قصة قصيرة أسلاك شائكة

حيدرعاشور

                                          
حيدر عاشور

أعرف تماما أنني امرأة منحوسة لا يعرف الحظ طريقه اليّ ولم يكتب لي أن أتنعم بالحياة وبالزواج مثل صديقاتي القديمات وبنات الجيران وسائر القريبات، لقد ذهب بهنّ قطار الزواج بعيدا وأصبحت كل واحدة تحت نجمة.
وبدأت في الأشهر الأخيرة أفكر بحياتي وبمصيري وأنا أكابد سوء الحظ والإحباط الذي يتراكم عليّ مع مجيء كل صباح، بعد أن أكدت لي هدى وهي اقرب الصديقات وأقربهن إلى نفسي بان لا وجود لشيء اسمه الحظ، بل هو نوع من الوهم يدمن عليه الفاشلون، وشماعة يعلقون عليها الأخطاء، وقالت لي وهي تتباهى بتخرجها من كلية الصيدلة، بينما أنا لم أكمل الإعدادية :
–         يا صديقتي العزيزة نور بدل أن تتحدثين عن الحظ والقسمة والنصيب يجب أن تعرفي، إن هناك إرادة وتخطيط وحسن اختيار ومبادرة.. هذه العوامل هي التي تصنع حياتنا بمباركة الرب العظيم… مزقي كل الأبراج واطردي كل العرافات، ودققي جيدا في ما حولك، ومع الزمن ستكتشفين الأسباب الخفية التي تقف في طريقك مثل الأسلاك الشائكة، وهذه الأسلاك قد تكون شخصا معينا.
والحقيقة إن كلمات هدى بقيت ترنّ في عقلي مثل أجراس كنيسة قديمة، وبدأت أحلل كل كلمة فيها… بعد أن أيقنت إن ما تقوله هو عين الصواب لاسيما وهي قد تفوقت في الدراسة والزواج والإنجاب، أما أنا فليس لدي سوى أمي التي تدور حول فراشي وهي تتمتم بكلمات سريعة لا افهمها، ثم تشعل حول سريري أعواد البخور، وأنواع الروائح، والتعاويذ التي غرقت بها منذ صباي.
ظلت كلمة (الأسلاك قد تكون شخصا معينا ) تحاصرني وتسدّ عليّ أي تفكير…مَن هذا هو الشخص الذي تحوّل إلى أسلاك تعيق مسيري في هذه الحياة التي أكابدها ولم انجح في أي خطوة أتوجه إليها؟ فأصبحت أشبه بالمعاقة المحاصرة بين جدران البيت.. ومما زاد من أحزاني ووحدتي هو بقائي وحيدة، بعد أن تزوجت آمال أختي الصغيرة، وبالأمس كانت تعاني المخاض وأنجبت طفلة جميلة أصرّت  على تسميتها باسمي، وانتابني هاجس متناقض من الفرح والحزن فرحت لأن الكائن الملائكي الجديد سيحمل اسمي، وحزنت خوفا من أن تلاحقها لعنتي وخيباتي المزمنة.
لم يبق في البيت سوى أمي وأبي وأنا، وليس لي من يفكر في أن يسبب لي كل هذا الإحباط ، لكن إحدى الجارات وهي تغرق في ثرثرتها اليومية التقطت إذني كلمة أعادت اليّ ما أسرتني ونبهتني إليه هدى… فبعد أن قبلتني الجارة قالت لي بالحرف الواحد:
–         إن والدتك تمتدحك دائما وتقول إن نور ترفض الزواج لكي لا تترك أمها وحيدة، فلقد زهدت بالدراسة والزواج من اجل أمها ..هذه بنتي الحقيقية.
وبدأت الأحداث تمر في ذاكرتي المتعبة مثل شريط سينمائي :كيف تجد أمي ألف سبب وسبب لكي تفشل الخطبة… أكثر من ست مرات يأتيني النصيب، لكنني أتذكر في كل مرة تتسلل ليلا إلى غرفتي، وتتحدث لي عن عيوب الخطيب، ومشاكل كل عائلة أو تبث شكوكها بأمور أخرى تجعلني انفر منه، ومن أسرته، وتنهي حديثها:
–         هذا لا يستحقك، ولا يليق بك… مازلت صغيرة.
لقد شارف عمري على العقد الرابع، ومازلت أيتها الأم تتسللين ليلا إلى غرفتي وتقولين لي منذ عشرين عاما، بأنني مازلت صغيرة…هل توقفت حواسك أيتها الأم؟ أم انك لم تشعري، بان للزمن دبيبا سريا؟ وتجاعيد تغزو القسمات، وتشيع اليأس؟
أنا لا أشك بحبك وتعلقك بأهدابي! لكن ليس كل حب يمكن أن يسعدنا، فبعض التعلق هو نوع من المرض السري الذي يجب أن نشخصّه، ونستأصله بأية وسيلة …لماذا لم أدرك منذ سنين طويلة بان أمي قد تحولت إلى أسلاك تحيطني من كل جانب؟.. .بعد أن طغى الحب، وفاض التعلق فلم تعد ترى سواي بقربها، ولم تفكر بهذا التعلق الذي كنت أنا الضحية الوحيدة له.
كل من يراني يقول بأنني أشبه أمي في عينيها، واستدارة وجهها، ولون شعرها، وحتى في طريقة مشيها …قد يكون هذا التشابه هو سرّ تعلقها بي، والوقوف أمام أي شخص تشعر بأنه سيأخذني منها…لقد كبرت يا أمي ولم اعد طفلة تعقصين  لها الضفائر، وتقصين عليها الحكايات القديمة لكي تنام على أصداء صوتك .
لقد تأكدت من هواجسي على غرابتها، فقبل يومين ناداني أبي وبوجودها قال بان احد الأقرباء ويعمل مهندسا يريد أن يتقدم لخطبتي، نظرت إلى وجهها فوجدته قد اضطربت وشحب لونه، فبدأت تطلق الكلمات المتشنجة.
–         ومَن هذا الذي يريد أن يخطب نور ؟ هل نعرفه ؟ ومن قال له أنها تريد الزواج ؟!
وفجأة قفزت إلى عقلي كلمات هدى حول الإرادة والاختيار والمبادرة… هذه هي بدائل الحظ ، فصرخت بقوة :
–         نعم أنا موافقة على الزواج … وهذا المهندس أعرفه، وأعرف أسرته جيدا …لقد كبرت يا أبي ولا أريد أن أتحوّل إلى تمثال للعنوسة في هذا البيت.
أصابت الدهشة والاستغراب وجهيهما، فهما لم يتعودا على مثل هذا البوح وهذا الإصرار، ففي كل مرة يحاصرني الخجل، فاذهب إلى غرفتي … شعرا بان هذه المرة تختلف عن المرات السابقة، وساد الصمت بينهما.
 انسحبت أنا إلى غرفتي …وما أن حلّ الليل حتى تسللت أمي كعادتها في كل مرة، وبدأت تتمتم بالكلمات المعهودة… نهضت من فراشي بسرعة وطلبت منها أن تتوقف، وترمي ما تحمله بيدها من أدوات الخرافة، وهمست لها بهدوء:
–         يا أمي لقد وافقت وانتهى كل شيء …أرجوك لا تحوّلي حبك لي إلى امتلاك .. لا تنظري اليّ كدمية إنسية… أنا إنسانة ولي مشاعر،وكل قريناتي تزوجن وكلهن أكملن الدراسة…ما الذي تريدينه مني .. هل تعرفين أنني بدأت اصبغ شعري لأخفي الشيب الذي غزا رأسي مرة واحدة؟ سأقول لك أيتها الأم الحنون… أنني سأتزوج هذه المرة مهما كانت خصال الزوج ومواصفاته، فلقد اسقط بيدي، ولم يعد ثمة  مكان لتدلل أو غنج ،وإذا كنت تحبينني حقا، يجب أن تقبلي على قراري هذا… لكونه يا أمي  سنة الحياة!.
ظلت مشدوهة ومشدودة أمامي، وتصلب جسدها وهي تنظر اليّ بعينين زائغتين، وكلما أتعمق بكلماتي اقرأ في وجهها حزنا غريبا …وبدأت تنهار قواها حتى سقطت قرب السرير وهي تمسك بشعري وتردد بحزن :لقد ربيتك ولا احد يأخذك مني.
وبدأت اقبلها وأسكب الماء على وجهها… وأنا أؤكد لها بأنني لا ولن أكون بعيدة عنها.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد