قراءة سسيو-تاريخية في واقع التلقي ومستقبله في المسرح العراقي

سعد عزيز عبدالصاحب

لا شك ان الكشف عن التراث المكتوم او المسكوت عنه من((موقع اجتماعي))او((مكان اجتماعي))مفتوح الى للتجمعات ،كالمسرح ،يتيح امكانية انتشار اعادة انتاج القيم والمعاير التي يعكسها النتاج الثقافي القائم سابقا بمضمونه التاريخي العام ،ويقبل به المجتمع ويستوعبه ، وهذا مايؤكد اهمية الدورالحيوي الذي يلعبه المسرح كاحد ((المواقع الاجتماعية)) في مواجهة التحديات الكبرى او التحولات السسيو _ثقافيه التي تجيء بعد المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية …..   ان الخيال هو وسيلة المبدع ((ليقص))الحياة ويطرح رؤيته وهو ايضا اداته للعب  مع الزمن كي يصد الموت وكي لايفقد الانسان الامل ،ومثلما كانت ((شهرزاد)) تروي حكايتها الخيالية على ((شهريار)) كي تصد الموت عن نفسها ،فيتراجع الموت كلما تقدم امام حكاياتها الجذابة ،التي تفصل ((شهريار ))عن العالم المنظور ،الى عالم غير منظور فتلهب خياله فيرجي قتلها ، كذلك كان مبدعو المسرح العراقي بخيالهم السحري وطاقاتهم الخلاقة في صياغة فضاءات ابداعهم ،يدفعون الموت والضياع والانسلاخ الثقافي عن شعبهم على الرغم من ماساوية الظروف التي عاشها مجتمعهم من حروب وحصارات واحتلالات … الا اننا كباحثين علينا ان لا ننصرف للقراءات الانفعالية والمجانية في استكناه وكشف طبقات مشهدنا المسرحي المتغير ،بل علينا ان نقرا هذه التجربه بتجرد وموضوعية وذلك بتفكيكها واعادة انتاجها لبناء مستقبلنا المسرحي الرصين .. منطلقين من مشكلة الغياب الحاد والمزمن للمتلقي عن قاعات مسارحنا .. محاولين (التحرش) به وجره اليها مرة اخرى على وفق الاشكال والخبرات المسرحية المتنوعه التي مرت على اوربا وامريكا في اغراء المتلقي بفكرة ذهابه الى المسرح اوذهاب المسرح اليه باساليب  (مسرح الشارع ) و(مسرح الشمس) و(مسرح الخبز والدمى)و(مسرح الواقعه) وغيرها من اساليب الفنية التي شكلت افق تجربة الاخر في الانحياز الى المتلقي  بوصفه الاولويه الاولى في ثالوث العملية المسرحية اي المرسل _الرسالة _المستقبل اذ قامت فاعلية الاخر الذهنيه بتكسير هذه التراتبية الكلاسيكية للخطاب المسرحي بتقديم المتلقي (المستقبل) في مخططاتها البيانية والاستراتيجية.. ايمانا منها  بوهم الظاهرة المسرحية وتلاشيها وانقطاعها لعدم وجود الجمهور بدءاَ لنتفق على ان المسرح في العراق لم يكن في يوم من الايام ليشكل ظاهرة ثقافية واضحة اوشكلا عضويا في نسيج المجتمع  وانما جاءت فترات ازدهاره النسبيةقرينةبازدهارالايديولوجيا الثورية (الراديكالية )في المنطقةالعربية والعراق حتما هو جزء من الجغرافيا السياسية يتاثر ويؤثر .. والذي اذكى هذا الوهج المسرحي عندنا وجود المسرح في الحواضن اليسارية حين كان جزءاً من مفرداتها الثقافية لتصدير افكارها السياسية منطلقين اي اليساريين من افق الفلسفة الماركسية التي كانت فلسفة فعل تهدف الى تغيير العالم وتغيير وعي الانسان به ،حين راي (ماركس)في المعرفة حركه ديناميكية ، فكل معرفة تحتوي انتقادا لانماط المعرفة السابقة ،ووظف اليساريون العراقيون في حقل الثقافة هذا المبنى الفلسفي ليلقي بظلاله على فن المسرح ، بعلائقية العلاقة بين المسرح والمجتمع ،فتشكلت نصوص يوسف العاني وقاسم محمد ونور الدين فارس وجليل القيسي واخرون . بقراءات  من (الواقعية النقدية) صبت زيتها في صميم التنور الاجتماعي فلاقت صدى واسعا لدى الجمهور الذي جاء باعداد غفيره لحضور عروض فرقة المسرح الفني الحديث والمسرح الشعبي واتحاد الفنانين وغيرها… على ان هذا الجمهور القادم كان جزءا ” كبيرا” منه جمهورا” مؤدلجا” ياتي الى المسرح يسمع ويرى الاطروحة الانتقادية المباشرة التي تمثل وجهة نظر اليسار الذي ينتمي اليه .. اذ ن كان اغلبه جمهورا” منتميا” ولم يكن مستقلا” فتم  البناء المسرحي في فترتي الستينيات والسبعينيات وتقييماته على اساس التصعيد الدراماتيكي للسجال والتدافع السياسي بين الاحزاب اليسارية والقومية والشمولية .. ولم يمنع ذلك من اضفاء حالة من التنوع الثقافي في العروض المسرحية المقدمة على اختلاف اتجاهاتها النصية والاخراجية .. وشكلت بعض العروض ايقونة للدلالة على الانبهار الشعبي وحضوره المنتج الخلاق في عروض (النخلة والجيران ) و (نشيد الارض) و (بيت برنارداالبا) و (البيك والسائق ) وغيرها … مما شكلت هذه الفترة مرتكزا اساسيا في الرؤية الشمولية لبنية المسرح العراقي الاجتماعية والطبقية التي انهارت بعد ان اصبح الانتاج الثقافي محصورابيد (الدولة)ومختصرا بالنظام الشموليالحاكم وسياسته الثقافية الواحدية ،واختفت بذلك الانتاجات المستقلةواختفى جمهورها بالنتيجة … قدم النظام  الشمولي في الثمانينيات والتسعينيات اسوا تجربة ثقافية في الاستيلاء على عجلة الانتاج الثقافي وحصرها بيده ، مما جعل الخطاب المسرحي (نصا” وعرضا”) يمر (بفلتر) (الرقابة ) وموجهاتها الفكرية ،واسست العروض انعكاساً لأيديولوجيا النظام الشمولي باليات التعبئة الثقافية وتحت يافطة (مسرح المعركة) الذي يبحث في ضوئه طاقات ومجهودات فرقة الدولة الفنية واللوجستية لتوظف في عروض (شجرة العائلة) و (في طريق المجد)و(حكايات العطش والارض والناس) و (العودة) وغيرها من العروض التي غادرها الجمهور القادم معظمه من جبهات القتال منهكاً متعباً.. لأنها لا تمثله ولا تمثل عذاباته ومراراته التي تركها فيالجبهة، فغير النظام الشمولي والته الثقافيةالحزبية من استراتيجيته  فتوجه نحو العروض  الاستهلاكية (التنفيسيه ) التي تخاطب حواسه لا عقله وتدفع لتخديره لا لتوقظه مما جعل هذه القاعات تعج بالجمهور بعروض (بيت وخمس بيبان ) و (المحطة) و (احلام وعصافير) و(مقامات ابو سمره) و (وحوته يا منحوته) و (الناس اجناس)… ان المتغير الذي حصل للمتلقي في هذه العروض هو متغير نفسي او تنفيسي (سيكولوجي )وليس (عقلي ) (ثوري )،حيث ان التخدير الذي يتلقاه يجعله يضحك بطريقة تديم بقاء الاوضاع على حالها وبالنتيجة يكرس لبقاء وادامة حياة الانظمة السياسية الشمولية  الحاكمة وهنا استعير مقولة الكاتب الراحل(سعد الله ونوس)في هذا الصدد حيث يقول: “هناك مشكلة دقيقه باستمرار وخصوصا” في بلاد يسودها حكم النظام الشمولي هناك خيط رقيق جدا يفصل بين التنفيس وبين شحن المتلقي وفي بلاد يسودها الكبت السياسي يجب ان لا تكون لدينا اوهام عن امكانيات المسرح ، ففي كل مسرحية مهما بلغت جراتها ومهما بلغت  صحة تقديمها للقوانين التي تحكم مجتمعا وتسوده ،فانها في بلاد يسودها كبت سياسي ،ستتحول ولو جزئيا الى عملية تفريغ عاطفي يومية ) وتحولت المسارح الى حاضنة سايكولوجية لهذا الجمهور المخدر المذعن المغلوب على امره ……في حين قدمت الاعمال الاكاديمية الرصينة في معاهد وكليات الفنون وعلى نطاق محدود وجمهور نخبوي ارتاد هذه العروض بعد ان افتقدها في صالات الدولة حيث قدمت نماذج مهمة من الجهد الاكاديميكمسرحيات(ثورةالزنج)و(موتزارتوساليري)و(مشعلوالحرائق)و(احزان مهرج السيرك)و(اوديب)و(الكترا)و(العاصفة)وغيرها… في حين توقف عمل العديد من الفرق الاهلية بعد انفراط عقد القيمين عليها اما لذهابهم في العمل مع الفرقة القومية للتمثيل (فرقة الدولة ) اوبقاءهم في اكاديميات ومعاهد الفنون ضمن الحقل الاكاديمي اوسفرهم خارج البلاد … وماان جاءت سنوات التسعينات حتى قدم وافدا ما يدعى ب(المنتج الخاص) بعد ان سحبت الدولة دعمها للمسرح واعطت الضوء الاخضر لمجموعة من المنتجين الاميين التي جاءت ثروتهممن تجارة الاسلحة والميرة العسكرية وبعض الاقطاعيين والمتنفذين في السلطة ،وبقايا ما يدعى بفرقة المسرح العسكري ،لتشكل نواة لاخطر انواع الانسلاخ الثقافي والفني والتسقيط الاجتماعي وكان لذلك اهدافه المعلومة لدى النظام الشمولي السابق وكالاتي : 1. اهانة الشخصية المحلية والسخرية منها وخصوصا ابن الجنوب بجعله في هذه العروض مجنونا اومخبولا او وافدا غبيا على المدينة ،اومفقسا لانجاب العاطلين والصعاليك مزواجا ومغرما ببنات الليل ….. 2. تحويل الراقصات وبنات الليل في الملاهي بعد اغلاقها بحجة الحملة الايمانية الى ممثلات وراقصات يصعدن على اهم مسارح العاصمة …كي لايذهبن الى الشارع حسب راي السلطات تلك الفترة . 3. فتح باب الاعلان عن هذه العروض بكثافة في القنوات التلفازية وحشو الاعلان المرئي بمشاهد الراقصات والغنج المائع والاقزام للفت انتباه الشباب للحضور بكثافة لهذه العروض وقتل وقتهم . 4. اشغال الراي العام بهذه العروض والتي تقع خارج همومهم ومشاكلهم الواقعية واليومية . اما في الجانب الاخر اعني المسرح الجاد (الملتزم) فقد اكتنفه (الغموض) واخذت اساليبه تنتج اشكالا ملغزة ورمزية مواربة ، متحايلة على الهيمنة الرقابية للنظام الشمولي بصياغات فنية مختلفة تلمح ولاتصرح ، ابتعد عنها معظم جمهور المسرح وارتادتها (الانتلجنسيا) المسرحية والثقافية … وهذا لم يمنع من حضور بعض العروض ذات المستوى الفكري والجمالي العال ك(الذي ظل في هذيانه يقظا )و(مئة عام من المحبة )و(في اعالي الحب )و(المومياء )و(تفاحة القلب )و(النهضة )و(الكفالة )و(الى اشعار اخر) وعروض اخرى عديدة ،ويمكن الاشارة الى مستوى التلقي في بعض هذه العروض المرتبطة بانساق الانشاء الشعري في متن العرض المسرحي وغنائيته ، حيث نسمع مستوى الاندماج الحاصل في وعي المتلقي في ضوء ردود افعاله المستحسنة للمقاطع الشعرية التي تخاطب الذات او الميتافيزيقيا بعبارات شعرية طويلة وكانها تلقى من فوق منصة الخطابة .. هذا الارتباط بالميتافيزيقي وتهديده او تعنيفه او التوسل به من قبل الشخصية الدرامية في هذه العروض جاء لعدم قدرة العرض على المواجهة اعني مواجهة الوقائع الحاضرة (اجتماعية وسياسية واقتصادية) في ذلك الزمن .. وكانت ردود افعال التلقي ترتبط بقوة وغنائية النسق الشعري ووجدانيته داخل العرض … لايمكن اغفال تجربة (منتدى المسرح) بوصفها فضاءا مسرحيا يمتلك فرادة خارج الانساق التداولية للحراك المسرحي في الثمانينيات والتسعينيات لذلك شكل الفضاء الابداعي لـ(منتدى المسرح) حضورا ثقافيا وفنيا خاصا لابتعاده منذ التاسيس عن المواضعات التقليدية (الكلاسيكية) للاشكال والمضامين الفنية وبقائه خارج نسق المؤسسة الرسمية وايديولوجيتها اذ توقعت الارادة السياسية في تلك الفترة .. – مخطئة – ان تجعل من منتدى المسرح مساحة للبوح التجريبي الحداثي للمخرجين والكتاب والتقنيين الشباب … مساحة مسيطر عليها وعلى خطابها الفكري والفني .. وجاء ذلك الاجراء من قبل السلطة الثقافية للنظام السابق بسبب انفتاح بعض عروض المخرجين في الفرقة القومية للتمثيل وما تبقى من الفرق الاهلية وعروضها القليلة .. على القضايا السياسية والاجتماعية والنفسية المسكوت عنها والفضائحيةباشكال فنية جريئة وصادمة على صعيد المضامين الدرامية والاشكال المشفرة بعروض المخرجين :- (عوني كرومي وعزيز خيون وعقيل مهدي وشفيق المهدي ومقداد مسلم ومحسن الشيخ وصلاح القصب وهاني هاني وكريم رشيد وناجي عبد الامير وكريم جثير واخرون ..) ونصوص ومدونات (جليل القيسي ومحيي الدين زنكنه وعصام محمد وخزعل الماجدي وعبد الاميرشمخي وعزيز عبد الصاحب وعبد الكريم السوداني وفلاح شاكر…) ولانكباب الالة الثقافية المسرحية بنظام التعبئة الفنية ونموذجه سيئ الصيت(مسرح المعركة) بعروضه المؤدلجة والسطحية والميتة كان من المهم ازاحة الاسماء الانفة الذكر الى فضاء اخر ، فضاء محصن بالاسلاك الشائكة ، فضاء لا يسمع الانفسه ، وعلى الرغم من ذلك تشكلت المفارقة الكبرى بشواغل المخرجين والمؤلفين الشباب في تحويل المساحة الثقافية والفنية (منتدى المسرح)الى مساحة للرفض والمواجهة ، وكشف الماساة الانسانية للحرب وفضحها والوقوف على ما خلفته من ظواهر اجتماعية واقتصادية وثقافية سلبية اثرت بالنتيجة على البنية النفسية للفرد العراقي وواقعه الحياتي بشكل عام ..ولحضور البيت البغدادي بوصفه بيئة للتحرك والتاويل دلالة (سسيو- ثقافية) نادرة اذ تحول المكان الى صالة اجتماع ثقافي كبير ، متصل بالتلقي معرفيا وجماليا يلتم فيه المثقفون بشتى صنوفهم وشواغلهم الثقافية والجمهور بتنوع طبقاته من موظفين وطلبة وكسبة .. الخ ، في حوار منفتح اصيل يعبر عما لا يستطيعه هؤلاء جميعا خارج هذه المساحة الثقافية (منتدى المسرح) ففعل المسرح هو حالة تشارك وجدانية وعقلية خاصة وحية بين جميع عناصره والمتلقي تفتقدها جميع الفنون قاطبة ، تنفست (الانتلجينسيا) المسرحية في هذا الفضاء التجريبي، وخلقت منظومتها الجمالية المستقلة المرتبطة بالجدل المباشر الذي استمر لساعات طويلة بعد العروض بطاولات (سقراطية) عامرة كان يجلس في اخرها العنصر الامني الرقابي (مذهولا)(متشككا) …! القى  المتغير السياسي في بلادنا ما بعد عام 2003 بظلاله على شكل الحراك الثقافي الجديد بمجموعة المنظومات الاعلامية والميديوية الوافدة كالانترنت والفضائيات بتنوعاتها البرامجية والاجهزة الرقمية وغيرها .. فاصبح السؤال الاشكالي ماثلا هل تستطيع الفنون الكلاسيكية كاالمسرح والسينما والفنون التشكيلية ان تقف صامدة امام هذا الزلزال الاعلامي وتنوع هزاته ؟ وهل اصبح عصرنا الراهن عصر اعلام تتوارى فيه الثقافة بوصفها منتجكلاسيكي مكلف يستلزم شروطا انتاجية ولوجستية يمكن اختصارها بالاشكال الاعلامية وتغذية المتلقي من خلالها بدون المرور بمتاعب الصناعة الثقافية طالما ان الوضع الامني ظل رجراجا الى فترات قريبة ؟ الا ان هذه الاسئلة لم تصمد امام حماس منجزي التجربة المسرحية في بلادنا الذين غذوا السير تجاه العمل من دون انتظار لحالة بناء الدولة الجديدة باولوياتها المتعددة وبيروقراطية مؤسساتها ، فكان العرض الاول لفرقة مسرح (ناجين) ـ وللاسم دلالات رمزية عديدة بعد الحرب ـ على انقاض مسرح الرشيد بتاريخ 352003 كاستجابة انية لحالة التحدي والمواجهة الفنية التي يتطلبها المسرح لعكس ضرورات الواقع الاجتماعية والسياسية ، واستمرت بعض عروض مسرح (الانقاض) بالاستمرار ليس لضابط فني او جمالي وانما لمقتضيات الحادثة او الواقعة الانية .. فتكرر عرض فرقة (ناجين) على انقاض مسرح الرشيد ، ولكن هذه المرة على انقاض شارع المتنبي في عرض مونودرامي للمثل المخرج (جبار محيبس) في عرض (صرخة شارع المتنبي) بتاريخ 632006 بعد التفجير الارهابي الذي وقع في الشارع ، وعلى انقاض عمارة الانباري في الكرادة الشرقية والتي فجرها الارهابيون قدمت مجموعة من الفنانين عرضا بعنوان (يوم من هذا الوطن) على هيكل البناية المتفحم بتاريخ 1592007 وكان العرض من تاليف واخراج (جبار خماط) ، اعتبر هذا العرض من قبل المعنيين بالتجربة المسرحية بمثابة قداس روحي (تطهيري) للمجاميع الغفيرة التي حضرت لمشاهدة هذا العرض ومن بينها اقارب ضحايا الانفجار الارهابي.. امتاز العرض بطقسية ومهابة وبميلودرامية شاعرية ابنت شهداء هذا الحادث الاليم.. ساهمت عمليات (التابو) السابقة في فترة النظام الشمولي على المسرحيات الدينية وعدم تقديم شخصيات دينية وعقائدية محددة من علماء دين وفقهاء وائمه في سرعة انبثاق نشاط هذا النوع من العروض …… فقدمت مسرحية (الحسين ثائراوشهيدا) تاليف عبد الرحمن الشرقاوي واخراج جوادالحسب على مسرح النصرفي بغداد عام 2004 ومسرحية(دم في كربلاء) اعداد واخراج منير راضي على مسرح مؤسسة الشهيدين الصدرين ببغداد ، وكذلك مسرحية(راهب بني هاشم) تاليفعلي الجابري واخراج حسين علي صالح على المسرح الوطني ببغداد، ومسرحية (الف محنة في محنته)تاليف فلاح شاكر واخراج كاظم نصار واحمد حسن موسى ورائد محسن ومسرحية (وبذاك تنتصر الحياة) اعداد واخراج سامي عبد الحميد وتلك المسرحيتين الاخيرتين تتحدثان عن حياة الشهيد المفكر (محمد باقر الصدر) واعيد انتاج وتشكيل طقوس (التعزية) الحسينية المعروفة وبكثافة في مناسبات (عاشوراء الدينية) ، ولاول مرة يخرج الممثل العراقي لتجسيد شخصية الامام الحسين (ع) بشكل تشخيصي مباشر على يد الممثلين (اياد راضي وكاظم القريشي) بشكل واضح – فيزيقيا – خارج الانساق الرمزية والكنائية ، اخذت هذه العروض الدينية والطقوس العقائدية تاتيباعداد كبيرة الى المسرح او الساحات المكشوفة التي تقدم فيها مما اعطى دفعا كبيرا للمستوى الانفعالي لهذه العروض بسبب تاثير التلقي المباشر وردود افعاله من بكاء ونحيب واصغاء لافت .. تنوعت العروض المسرحية وجمهورها بعد عام 2003 وانفتحت على الخطاب الحر بعد ان عمت موجة الحرية في اختيار النصوص وقول ما لا يقال وانفتحت ايضا النصوص والعروض الدرامية نحو المباشرة والمكاشفة وسبر اغوار المسكوت عنه ، واستخدام اليات وتقنيات (الكابريه السياسي)الاخراجية والادائية (التمثيلية) وخطابه اللاذع في ادانة القضايا الاجتماعية والسياسية الراهنة ، ونزول الى مستوى الطبقات الدنيا ، ومناقشة اوضاعها المعيشية والنفسية ، والانفتاح على مواضيع الحرب الطائفية والتخلخل الاجتماعي الذي تتركه على الواقع الاسري وذلك في مسرحيتي (حظر تجوال) و(في قلب الحدث) للمخرج والمؤلف (مهند هادي)….. وتطورت تقنيات الخطاب الشعبي في النص الدرامي والعرض الممسرح , خارج الانساق التقليدية , ووظفت تقنيات واليات مسرحية جديدة للنكاية بالسلطة الحكومية والمليشيا على حد سواء , واظهار الفساد الاداري والمالي بطريقة تهكمية بارودية ساخرة كما في مسرحية (جيب الملك) تاليف علي حسين واخراج حيدر منعثر ، وكان من الممكن لبعض العروض الشعبية ما بعد 2003 ان تعيد الجمهور بكثافة الى صالات العرض وتسهم في تغير ذائقته المرتكسة والمتغذية على الاشكال الشعبية التجارية الرخيصة السابقة – في فترة النظام الشمولي – ومنها العروض الانفة الذكر.. ومن المهم الاشارة الى تغير جزء من الجمهور المسرحي (النخبوي) ما بعد 2003 وذلك لعودة بعض الاحزاب والتشكيلات الايديلوجية الممنوعة فترة النظام السابق الى الوطن بمختلف توجهاتها الفكرية (الدينية والعلمانية) وساد بعض العروض جمهور قد يتطابق مع خطاب العرض او هو قادم لمشاهدته دون غيره بسبب الارتباط العقائدي والايديلوجي بالخطاب ، الذي كرس الجهد الاخراجي لصناعه لارضاء الذائقة الجماهيرية المتغيرة بعد 2003 ، لذلك جاءت بعض (السكربتات) الاخراجية المعدة سلفا لارضاء النزوع الفكري والوجداني للمتلقي الجديد. من علل التلقي الجديدة افرزالمتغير السياسي مجموعة من الظواهر السلبية انعكست على التلقي لدى الجمهور المحلي، صادر بعضها من رفع الكلفة عن اي مقدس او (تابو) حتى لو كان تقليدا اجتماعيا او فنيا او اخلاقيا تداوليا متعارف عليها وسبب ذلك – حسب زعمي – يعود الى الارتفاع النسبي لمستوى الحريات الاجتماعية وخمول الرقيب الرسمي عن متابعة هذه الظواهر ، التي انبنت في ضوء مشاهدتي الشخصية لعروض مهرجان يوم المسرح العالمي على خشبة المسرح الوطني عام 2009 والذي حضره جمهور  واسع قدر بـ500ر3 ثلاثة الاف وخمسة مائة مشاهد خلال ستة ايام ، وتوصلت الى عدة نتائج تعبر عن واقع التلقي اليوم وكالاتي :- 1. انغمس شكل تلقي العروض في ضوء الانبهار باشتغالات الممثل الشفاهية على صعيد الحوار الذاتي (الوجودي) والناقم من (الرب)  او المكاشفة الاجتماعية الساخرة في ما يخص المسكوت عنه من الفساد الاداري والمالي والفساد الاجتماعي . 2. تستمر العروض الملتزمة بالاتيان بحضور جماهيري واسع نسبيا معظمه يرتبط بمنجزي العرض المسرحي بصلات قربى اجتماعية او صداقية ، فتبدو ردود افعال التلقي – ازاء اي جملة بسيطة او ساخرة –مهوَلة ومبالغ فيها يعبر عنها بالتصفيق الهيستيري الحاد والصغير ، فتضيع العديد من القيم الفكرية والجمالية وينقطع التواصل المسرحي . 3. يدور النقاش بعد العروض حول اقتراب العرض او ابتعاده عن القضايا التي لها مساس يومي بالوقائع السياسية والاجتماعية ،ويمثل العرض نجاحا باهرا اذا ما لامس هذه الوقائع بكلمات نابية بذيئة بعيدا عن تصويرها جماليا وفنيا اذ لا شان للتلقي بكيفية صياغة الواقعة فنيا !!. 4. غياب التقاليد المسرحية التي تربى عليها المسرح العراقي والتي تنطلق من فكرة تقديس (الخشبة والقاعة) معا وهذه فكرة مسيحية اسسها مسرحيا المربي الراحل (بهنام ميخائيل) ونلاحظ الجلوس الغير طبيعي على المقاعد والثرثرة الجانبية وعدم اغلاق الموبايلات قبل العرض مع التنبيه عليها وعلى اغلاقها ، اضافة الى ظاهرة التصوير من خلال الموبايل والكاميرات التلفزيونية وما تصدره هذه الاضاءة من تشويش بصري على التلقي والعرض معا. 5. اصدار بعض الاحكام من قبل المتلقي على العروض المسرحية قبل مشاهدتها وتسريب بعض وجهات النظر الغير مؤكدة حول نوعية العرض الفنية. 6. ظاهرة الجمهور المحشد من قبل بعض الجهات السياسية لحضور نوعية خاصة من العروض، اي الجمهور الذي لا يحضر بدافع تلقائي للمسرح ، وانما لاسباب ايديولوجية ضيقة . توصيات 1. التركيز على اساليب فنية خاصة (تتحرش) بالجمهور بمحاولة اغواءه للمشاركة في التجربة المسرحية ، منها اساليب (مسرح الشارع) وتكون العروض في الاحياء الامنة ذات الكثافة السكانية الكبيرة . 2. اعادة انتاج وقراءة تجربة الممثل والمخرج (سعدي يونس بحري) في المناطق المفتوحة ومسرح المقهى والمتنزهات. 3. اعادة تجربة (المسرح الجوال)التي بدات في بداية الثمانينيات وتكرارها بنقل العروض في اقاليم ومحافظات العراق المختلفة. 4. ذهاب عروض مسرحيات الاطفال الى المدارس واشراك عدد منهم فيها لغرض التعرف من قبلهم على فن المسرح عن قرب. 5. الانتباه الى المسرحية الشعبية الهادفة من قبل فرقة الدولة لا بنموذج التسعينيات وانما باشكال مسرحية رصينة شاهدنا عدة نماذج منها بعد التغيير مثل مسرحية (حظر تجوال) ولكن لم تدعم بالاعلان التلفزيوني وقاعات العرض المناسبة. 6. الانفتاح في دعم الفرق الاهلية وتشغيلها لانها حجر الزاوية في تطور المسرح العراقي المستقل.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد