(مشفى الحواس)

latifa_aldlimy

(مشفى الحواس) قصة قصيرة

مصطفى داود كاظم

 

في صالة الانتظار كانت انظار المحتفظين بحواسهم شاخصة باتجاه واحد …الممر الذي سيظهر فيه الطبيب ،لكن الانتظار طال دون ان تلوح مخايل ذلك الطبيب الذي وضع جُل من حضر هنا أمله فيه لايجاد حل، أو تَلمّس سبيل ،أو تنشيط بصيص أمل ،لكن المشهد هنا لايبعث على التفاؤل مطلقا . كنت احمل اوراقي وذاكرتي وماتنصل فيّ من اشياء قديمة وبدأت أشغل نفسي بمراقبة المشهد …رجال ونساء بمختلف الاعمار ، وجوه شبحية واخرى ممتلئة ..بعضهم يرتمي على كراسٍ متحركه وياتي بحركات غريبة… وجوه ضاحكة من الألم ،ومن انفراط عقد السيطرة على الحواس …أجساد لاتناسق في أطرافها …أعناق ملتوية وأيدٍ التصقت باحدى جوانب الجسد بإشارة موحية لشلل الأطراف أو جانب ٍ منها …رؤوس راعشة لرجال ونساء وحركات مضافة تعني انك في مكان يحتاج المرء فيه لمضاعفة الحواس ليرقب أُناساً فقدوا بعض حواسهم، أو كلها. بالقرب من المصطبة التي جلست عليها كانت هناك امرأة في العقد السابع من عمرها تحمل عكاز وتطلب من مرافقتها التي كانت في منتصف عمرها أنْ تأتي لمساعدتها …طلبت مني المرأة ان أُساعد المريضة لكي تجلس على المصطبة ففعلت ..لكنّ المرأة السبعينية لم تستقر في مكانها..طَلبتْ الطبيب ثم طلبت من مرافقتها التي انشغلت في الحجز للدخول على الطبيب أن تأتي لمساعدتها …بدا على المرأة الإنزعاج من الحاح المريضة. وطلبها المستمر بالحضور اليها..خاطبتها بلغة تنطوي على بعض الفضاضة،،،أن اصمتي حتى استكمل الاجراءات …عادت المرأة العجوز الى الشكوى من صداع يلازمها وأرادت النهوض اكثر من مرة ..تَدَخّلتُ وأمسكتُ بها خوفا من أنْ تفقدَ توازنها وتسقط; لكن آلمتني الطريقة الفضة التي استخدمتها المراة المرافقة معها …كانت اشارة موحية أنّ الانسانية في العقد السابع تعني ضجر، ومنّة، وٱزورار، وكلمات جارحة في بعض الاحيان . كانت الموظفة قد استكملت إجراءات استلام أوراق المراجعين وحاولت تنظيمها لحين وصول الطبيب .. شابة تجلس في إحدى زوايا صالة الإنتظار على كرسي متحرك.. هيكل عظمي تستدق أطرافه على نحو عجيب .. كانت تبتسم او هكذا يُخَيّل للناظر …حاولت بعض النساء ان تطارحها بعض الأسئلة فتدخلت مرافقتها وقطعت تلك المحاولات بطريقة غير ودية … أخيرا وصل الطبيب …. إمراة خمسينية يبدو عليها انها مستوفزة من النظرة الاولى…كانت كثيرة الحركة والإلتفات تتحدث بسرعة وتطلب إجابات سريعة لأسئلتها القصيرة… مضت الدقائق بطيئة بانتظار أنْ يحين دوري للمعاينة…. نادت الموظفة على اسمي فدخلت بسرعة على الطبيبة …كانت أوراقي بين يديها رفعت رأسها وقالت على عجل: هاتِ ماعندك .. وبدأت اشرح للطبيبة بهدوء وانسجام ما أردت قوله مركزا نظراتي على عيني الطبيبة الخضراوين لمعرفة صدى كلماتي ومدى جدية انتباهها …على نحو مباغت شعرت بسريان مفعول كلماتي مثل تيار كهربائي أكمل دورته في جهاز بدأ يتعاطى بجدية مع الطاقة المُجَهزة …انتقلت العينان من الأوراق في لمحة استكشاف سريعة ..لكأنها تقول هذا مراجع غريب جاء الى هنا بطريق الخطأ ;لكنها سمحت لي باكمال حديثي وتوصيف حالي… الوجه الحاد بتقاطيعه والذي يخفي جمالا توارى خلف تلك الحِدّةِ بدأ ينفرج رويدا رويدا …اشتغلت حواسها بطريقة مغايرة وبدأت تتفاعل بطريقة لم تعهدها من قبل مع نفسها… اكملت ملاحظتها وتعليقاتها وكتبت في الأوراق التي امامها فيما يخص حالتي ..اما انا فقد قرأت المشهد…… .. ولو أردتُ ترجمة إحساسها في تلك اللحظة على الورق …لكان ماكتبته: اني بحاجه الى مُراجع من هذا الطراز يعيد لفضاء المكان توزيع الطاقة على نحوٍ فريد. بغداد

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *