سيف ورصاصة

latifa_aldlimy
 
سيف ورصاصة
تأليف : بن لوري ( * )
ترجمة : عبد الصاحب محمد البطيحي
 
تقولُ زوجةُ الرجلِ : وردَ طردُ بريدٍ هذا اليوم. يبدو انه واردٌ من عمك .
يمسكُ الطردَ ، يفتحه .
هنا سيفٌ في الداخل .
يقرأ ما في الطرد : كان جدك الأسبق ، يحارب بهذا السيف ، خلتُ انك ترغبُ في اقتنائه .
يقول : ” أمرٌ جميلٌ منك يا عمي ”
” أجل ” تقول زوجته ثم تعود الى المطبخ . تضيف : سيفٌ ! هو بالضـبط ما نحتـاج الـــــيه .
 
*
 
يرفعُ السيفَ ، يجيلُ ببصره حول الغرفةِ ،
يقول : ” حبيبتي ، أيمكن أن نعلقه على الجدارِ ؟ ”
تقول زوجته : أتمزح ؟
سيطيح برأسِك إن سقط على الأرض!
يفكرُ قليلاً ثم يقترحُ : ماذا لو احتفظنا به في الطابق السفلي؟
تقول : آه ، اقتراحٌ رائعٌ .
 
 
*
وبهذا ينزلُ الى الطابقِ السفلي ، يشعلُ الضوءَ ، يجدُ مكاناً ملائماً ، يحصلُ على مطرقةٍ ، وبعض المسامير.
حبيبتي ! ينادي وهو يرفع السيفَ ، عليك حقاً أن تهبطي وترين هذا!
تناديه : أنا واثقة بأنه رائع .
يتطاولُ بجسده ، ويضعه في الموضعِ الملائمِ .
 
*
لا أحداث في ما تبقى من المساء ، بيد ان الرجل يراوده حلمٌ في تلك الليلة ،
يرى سلفه الأسبق ، يمتطي حصاناً أبيض، يخوضُ معركةً حاميةً ،
يشدُّ على السيف عالياً ، يشيرُ به الى الطريق أمامه .
 
*
وهكذا ، عند الصباح وبعد تناول الفطورِ ، يفتحُ البابَ ، يهبطُ الى الطابق السفلي ، يمكثُ محدقاً بالسيف معلقاً على الجدار ، وببطءٍ يتطاول ، يأخذه . يتأمل ثقلَ النصلِ ، يدفع به أماماً ، يبتسم إذ يجول في خاطره : انه صالحٌ .
وبأفضل ما يستطيع يمارسُ الطعنَ وكيف يمكن أن يتجنبه .
أخيراً يقول :
ربما يقتضي الأمرُ مني أن اتلقى دروساً في المبارزةِ .
 
*
وعلى هذا يلتحقُ بدرسه الأول في الاقتتال بالسيف، ليس من اجل التمرين على المبارزة ،إنما هو درسٌ في اقتتالٍ حقيقي .
تُعقد الدروسُ في الطابق السفلي من منزل المدرب الذي هو في غاية الصرامة ، والذي يصرخ بوجه التلاميذ :
” تنقصكم الموهبةً .” .
بعد ذلك يتوقف ، ولبرهةٍ يشاهد الرجلَ ، فيخاطبه
” حسنٌ ! أنت يا هذا ، ربما ستنال حظاً من المقدرة .”
*
يتدرب على استعمال السيف ، يبذل قصارى جهده ، بعدئذٍ يتقنُ أمرَه .
يغدو ماهراً جداً ، يُزُّجُ في مباراةٍ ، ينال السبقَ ، وها هو الآن ليس له ندٌّ في القتالِ .
في مشهد الجمهور ، يجلس اثنان يشاهدان بدهشة.
يقول الأول عن الرجل : إنه لم يمارس التدريب إلا مذ بضعةِ شهورٍ، كيف بزغ بهذه السرعة ! شيء ، لحدٍّ ما ، لا يُصَدّقُ .
يقول الآخر : ربما هو لم يكن كذلك .
” ماذا تقصد؟” يسأل الأولُ .
يقول الثاني : يمكن ان للأمر تعليلاً آخر .أعني ان من الممكن ان الرجلَ استنساخٌ للسياف، الجد الأسبق .
يسأل الأول : استنساخٌ؟ أتعتقد بتلك المقولة ؟
مرة اخرى ينظران الى الرجل حيث يقف على المنصة ،رافعاً يديه بإكليلِ النصرِ ، مسترقاً السمعَ الى حديثهما بالكاملِ .
 
*
أمن الممكن انني سلفي الأسبق ؟
هكذا يفكر وهو مستلقٍ على السرير في تلك الليلة.
أمن الممكن أن أكون هو ذاته ، مُستَنسَخاً في هذا الجسد ؟
مُستَنسَخاً في كياني – وفي ذاكرتي ؟
*
في تلك الليلة يحلم مرةً اخرى ،
يرى سلفه الأسبق أمامه
وهو لايزال في ساحة المعركة ،
يزعق مرةً بصرخة الحرب ،
مرةً اخرى يخرق ما حوله ، يطعن ، يقدُّ بضربة من سيفه .
*
في اليوم التالي يهاتف عمه ، يقول : ماذا عن سلفي الأسبق ؟
يقول عمه :حسن ، ما الذي تريد ان تعرفه ؟
يقول : كل شيء وبالتفصيل .
*
يقول عمه : حسنٌ ، من الواضح انه جَسورٌ، سريعُ الحركة ، لكنه ، في كل الأحوال ، رجلٌ رهيبٌ . كان سكيراً ،متسكعاً، خائباً في مجال العمل ، تخلى عن اربعِ زوجاتٍ وعشرةِ اطفالٍ .
يقول : حسنٌ. ما الذي حدث له ؟ أعني ماذا حلَّ به في النهاية ؟
يقول عمه : في النهاية ؟ مات بأسوأ حالٍ . لكنه كان سيافاً فائق المهارة – إن كان يُحسَب له شيء.
*
يَعلَقُ الرجل في قبضة رعبٍ مهلكٍ . يحلُّ هنا وهناك للتخلص من المبارزة بالسيف ،يعتزم ان يحسن ادائه ليكون رجلاً لائقاً يعمل كلَّ شيء من اجل زوجته وأطفاله.
وهكذا يعمل ، يحصل على عملٍ أفضل ، يشرع بالذهاب الى الكنيسة ، يمارس العمل في الدوري كمدربٍ صغيرٍ ، يُمنَحُ مكافأةً ، لثلاث مرات يحصل على ترقيةٍ ، يشتري سيارةً جديدة ً ومنزلاً أوسعَ . في العام القادم تذهب العائلة الى أكابولكو ( ) .
*
وعلى صفحة الجريدة يحصل على صورةٍ يصافح العمدةَ فيها، كما يعلّم جميع عائلته لعبةَ الغولف .
*
مستلقياً على السرير ليلاُ يقول لزوجته :
أليست الحياة بهية الى حد كبير؟
” هي بالتأكيد كذلك ” تقول زوجته وتضيف
” وكل شيء يبدو رائعاً جداً “.
*
لكن ما زالت الأحلام ، ذاتها، تراوده كل ليلة –
الأحلام عن جده العظيم الأسبق وهو يطعن الناس في ساحة المعركة .
وبمرور الوقت تتجلى احلامه، لا تغادره كما كان يأمل حتى صار يخشى الركون الى النوم ، يزداد ، كل ليلة، سيل الدماء المراقة ، وأسوأ من ذلك – فهي تهاجر من ساحة المعركة :
هي ، الآن ، ها هنا في العصر الحديث . هي في مدينة الرجل – في الجوار – على المرجة .
والأن هو ، نفسه ، يقبض على النصل .
*
آنذاك يقرر أن يتخلى عن النوم ، يكتفي بأن يظل مستيقظاً ، واضعاً رأسه بين يديه ، وهو يجلس وحيداً عند مائدة المطبخ ، يبتهل أن تصل تلك الحالة ،على نحوٍ ما ،الى النهاية .
*
وفي النهاية ،ذات ليلةٍ، هناك طرق على الباب ، يفتحه.
هناك ، على الشرفة، غريبٌ يحمل سيفاً ، يقول انه هنا يتحدى الرجل ويدعوه الى المبارزة بالسيف . يقول الرجل : آسف ، لا ابارز أحداً .
إغرز السيف ! يصرخ الغريب مندفعاً الى الأمام بسرعةٍ وهو، مهاجماً ، يطعن .
*
يتراجع الرجل ،متعثراً، نحو المنزل ،يقفز فوق الأريكة ، يهبط في الصالة ، يسحب سيفه من الخزانة ، يستدير ليواجه الغريب الذي يطعن في كل اتجاه . يتبارزان داخل الغرف ، يسقطان على الدور، عبر الساحة ،يتصارعان عبر العشب ، حول الحديقة وبركة السباحة . . والسيفان يتضاربان و يلمعان في الظلام .
*
الرجلُ سيافٌ ماهرٌ – ماهرٌ جداً – بيد انه منقطعٌ عن التدريب، كما ان الغريب أفضل منه . لم يدم الأمرُ كثيراً قبل ان تنغرز نهاية سيف الغريب الحادة في جلده ، سرعان ما يصرخ : أنا انهارُ! أتنازلُ !غير ان الغريبَ يهز رأسَه دلالةَ الرفض .
يقول : لا يمكنك التنازل إذ هي مبارزة حتى الموت .
كن رحيماً ، يلتمس منه الرجل .
الرحمة ؟ يتساءل الغريب .
يضيف : لا اعرف معنى ما تطلب .
يطيح بسيف الرجل نحو الأرض ، يشهر سيفه عالياً لأجل الضربة القاتلة ، لكن سرعان ما يدوي صوتُ رصاصةٍ .
يتجمدُ الغريب ثم ينكمش ، فيتدفق الدم من ثقبٍ أحدثته الرصاصة في رأسه ، يرفع الرجل رأسه وينظر ، هناك زوجته تقف على الشرفة .
يقول الرجل: حبيبتي ! لم أكن أعرف أن لديك بندقية .
تنزل من الشرفة الى الأسفل ، تتحرك عبر المرجة ، وهي تشدُّ البندقية الى ردائها .
تقول : لا تكن أحمقاً . طبعاً لا تعرف .
يتساءل الرجل : طبعاً ؟
يتجهم ، بعدئذٍ يسمع جلبةً . يستدير ،ينظر نحو السياج .
يـرى جاره ، في الجانب الآخر ، ماسكاً بنشاب( )
*
يقول جاره : لا تقلق . لم نكن نريد منه ان ينالك بالسوء .
يقف الآخرون جانباً ، لدى أحدهم قاذفة لهب ، وزوجٌ من خراطيش ، وآخر في يديه قبضات حديدية .
يقف الرجل هناك يحدّقُ ، تمسك زوجته بذراعه ،
تقول : حسن، كلُّ شيء جرى على ما يرام . ثم تبتسم وترفس جسد الغريب .
تضيف : دعنا ندفنه قبل أن يتلاشى .
ولبرهةٍ يظل الرجل ينظر اليها ، بعدئذٍ يومئ برأسه موافقاُ .
يدفنون الجسدَ ثم يعودون الى المنزل .
عندما ينامون تختفي الأحلامُ تلك .
 
__________________________________
( * ) بن لوري : كاتب امريكي استمد سمعته كواحد من كتاب القصة القصيرة ولد عام 1971 في مدينة دوفر ، نيوجرسي ، يعيش في كاليفورنيا . تتميز كتاباته بالدعابة والخيال ، له :
1- حكايات الليل والنهار : مجموعة قصصية ، تتألف من اربعين قصة قصيرة ،ضمنها ملحق قصة التلفاز.(2011 )
2- حكايات السقوط والارتقاء :مجموعة قصصية ، تتألف من اربعين قصة قصيرة (2017 )
3- لاعب البيسبول وحصان البحر : قصة مصورة للأطفال (2015 )

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *