الهاتف

هادي عباس حسين

بعد المسافات لا يحس بها  سوى الأحباب وأنا حبيبة أستاذ مؤيد ,أذا الذي أعانيه يوميا لا اقدر أن أسجل تفاصيله بالدقة المطلوبة ,قبل قليل رن جرس هاتف التلفون الأرضي ,رفعت أمي القريبة منه السماعة وأعادتها بسرعة قائلة

_لقد أغلق الخط ..لعل صوتي لن يعجبه ..
كانت بكلامها هذا أرادت أن تفهمنا بان صوتها أجمل من صوت أبي الذي استقر على الكرسي الخشبي قريبا من الباب ,حرك نظارته ببطيء وقال
_لا تتفاخري بصوتك  ويصيبك الغرور ..؟.
أنا ابنتهم الوحيدة ابنة الثامنة عشر ربيعا وقبل يوم أمس حل عيد ميلادي وبقايا فرحتي مازال راسخا في ذهني ومتمركزا بعقلي ,كل من عرفني أحبني بشكل كبير يلفت الأنظار ولا اعرف ما سبب ذلك ,لعل الأخلاق التي احملها والتي اكتسبتها من محيط البيت جعلني المقربة لأي إنسان يراني لأول مرة ,أبي أحب التقوى مفضلا إياها على المال عكس والدتي التي أحبت المال بشكل جنوني ,أن الحب كان قارب نجاتي وملاذي الأمن الذي التجاء إليه كلما شعرت أن هناك شيئا ما سيحدث  بين والداي العزيزان على روحي ,وكلما استدعيت من قبلهم لأكون الحكم والفيصل بينهما أتهرب لأني لا اقدر ا نادلي برأي يخالف
احدهما ,وأنا في كل الأحوال أنثى يتخبط داخلها الضعف والهوان ,حتى في إحدى المرات اخطاءت بالحكم بقيت ليالي ثلاث ابكي وأبي وأمي أصبحا أكثر من السمن على العسل كما يقولون ,حزن أبي كان واضحا وأكثر من قلق أمي الذي سرت في جسدها كآبه أخرستها وأبعدتها عن مسايرة الإحداث التي نعيشها سوية ,فعندما تجد أبي يطالع في كتاب سألته بدافع الفضول عن محتوياته فاذكر صيحته العالية قائلا
_إنني لم انتهي من قراءته  فكيف اجيب على كل أسئلتك .؟
كان محقا في كلامه الذي سمعته أمي ورمقته بنظرة طويلة وهزت بيديها قائلة له
_الحمد لله لم يكن الهواء بيديك …
كان الوهن قد دب في جسدها ووجهها بات أكثر شحوبه والحزن قد ترك فوقه سمات أوضحت بان النهاية قد اقتربت لها ,كنت خائفة عليها بشكل فضيع فان سمعتها تأن ابقي طوال الليل يقظة أراقبها واتامل أن لا تشعر بألم يصيبها حتى لا تقودني إلى عذاب روحي التي التصقت بحبال حبها الذي اعتراني كني وحيدتهم بالبيت ,أن الألم الذي تشعرني به فاق كل تصوراتها حينما يغازلها المرض ببساطة ,وكلما اشتقت أن اشعر بالراحة وقت الصباح اطلب منها قائلة
_هيا يا أمي يا أجمل صوت سمعته غني لي ….
أن حبها مزروعا بدواخلي وأفنت حياتها مذللة لي كل الصعاب التي واجهتني ,ودوما أقول لها  مستفهمة منها
_لماذا زرع الله الحب في القلوب  بالذات عن باقي أعضاء الجسد ..؟
كانت لا تعرف الإجابة بالتحديد لكنها تنطق بما تعرفه,أما الذي أعجبني جواب أبي وتحليلاته السليمة عن أسباب جعل القلب مركز الحب متطرقا إلى أمثال أقنعني بها ,يا لك من إنسان تعرف كيف تقنع حتى استطعت أن تجعلني أوافقك على أن اترك أول حبيب طرق الباب إلى الزواج ,اعترض عليه بينما طارت أمي فرحا بهذه المناسبة وحدث خلاف وشرخ كبير في علاقتهما ,حتى سمعته أسدى بالقول أخيرا
_أما أنت يا ساهرة  ادعك تتلمسي حياتك كما تشائين ..
من هنا انطلقت لأرسم طريقا خاصا لحياتي  فأحببت الإنسان الذي غلق خط الهاتف في وجه أمي ذات الصوت الحنون ,فمنذ أن التقيت به شعرت بأنه فارس أحلامي المنتظر ,لم اعترف بتطورات علاقتنا بل تطرقت باسمه أمام أمي وبصورة سريعة ,لم الفت انتباهها بالحال فنسيت كل ما حاولت أن اعترف به لها ,فلو عرفت بأنه ابن تاجرا لرقصت فرحا ووافقت عليه كونه الخزينة الدافعة  لمصارفها الشهرية ,رن جرس الهاتف فهرولت تجاهه ورفعت السماعة جاءني الصوت الذي أطربني
_ساهرة لماذا لا تأتين إلى الهاتف عند رنينه …؟
تظاهرت كأني اكلم صديقتي فقلت
_سعاد لا استطيع أن أكلمك ألان ,اتصلي بي بعد ساعة ….
أنعشت مشاعري بترانيم صوته الذي احتضنته بروحي قبل أن يمضي إلى إذني,ومضيت إلى غرفتي في الطابق العلوي متمددة على الفراش وبقايا من أحلامي المتراكمة عند مخيلتي ليلة أمس تدور في مخيلتي وكلمة واحدة تتراقص في راسي
_هل اخطاءت  بالتصرف أمام أهلي ..؟
لم أحس بذنبي ألا عندما سمعت صوت ابنتي وهي تعيش تجربتي السابقة عندما رن جرس موبايلها أجابت بالحال
_سعاد  لا استطيع أن أكلمك ألان  اتصلي بي بعد ساعة ..
نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط أنها الحادية عشر ليلا,بعد ساعة سيبدأ العمل بالخطوط التي وفرتها لنا شركة أسيا أسيل  بعد الساعة الثانية عشر حتى الصباح ,اقتربت إليها وضممتها لصدري وحكيت لها ما قرأتموه ونطقت
_من الصعوبة أن تجدي رجلا مثل أباك في هذا الزمان …
عمت الظلمة بإرجاء البيت ودب سكون رهيب بين ثنايا جدرانه ,وأنا اسمع رنين جرس الموبايل الذي تركته متعمدة في المطبخ….كما عاهدتني

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد