تراتيل من زمن فائت

هادي عباس حسين

هادي عباس حسين

أني بلغت ابنة الثلاثين عام لكني أحس إنني أكثر من ذلك كوني تلازمت مع اغرب الإحداث ,انه زمنا صعبا غرقت فيه كافة المفاجئات التي لم يتوقعها الإنسان ,فانا كنت اعتبر رحيل الطاغية من الأمور التي باتت من المستحيلات ولو أن حدثا كذلك لم نتوقعه

ألا هي انتهاء الحرب العراقية الإيرانية التي دامت سنوات وكنا نتوقع ان تدوم إلى ما لانهاية ,لكن إرادة الله وقوته جعلت نهايتها بطريقة غريبة عجيبة أدهشت العقول ,وكل احتمالات تلك النهاية التي استغربت له كل  دول العالم,عشتها آنا بحذافيرها كوني دفعت لها ثمنا غاليا ألا فقدان خطيبي في إحدى المعارك القوية ,لحد الآن أتذكر
تفاصيلها وإحداثها وأعيدها كلما سنحت لي الفرصة أن اذرف لفراقه دموعي الساخنة ,أنها معركة نهر جاسم في القاطع الجنوبي ,التي تركت أثرا بالغا في نفسي وكدت اجن عندما سمعت بفقدان حبيبي وفارس أحلامي الملازم الأول سلام  الذي جفت دموعي لغيابه لكن زاد طمأنينتي عندما سمعنا صوته عبر الهاتف وبسرية تامة من الإذاعات المعادية للحكم البائد ,كنت أول المحسودات عليه عندما زارنا في زيه العسكري وتلك النجمتين المتلالاتين على كتفه ,زهته وزادت من منظره رونقه وجمال ,ظل يحدثني عن بطولات الجيش ومهارته في قيادة كفة المعركة بصورة جيدة ,وكلما تلا بيان على إسماعنا عبر شاشة
التلفزيون أحس بحزن شديد يعتريني !
واش�
�ر أني بحاجة أن اذرف الدموع كونه الشريك المتواجد مع اختلاف حالتي التي أعيشها بصعاب بالغة ,ويوم وقفت الحرب من جراء ذلك التاريخ عشقت الرقم (8) كونه المتواجد بكثرة في تاريخ إعلان وقف الحرب الذي صادف يوم 881988 لا اعرف ما هو شكل شعوري وإحساسي لان نزيف الدم قد توقف وان زوج المستقبل سيعود وسنبني حلمنا كما خططنا له ,فوجدت نفسي فخورة كوني لم أوافق على فسخ الخطوبة التي قد بنتها السنة النسوة وشجعتها الأقاويل ,حتى وجدت أبي يقف أمامي بنشوة وافتخار قائلا
_الحمد لله وقفت الحرب وسيعود سلام وتبتدئن الحياة من جديد محققين أحلامكم..
مبروك لك ابنتي صبرت وستنالين مرادك…
أول الذين وقفوا بجانبي رافضا فسخ الخطوبة أبي الذي اكمن له حبا لا اقدر ا ن أصفه وظللت اعتني به لحين وفاته قبل شهور ,لكنه لم يرى عودة الغائب الذي تأخرت لأسباب لا يعرفها ألا الله وحده ,لذا بات وجهه حزينا وكلما لمحني غارقة في وحدتي عائشة مع أحلامي أراه يقبلني ويقول لي
_الصبر مفتاح الفرج …
حتى فرجت همومي بعودته لكن لم يكن كالسابق بل أصيب  بعطل في مخه وضعفت ذاكرته وأصبح يعاني من إمراض حقيقية وبعضها خياليا ,لكني رغم كل شيء كان فرحي لا يوصف وحالتي دهشت لها حقا وبدأت أتصرف بتصرفات قربت الشكوك نحوي بأنني أصبحت مثله غارقة في إمراض شتى ,وتزوجنا وأكثر الناس لاموني على هذا العمل الذي قمت به لكن عدم تصديقي بعودته ونجاته من مصائب الحرب دفعتني أن أكون مستعجلة وبالكاد مرت السنة الأولى على وفاة أبي رحمه الله , الفرح لن يكون بالمستوى الذي حلمت به لكنه كان موفيا للغرض المطلوب ,لم أكن مقتنعة بزواج كهذا لكن علي أن ارضي به كونه حقق جزءا بسيطا من أحلامي
,شعرت بعد مرور سنة واحدة على ذهابي لبيت الأحلام باني عاجزة على تقبل الوضع الجديد الذي كان من الأمنيات التي ابتغيها ,السنة الثانية انقضت ولم يأتي ما يمليء الدار بهجة وروح وصراخ انه الأولاد الذين بقيت اتامل حضورهم بالحال لكن مرضه اخفق كل أمنياتي وقتل في روحي أجمل حالة تمنيت المرور بها حينما تنتفخ بطني وأسير في طريق الولادة لكن كلام الطبيب عندما اخبرني قائلا
_ العوض على الله فانه يهب لمن يشاء ويمنع ممن يشاء …
وقتها وددت أن اصرخ أن أقول شيئا ما لأعاتب ربي بما قسمه ليمن نصيب ,ألا أن إرشادات بعض الناس من معارفي أن اصبر وأعيد ما عشته سابقا واكرر قول أبي وقتها
_الصبر مفتاح الفرج …
ومضى على صبري أكثر من عشرة سنوات دون جدوى وكبرت الفجوة التي تسببت من الفراغ القاتل الذي نعيشه والصمت الغرقى فيه وسكون البيت من ملامح التجدد والحياة انعدام مجيء الأطفال جعل الحسرة تتمالكنا عندما نجد أطفال إخوته وأخواته ,أول من شعرت بإحساسه وحاولت آن اردد عبارة أبي بان نصبر لكنه ينظر في وجهي ويقول
_إلى متى أنت تجاوزت الأربعين وأنا اكبر منك بخمس سنوات ليس لنا أمل أبدا…
جوابي له كان يقوي من عزيمته عندما أقص له حكايات أقوم بتأليفها حتى اقوي من عزيمته واقتل أشباح هبوط عزيمته وانقله من مراحل اليأس إلى حياة الأمل الجديد,وفشلت أخيرا وخضعت إلى استسلامي الذي بات جزءا من حقيقة لا مفر منها عندما ودعني زوجي في ليلة شتوية باردة وفارقني دون أن افهم ولو جزء من الأسباب ,مات  في مجهولية حالته قبل وداعه اخبروني بأنه صاح بصوت عالي
_قلبي …أنها ألام في قلبي ..
كنت خارج البيت لقضاء شغل ضروري ,عدت إلى المنزل الذي اجتمعت عند بابه أولاد المحلة كنت أتصور أن والده هو من ودع الحياة لمعاناته الكثيرة من مرض أثقل قواه وافقده المشي والذاكرة والنظر وعطل الحركة في كل أعضاء جسده لكن المفاجئة أوقعتني في غيبوبة أفقت منها بعد فوات الأوان ىحيث لم اقدر على حضور مراسم دفنه ومأتم عزائه الذي قضيته وأنا داخل المستشفى,واليوم خرجت منها واسئله تدور في راسي أن عمري أكثر بكثير من الواقع فقد اقتربت إلى التسعين بل على أبواب القرن,دموعي تنهمر كلما وجدت فرصة متاحة لي وخصوصا  بالوحدة التي باتت تطوقني من كل جانب ,حاولت أغلق شباك غرفتي
التي تراقص قمر الليلة بين نجوم السماء والتي بقيت متمعنة فيه من خلاله وقلت في تعب وهم كبير
_أني ما زلت صابرة انتظر فرجي القادم…؟
تجدد السؤال في أعماقي وفي صدري حسرة كبيرة
_ماذا افعل به..؟
جاءني صوتا من دواخلي
_حتى يأخذني إلى نهايتي المحتومة ….بعد أن رددت تراتيل  الزمن فائت…

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد