وجوه

latifa_aldlimy

ريتا الحكيم

……………………………………………..
خاص بمعارج الفكر / الادب النسوي
………………………………………………

 

الانتظارُ أمرٌ مقيتٌ جداً، يستنفذُ الصبرَ والحلمَ فينا؛ فنغدو مشروعَ قنبلةٍ موقوتةٍ جاهزةٍ لانفجارٍ سيحدثُ في مكانٍ ما من العالم.
سانقلُ لكم ما حدثَ معي عندما كنتُ إحدى هذه القنابلِ
المكان: عيادةٌ عينيةٌ
الزمان: قبل وبعد
قبعتُ في مكاني، في انتظارِ أن يحينَ دوري للدخولِ إلى غرفةِ الطبيبِ. جسمي النحيلُ محشورٌ في زاويةِ الغرفة على كرسي آيلٍ للسقوطِ في أي لحظةٍ، ولولا نحافتي لما بقيتْ أجزاؤهُ متماسكةً إلى حينِ نهوضي عنه.
في الجهةِ المقابلةِ، رجلٌ ثمانيني يتكئُ على ذراعِ صبيةٍ بضةٍ، تتراقصُ الحياةُ في عينيها جذلةً، رغمَ لمحة الحزن التي لم تستطع إخفاءها، خاصةً وأنني أراقبُ حركاتها منذُ لحظةِ دخولها. أسئلةٌ كثيرةٌ تدورُ في رأسي وأنا أنظرُ إليها بين الفينةِ والأخرى. هل هي ابنته، أم زوجته؟! كل الاحتمالات الممكنة تنخرُ رأسي بإزميلِ الفضولِ الذي جعلني أتململُ في مكاني. ربما تكون زوجته؛ فهو كما يبدو فاحشَ الثراءِ، والبلادُ تعيشُ ظروفاً غير عاديةٍ، نزوحٌ ولجوءٌ من مدنٍ أخرى بسبب الحربِ التي لم تبقِ على شيء في المناطق الساخنة، وهذا سببٌ وجيهٌ بالنسبةِ لها لتقبلَ به زوجاً رغم فارقِ السنِ.
على يميني، سيدتان تتحادثانِ عن الطبخ، إحداهما استفاضت في شرح كيفية تحضير المحاشي، وأنا منذ وفاة أمي لم أذقه. بدأتُ أتخيلُه وأنا أقضمُ أظافري بحركةٍ عصبيةٍ كلفتني جرحاً عميقاً في إحداها.
على يساري مراهقتان، تهمسان لبعضهما وتبتسمان بفرحٍ. لا بد أنهما عاشقتان؛ فقد رأيتُ أجنحتهما ترفرفان وترفعهما عن الأرض.
ما إن دخلت تلك السيدةُ التي تتكئُ على عكاز، حتى أصابتني رجفةٌ في جسدي وتصببَ العرقُ مني تاركاً بقعاً على ملابسي.
العكاز هو السبب، أمي كانت تتكئُ عليه… يا إلهي ماذا يحدث لي؟! كيف لأمر كهذا أن يحولَني إلى طفلٍ صغيرٍ غارقٍ في مفرزاته؟! تجرأتُ بعد ترددٍ أن أنظرَ إليها، ويا لصدمتي كانت أمي بشحِمها ولحمِها.
زادَ ارتباكي وتوقفَ تفكيري تماماً، هل أعانقها وأقبل يديها؟! ربما ليست هي، من المؤكد أنها تشبهها؛ فأمي توفيت منذ سنوات.
تجردتُ من جُبني وارتميتُ عند قدميها. حتى لو لم تكن هي، ألا يكفيني أنني رأيتها في هذه السيدة الغريبة عني؟!
أحسستُ بيد تربتُ على كتفي وتدعوني للوقوف، ما استطعتُ إلى ذلك سبيلا. صوتٌ كالرعدِ جعلني أنتفضُ عندما سمعتُ تلك الممرضة الخرقاء ترددُ إسمي . فركتُ عيني جيدا، لم أجد أحداٌ…المكانُ خالٍ تماماً وأنا…بعينٍ واحدةٍ، أرتجفُ على قارعةِ الطريقِ وسطَ الدمار.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *