عصافير القارة السوداء

مامند محمد قادر

مامند محمد قادر

 

الثلوج تغطي قمم الجبال و السفوح المضللة و السهول المتطاولة الضيقة بينها ، لتجعل المنطقة مضيئة حتى في الليل و هي تكسو أغصان الأشجار البرية و تجعل أعمدة الدخان المتصاعدة في أعالي الخيم المتناثرة أكثر سواداً تحت ضياء القمر . و السكون ينبعث من المنظر الراقد البارد تحت

قبة السماء الخرساء ، لا يلبث كثيراً حتى يوقظ دوي ضربة عنيفة صراخ الجبال و تنسكب الأشعة الصفراء الضاربة للحمراء للشظايا الملتهبة المتطايرة على الثلج و تمتزج ببياضة لبرهة . خيمة العمة ( زاري ) الواقعة في شرق الحي قد أطفيْ النور في جمرات موقدها في هذه الساعة المبكرة من الليل ، و العم (سليمان ) البالغ قرابة الستون عاماً من العمر مستلق على ظهره مغمض العينين دون أن يكون نائما ، فهو يعاني من اصابة مزمنة بمرض السل الذي يداهمه نوباته الحادة بين فترة و اخرى ، و يمتزج سعاله المتكرر بنباح الكلاب القادمة من القرى النائية . و على الرغم من انه ليس برجل ذي تكاليف الا انه يضطر لأيقاظ زوجة ابنه احياناً بصوته الأجش الخافت في ساعات متأخرة من الليل لتساعده على النهوض لقضاء حاجة أو الجلوس في فراشه لتخفيف آلام جسده و غالباً ما يحصل أن يذرف دموعه في هدوء لفترة غير معلومة ، ليستلق بعدها مرة اخرى .

*                                                        *                                                *

تسبق الفجر عادة طقطقة الأباريق المعدنية و القدور النحاسية الممزوجة بتمتمة النسوة و الأدخنة المتصاعدة من المواقد و هنّ يقمن بأذابة الثلج في ضياء المصابيح النفطية ، ثم لا يلبث كثيراً حتى تتناهى الى الأسماع أصوات وقع الأقدام على حبيبات الثلوج الهشة لشيوخ و نسوة و هي تبتعد اكثر فاكثر لتختفي تماما بين الاحراش القريبة لتعود ثانية بعد فترة وجيزة و بأيقاعها المتصاعد نحو الخيم حيث تقام الصلاة و هي تختم عادة بالأدعية و البكاء و الحمد المتكرر لله .

*                                                        *                                                *

تشرق الشمس و تلاحق أشعتها المتسارعة السفوح المغطاة بالثلوج و الغارقة في الغيوم ليعيد الأمس نفسه . يتقدم النهار .. ، تعلو أصوات الأطفال الذين يظهرون بملابسهم الرثة المألوفة ليتوجه البعض منهم نحو المدارس المبنية من الصخور و الطين و المسقفة بأغصان أشجار البلوط و الواقعة في قرية جنوب الحي تبعد قرابة ساعة كاملة مشيا . و اذا بفتيات صغار يقدن ثلاثة او اربعة عنزات  صوب البقع القريبة من البرك و الجداول التي تذوب الثلوج فيها بصورة أسرع بتأثير الرطوبة لرعيها على أحراش بزغت سوداء تحت الثلوج . أما المراهقون في الحي فغالباً ما يتجهون الى مناطق بعيدة نسبياً وهم مركبين حمالات فوق ظهورهم اليافعة ليتسلقو بسيقانهم الرفيعة تلالاً و سفوحاً عبر مسالك قد غدت طرقاً واضحة المعالم من كثرة الذهاب و الأياب لنقل البضائع او الوقود او السيكاير او حتى الفواكه من أسواق غير مسموحة بها واقعة في ميادين خلف الجهة الثانية لها و التي تكتظ بالسماسرة و مهربي الوقود و تجار المخدرات الصغار ليعودوا بأحمالهم الى أسواق كائنة على الحدود لينالوا أجورهم . و كثيراً ما يصادفون في طريقهم رجال حرس الحدود الذين يطاردونهم بأطلاقات نارية أو يقعون أحيانا في كمائنهم ليسلبوا منهم ما يحملونها من الاحمال و مبالغ كسبوها عن أتعاب اليوم ، و يعودون مساءً متأخراً الى ديرهم  تعبى جالبين معهم ما تحتاجه العائلة من السكر و السيكاير و الزيوت  و الشاي . و النسوة يقمن بالأعمال الرئيسية للبيت من تحضير الخبز المحلي و الوجبات المتواضعة و غسل الملابس و توفير المياه و حلب الحيوانات و تهيئة الاطفال للمدرسة و مداراة الكهلة . اما الشيوخ فأنهم يلازمون أكثر أوقات النهار عمف الخيم متكئين على وسائد ممتلئة ذات الصنع المحلي مقضين أيامهم مع شهقاتهم العميقة و الممزوجة بأدخنة زرقاء لسيكايرهم المحضرة من قبلهم بأستعادة ذكريات الأعوام المغبرة و ذكر الله . و اما الرجال الأشداء البعيدون عن اهليهم فهم في خطوط المواجهة مع النيران بأجسادهم النحيفة و عيونهم الغائرة و قلوبهم المفعمة بالحسرة و الأماني و قدسية الوطن .

*                                                        *                                                *    

تدكّ قذائف المدافع تلك الأراضي الملعونة شبرا شبراً دونما شفقة و هي لاتميز بين المقاتلين و الشيوخ و النسوة و الأطفال و الحمير . و يخلّف ورائها و في كل مرة أجسادا محروقة و أناساً مبتورة الأرجل او الأيدي و جثثاً لحيوانات مقتولة . ولكن سرعان ما تعاود الحياة مسيرتها .

*                                                        *                                                *

يقدم الليل و تطوّق المواقد من قبل أفراد العائلة و تدور الأحاديث عن الحياة و أخبار الابناء و الظلم القائم في العالم . و الأطفال يضعون في غمرة الأحاديث ثمرة البلوط تحت جمرات المواقد منتظرين انفجارها المصحوب برمي كتلة من الرماد و الجمرات . و احياناً يشارك المقاتلون أهليهم جلسات الليل حين يتسللون أحياناً ليلاً الى عوائلهم و يحثون أهليهم على الصبر والتحلي  بالشجاعة و الايمان ، قائلين : أنّ قضيتنا مشروعة و أنّ العالم معنا ، فأننا لم نطلب سوى أن نتمتع بحقوقنا الأنسانية ، فنحن لم نضر بأحد ، لكننا مطالبين بمستقبل متواضع لأجيالنا القادمة و هوية لوجودنا .

*                                                        *                                                *

تمضي شهوراً و أعوام ، و تسقى الارض بالدماء ، و القضية تحفر صورتها الحية في الضمائر ، و تدوي أصواتها في حناجر الشعوب المضطهدة .. تتساقط النيران بضراوة على كل ما يبرز عن الارض   دون أن تترك فرصة للأختباء ، و دون أن تخجل من لحى الشيوخ و أنين النسوة . ترتجف قلوب النسوة و يصرخ الأطفال . يتفاجأ الجميع بتلك النوبة القاسية . تتعالى صيحات البشر من كل شبر في العالم . ولكن في هذه اللحظة يعلو صوت المذياع من الراديو الذي يخمد الأصوات جميعها ليصنف القضية ضمن قائمة الارهاب .

شاعر و قاص من كوردستان العراق

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد