
تحرص التنشئة الاجتماعية على ترسيخ منظومة قيمية جندرية تصون النظام السلطويّ القائم. ويتربع “الحياء” والخجل وانعدام المبادرة على عرش القيم التي يسعى النظام البطريركي لفرض سيطرتها في حياة المرأة.
بناء عليه ونتيجة لعوامل ثقافية أكثر منها نفسية تبدو طبيعة العلاقة بين الجنسين، خاصة حين السعي الى عقد علاقات غرامية، أشبه بعلاقة الصياد والفريسة. فالرجل يرغب تأكيد هويته الفحولية الاقتحامية من خلال البحث عن صيد ثمين يلقي فوقه شباكه، في حين أنّ المرأة الشرقية التقليدية، والتي تسعى الى تأكيد هوية أنثوية نمطية، تحرص على أن تلعب دور الفريسة التي لا يمكنها سوى الاستسلام للرجل أو الهرب منه، لتتحول الفتاة “الجريئة” “المتحررة” في هذه الحال الى مصدر للخوف والقلق.
يوهم الرجل الشرقي نفسه بأنّ المرأة “المتمنّعة” تضفي على الحب إحساساً باللذة والمتعة من جرّاء الشقاء الذي يكابده الرجل في سبيل الوصول إليها، إلا أنّ هذه اللذة هي مجرد وهمِ يخفي خلفه شعورًا بالراحة والإطمئنان تجاه سلوك المرأة الجنسي. إنّها بالنسبة له جسد يسعى إلى تملّكه دون تفريط بمبدأ الأسبقية التي من شأنها أن تعظّم هويته الفحولية الموهومة.
تحكم الرجل الشرقي في النظر الى المرأة “المتحررة” و”المتمنّعة” ثنائية إيديولوجية: واحدة متقدّمة ومكتسبة وأخرى متوارثة وسلفية؛ وبديهي أنّ الثانية أرسخ جذورًا من الأولى وأبعد غورًا في النفس واللاشعور فرديًا وجمعيًا، وهي تتربّص كل فرصة سانحة لتظهر وتعلن عن نفسها.
يقول جورج طرابيشي في كتابه شرق غرب/ رجولة أنوثة أنّ المرأة المتحررة في المجتمعات البطريركية مرفوضة وهي تصدم عقلية الرجل العربي المحافظ على شرف الفتاة وعذريتها.
لهذا نرى أن المرأة الشرقية في علاقات الحب لا تعيش العلاقة بأوج مشاعرها، إنّما يسيطر عليها الخوف والقلق إزاء كل فعل تقوم به ولسان حالها يكرر مقولة أمّها وجدتِها “الرجل لا يحب البنت الخفيفة” “إذا سلّمت جسدك لرجل سيتخلى عنك- وهذا حقه- فما أدراه أنّك لم تفعلي ذلك مع غيره” وقِس على ذلك من تعابير تقرع كطبول الحرب في رأسها. هي ترغبه وتريده كما يرغبها ويريدها ولكنّها تخشى أن يتخلى عنها ويهجرها… ثمّ أليس ما تسعى له المرأة من علاقة الحب هو الزواج؟ أليس الزواج هو الحلم الذي راودها حتى قبل أن تصل الى مرحلة البلوغ؟ فهل تفرّط بالحلم الأبديّ المقدس من أجل متعة عابرة وعلاقة “موهومة” اسمها الحب؟ ألا يسمّ الكثيرون الحب المتوّج بالمتعة والتقارب الجسدي ب”الحيوانية”؟؟
في عصرنا الحالي تتفاقم مشكلة الازدواجية في علاقات الحب… ففي ظل تنامي حركة التعليم التي طالت الجنسين، وفي ظلّ سيرورات العولمة التقنية التي بدأت تغيّر وإن ببطء شديد في الصورة النمطية لكلا الجنسين في علاقات الحب، يحاول بعض الرجال إدّعاء التقدّمية والتحضّر، بحيث يكون شعارهم المساواة بين الجنسين، وبأنّ قيمة الشرف أرقى من أن ترتهن بما بين أفخاذ النساء… ولكن في لحظة ما يستبطن هذا الرجل- ومثله المرأة – كامل الهابيتوس الجسدي والفكري الذي شكّل شخصيته وتصبح التقدّمية المزعومة مقيّدة بخطوط حمراء: إنّها المرأة، لا بل جسد المرأة، لا بل غشاء البكارة لدى المرأة. إنّ الرجل قد عاش قصة “حب” سيسميها لاحقًا نزوة عابرة أو طيش شباب أو ربما “جهلة الأربعين” نتيجة للكبت المجتمعي الذي فرض عليه. واأسفاه على هذا “المسكين”!! يفترض بنا أن نشفق على حاله وأن نبرّر له تلاعبه بعواطف النساء!!
النزوة الآن قد انتهت وقد بات يريد امرأة “طاهرة” تتمنّع وتتمنّع لتؤكّد له أن لم يمسسها رجلٌ قبله، إنّه يريد امرأة تشبه صورة مثالية رسمها لأمّه، تلك التي لا تشبه “المتحررات العواهر”.
فإن وجد الرجل امرأة صادقة في تحشّمها ومحافظتها أكمل مسيرة أجداده على خير وبركة، وإن وجدها صادقة في تحرّرها وحبها له هجرها خوفًا منها، وإن تصنّعت الحشمة والحياء صرنا نعيش علاقة حب مشوّهة مغيّبة من أركانها الأساسية: المصارحة، المكاشفة، المشاركة والتماهي العاطفي والجسدي.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *