عدالة الموت .

ابتهال خياط

عدالة الموت .

أَلمٌ ثقيلٌ في رأسي وكأنني نمتُ على صخرةٍ .. آآي ما هذا ؟ بما أرتطمت؟!! ما هذا الظلام؟
عجباً لا يمكن أن أكون قد مت ، نعم اني أنام في كفن ، لكن كيف أكون ميتة و أتكلم و أشعر هكذا ؟! ربما استعدت روحي ، و إن كنتُ استعدتها فكيف أتنفس و التراب يلفني، على كل حال هكذا أفضل ، لقد عبرتُ بنجاح الخوف من الموت ، يبدو أنها ميتة مفاجئة ، عثرة أو عيار ناري تائه أو غير تائه فأنا سليطة اللسان والكل يكرهني ، غفر الله لقاتلي و لا عثر عليه أحد .كم أشعر بالراحة والسلام. لأُمزق الكفن فقد ربطوه بقوة ، ربما علموا أنني سأعود للحياة فأرادوا تقييدي أكثر ، لكن إن مزقته كيف يمكن أن أبقى عارية ، لا لن أتحمل سأبحث عن مخرج ما لوجهي و ذراعيّ ، سمعتُ أنَّ القبر ضيق لكن قبري هذا فيه فسحة ! ربما رضيّ الله عني ، سأتبين الأمر ، لا لا لم يرضَ بل توجد انهيارات في الأرض ، يبدو أنه المطر . كله من الله ، و المهم المكان واسع .
لكن من هذا الراقد بقربي؟
هيييي من أنت ؟
هل لك أن ترد علي؟
فإن كنت رجلا فتلك مشكلة مزعجة جدا ، ميت بكفن رديء ممزق و لاحراك . مددت يدي أهزه بغضب فكان لينا جدا ، ربما قد مات قبل أسبوع أو أكثر ، إنه يتحلل .
جاءني الصوت : يالهذا البلد حتى عندما نموت لا ننام براحة . مَن هنا ؟ من أنتِ ؟ لقد تم حسابي وتصنيفي منذ وقت و أريد النوم.
قلت: انني جارتك ، وكان يجب أن لايدفنوني قرب رجل ، إنها مسألة شرف.
قال : إنني ميت قبلك و أنتِ مَن صرتِ بقربي و ليست عندي حاجة لشيء الا للنوم ولايهمني إن بقيتِ أو رحلتِ إلى مكان اخر .
لكن كيف أندمج المكان بنا ؟!

قلت: أظنه المطر الغزير قد أَثرَّ بالأرض فجرفنا معا . أخبرني كم عمرك؟
قال: لماذا ؟
قلت: تعارف.
قال: ٢٦عام و اسمي عدنان ومتزوج وعندي طفل واحد وأعمل حارسا في مدرسة.
قلت: كل كلامك أخطاء وجدانية.
قال متعجبا : كيف؟
قلت: أنت هنا الآن يعني لازوجة ولا طفل ولا دكان ولامدارس و معك فقط ٢٦ عام توقفت بأيام زيادة أو نقصان.

قال: يالكِ من كريهة لئيمة لتذكريني بموتي وفراقي أهلي؟ أذهبي عني بعيدا .
قلت: لا تنزعج مني أرجوك .. إني واقعية دائما و فعلا أنا مكروهة لكنني لست لئيمة وربما قتلوني لهذه الصفة. أسمع يا عدنان بمميزات أٌعطيت لي أنت تتكلم الآن ، ألم تسمع هناك فوق قبل الموت أن القبر وحشة وغربة ووحدة ، ها نحن نتحدث ، شيء جميل فعلا لقد أعطيتك طاقة للحوار أعني شيئا يشبه الحياة .
قال: أُفضلُ الغربة والصمت والنوم عنك وعن طاقتكِ وحديثكِ أغربي عني .. هيا ابحثي عن غيري ولينال بركاتك ويقضي القرون في الحديث معك.
قلت: القدر اختارنا لنكون معا هنا ، كلاً منا بحاجة الآخر في وحدته ، نتكلم ونتكلم ولاشيء آخر .
قال: وهل يبقى القدر معنا هنا أيضا، لا أريد صحبة ياعزيزتي أرجوك دعيني.
قلت: كما تحب في الصباح سأرحل .
قال: هل تهزأين مني ، و هل يوجد صباح هنا ؟ يبدو أن أمي و زوجتي قد تشاجرتا وكلتاهما تدعوان عليّ .
قلت: صحيح لقد نسيت ، فلا وقت هنا لكن أين سأذهب؟
قال : وما أدراني .
ساد الصمت ، شعرت بأنني مازلت كريهة مملة و مازال الله يعاقبني فحتى الموتى يرفضون وجودي بقربهم ، حتى الموتى المتحللون يتحملون الدود و لا يتحملونني . ياربي أني تائبة لن أتكلم و سأصمت فهل سأنال نصيبا من الراحة ؟ ربما يقبلني عدنان بقربه هنا فكيف يمكنني أن أجد قبرا آخر ؟
حل الصمت والسكون المخيف، كان الدمع ينزل كحبات تراب تحرق مقلتي ووجهي ، استسلمت للسكوت ، شعرت بلساني يخدر ويثقل ثم لاشيء .. لقد قبلني الله ، سأموت الآن بالكامل كما يقولون صوتا وصورة . لأخبر عدنان أظنه سيفرح
حاولت الكلام فلم أستطع .. ابتسمت لنفسي والتحفت كفني ونمت.
…..
بقلم
ابتهال خلف الخياط
اخترت لوحة جميلة جداا عن الموت لاتطابق القصة لان القصة خاصة بي دون لوحة وهي من مجموعة أسفار الصمت نهاية 2016…

اوفيليا هي خطيبة هاملت التي لم يكن لها وجود أمام الأحداث العاصفة في حياته حتى موته..انها الحبيبة المنسية ، الحب الذي لم يؤثر أو يغير من الحدث رغم حبهما لبعض.

#لوحة “أوفيليا” من رسم جون إيفريت ميليس 1829- 1896 (غيتي)

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد