اندفاع

نعمة السوداني

نعمة السوداني

فجأة رأى أطرافه مندفعة إلى الأمام، شعر بقلبه يلهث خلف امرأة مرقت من أمامه كأنها برق أضاء واختفى في زحمة الشارع.. عليه أن يترك مكانه للحاق بذلك البرق، خطوات بسيطة شعر بنفسه كأنه علم تتقاذفه ريح غاضبة. همس لنفسه بعين حيرته؛ ما العمل؟ سألحق بها.. لكن كيف ستخرج كلمات من فم مشدود.. علي التحدث مع نفسي أولاً.. أكيد ستظهر طاقتي ومعرفتي بأصول حديث العشق.. ومن ثم.. من ثم سأتعرف عليها… انتظري.. سأقول لها.. لو قرأتِ أفكاري وخواطري وما بي من شعور أتجاهك.. فأنك عشتار القادمة من ذلك الزمن البعيد.. نعم سأجرب ذكائي.. سأتقرب منها، اتأملها، سأدور حولها.. آه من عيون الناس.. ستتناهشني عيون الناس.. سأقول لها أنتِ جميلة.. ستقول لي؛ شكراً على هذا الإطراء.. سأرتبك وتزوغ عيناي باحثة عن موطئ لروحي في خضم بحر اللهفة مثل بحار ضاعت سفينته وفيها كل ما هونفيس..
أردفت هي؛ لقد سمعت همساتك.. هل حقاً أعجبك جمالي.. هل حقاً أنا رقيقة إلى هذا الحد.. أنت لم تلمسني بعد.. أليس فيَّ ما لم تعرفه بعد..؟ سيدتي لو كان الكون مثل جمالك ورقتك لم تكن هناك حروب كونية ولم يفكر نابليون بسقوطه بالامتحان ولم يدخل الدكتاتور إلى البلد المجاور بحثاً عن النصر الخسران.. أشياء وحوادث كثيرة لم تحدث… لو.. لو…
جلسا في مقهى أمام فنجاني قهوة.. قلبت هي فنجانه وأبحرت عيونها في فوهته.. خرجت من رحلتها وهي تهمس لنفسها.. بلد جديد خالي من القيم.. فيه حقائب كبيرة وصغيرة تمثل فقراء وأغنياء.. لا توجد فيه أدوات كتابة ودفاتر.. فيه بلابل في اقفاصها وعصافير شاردة.. ليس فيه جنة ولا منطقة خضراء.. برك مستنقعات ودم يسيل هنا وهناك.. ثم رفعت رأسها لتسمعني همسها.. هناك حرب بعيدة الأجل ليس لها سبب معروف.. كما يؤخذ الخروف إلى الذبح وهو لا يعرف السبب بعد لأنه يرى كثير من الحيوانات غيره صالحة للأكل والطبخ.. لِمَ هو فقط؟
كان هو صاغراً بذهول تحت وطأة طبول، مسامير تدق رأسه لا عهدة له بها.. سيدتي هل أنتِ عرّافة؟ لقد أقعدتيني وسط فنجاني ورميتيني بوابل من نفايات ودم وشرور.. هل ستتركيني قابعاً في فنجاني.. عادت إلى فنجانها وهي تكلمني :
ـ ما بك… ما حكايتك؟
وهل ظلت لي حكاية غير حكايتي معك.. كنت أشعر بالغثيان قبل أن أراك.. وها أنا بين يديك طير يمرح في حقول السعادة الغامرة.. كل شيء فيّ أنقلب وعاد إلى طوية أخرى..
ـ عليك أن تقتنع؟
ـ بماذا؟
ـ أنك شاعر
ـ أنك شاعر.. والشعراء يعشقون بسهولة
ـ وما الخطر في هذا؟
ـ لكن الحياة ليست هكذا.
ـ وما حاجتي لحياة ليست هكذا..؟
رفعت رأسها من فوهة فنجاني لتبوح لي.. أنها المرة الأخيرة التي ستحب فيها.. حذار من هذا الحب أيها الغريب.. فنجانك سيطعنك.. لا تظل أحمقاً، مندفعاً، لاهثاً وراء النساء.. ستذبح كالنعاج وستتكسر عظامك وستقرع نواقيس الحرب من جديد وستلبس النساء أجمل الثياب وسيرقصن فرحاً طرباً ويشربن نخب حياتك الجديدة. وسيقرأ النشيد الوطني على جنازتك.. بعدها ستستسلم وترفع الراية البيضاء خلف ذلك الجدار الأبدي وسيعلن موتك بالمذياع الوطني والتلفاز الوطني والصحف الوطنية اليومية..
ـ ولِمَ كل هذا سيدتي.. ماذا جنيت..؟
ـ جنايتك أنك تعيش في أرض لا تعرف الحب.. ومع بشر لا يؤمنون بالحب..
خرج من اختباره لنفسه خاوياً، مترنحاً ثم غادر المقهى ولعن تلك اللحظة المفاجئة البارقة التي أوصلته إلى الموت..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد