مكية واليتيمة

ماجد حميد الغراوي

ماجدحميد الغراوي

نسائم آذار الندية وضياء الصباح ينثران بهائهما على منازل مدينتنا العريقة التي تنعم بهدوء الحياة ، الاشجار العالية امام المنازل وداخلها تعانق أغصانها سطوح البنايات وشرفاتها ، واخضرار الأعشاب الصغيرة المنتشرة على أمتداد الارض المنبسطة وعلى حافات الشوارع المبلطة بالاسفلت ، فيما تزين واجهات المنازل والعمارات زخرفة معمارية وفنية تضيف للمدينة سحراً يميزها عن باقي المدن .

تعالى صوت صراخ وعويل في لحظة من اللحظات أنبعث من احد المنازل التي كانت تقطن فيها امرأة عجوز تدعى ( مكية )مع شقيقتها المنغولية البلهاءالتي تبين فيما بعد انها ليست شقيقتها بل هي فتاة يتيمة مات ابوها في الحرب وتخلت عنها أمها بعد اقترانها بزوج جديد فتولت مكية هذه كفالتها ورعايتها لتكون شغلها الشاغل في حياتها بدل الوحدة التي تعيشها ، كانت حالتها ميسورة الى حد ما، بعد ان ورثت عن اهلها منزلاً صغيرا وراتباً تقاعدياً يكفي لمعيشتها وقد ذبلت زهرة شبابها ومرت سنين عمرها في دوامة الحياة ومتاعبها فحرمت من الزواج الذي لم يطرق لها باباً فكانت تأنس بوحدتها حيناً وتتألم بها احياناً .

هرع الناس صوب الصوت الى بيت المرأة العجوز وعند باب المنزل اعلنت بعض النسوة موت مكية المفاجئ .

الرجال الواقفون امام المنزل يرددون بحزنٍ :

– كيف حصل هذا ؟ انا لله وانا اليه راجعون بالامس كانت صحتها جيدة !! ويقول آخر :

– أ شد مايؤلمني حقاً هو حال البنت اليتيمة كيف سيكون حالها ومن يرعاها …..

ثم فسح الطريق امام الخطوات السريعة للطبيبة التي جاءت طوعاً دون ان يستدعها احد تحمل حقيبة صغيرة وسماعة طبية ، فتاة في الخامسة والعشرين على الأرجح تسكن في الزقاق نفسه ، فاستقبلتها النساء بين مرحبة بها و متبرمة لمجيئها لموت المرأة وفوات الآوان وماهي الا لحظات بين ضجيج الحاضرين وعويل النساءحتى خرجت الطبيبة وهي تدفع النسوة وتدعوهن بصوت عالِ للخروج من غرفة المرأة العجوز ولتفاجىء الجميع وهي تقول:

– المرأة لم تمت …. انها في حالة إغماء

وهكذا نقلت مكية الى المشفى لترقدفيه أيام معدودات لتعود بعدها الى بيتها وتظهر للناس بصحتها المعتادة في السوق وسط دهشة الناس وهم يتهامسون عنها كيف ماتت وعادت لها الحياة بعد ساعات وهي الآن تتجول امام اعينهم حتى أصبحت هذه الحكاية نادرة يتداولها الناس ويضيف عليها البعض مايشاءمن الأضافات والأستنتاجات .

في مكان غير بعيد عنها وقفت أمرأة ترتدي حجاباً ونقاب على وجهها لم يتبين منه شيء سوى عينيها الصغيرتين وهي تنظر الى مكية حيناً وتشيح بوجهها حيناً اخر

وهي تقول لصاحبتها:

– الحمد لله انها لم تمت ، والا فمن لأ بنتي البلهاء وكيف سيكون حالها ؟

-صه ، مكية لا تموت انها بسبعة ارواح ،هيا بنا قبل ان يتعرف عليك احد هيا ……

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد