من يكون

اسماعبل فارس

تجرفني الكتابة  إلى حيث لا قرار. تراقبني بين ثناياها,  كيف أتمدد كيف أتقلص كيف أقف كيف اجلس كيف أطفو كيف أغوص.
أعلنت الانطلاقة منذ زمن التكوين والتشكل, تعاقبت الحروف فيها على الريادة تارة متوافقة وأخرى متنافرة حتى تخالها رمادا استحالت معه الحياة. .تترفق بنفسها وتغض الطرف لتنهل من ثقب التاريخ  المتجول بين الحضارات لتعلن انبعاثها, متقاسمة مع طائر الفينيق سنة البعث المتكرر بنفس الحلة والنفس, بنفس الصخب والهدوء .
امتطيتها فكان الجرف وكانت المراقبة
حاولت أن أحط الرحال بين حروفها الطاهرة, استشاطت غضبا, صفعت أقلامي وخنقت قرطاسي ,قالت خذ الحروف تامة أو اهجرني.
قلت: فيك ومنك حبي وهجر الحبيب موت فكيف أموت وأنت البداية والنهاية.
قالت: حدثني عن حروفي وعنك, عن بوحك وسرك, عن سطور التاريخ وأبوابه الموصدة
فكرت كثيرا وكتبت قليلا عن ألوان قزح التي أصابها الرمد وبدت محتشمة في رحم السماء, وجدتني اعترف بكل الحياة والحروف تتطاير يمينا ويسارا, الأفواه مشرعة تصطك أسنانها, ألسنتها تطول وتقصر حسب المحطات الفارة من أجندة التاريخ
ووجدتني احترف النحت الأبدي لموسوعة القيم بمعول حرفي كانت الكتابة قد صاغت حروفه عندما أمسكت بالخيط الشارد يوم ولادة التاريخ, وسيجته بالفطرة وقصة الغراب الموارى تحت التراب
في تلك اللحظة التي حل فيها اليقين, اعتصمت بالحروف, أغلقت الأبواب والنوافذ طوت كل قراطيس الدنيا وأعلنت المطلق من الرفض, صانت القاموس المنزه من حوشي القيم واللمعان الذائب لحظة انسدال اليوم وعزف الخريف نشيد الصفرة والهجيع.
غمرني الهلع, فخيرتني بين الانجراف في سيل الكتابة وبين الذوبان في فقاعات الصور البراقة بانعكاس الشعاع الشمسي.
عدت خطوة إلى الوراء, بدا كل شيء كخارطة الثلج, وألم وفرحة تكورا كالهلام حول النبض, بدأت اصرخ على أوراقي وأصيح, أيتها الكتابة عن حروفك سأزيح الكهانة واجتث يحموم المشاعر وازرع الابلال في كلها,سأبيح الممنوع من الحق وازرع الربيع المسجون في أحداق الكتابات الممنوعة من الصرف, سأنظف الرفوف من غبار الكتب المزوقة بالغلاف والعنوان
قالت من تكون وما هو دينك؟
أنا الذي ظل بين الهوامش يصفق للذين قالوا إنهم عن الحق يوما ما مالوا, واليوم أنا الذي يصفع الذين عن الحق مالوا.
أنا الذي كفرت ,كفرت بيمينهم, بيسارهم, بأحزابهم, بكفرهم, بجميعهم, بكلهم, بفردهم, برجالهم, بنسائهم, بشهيقهم, بزفيرهم, بوعدهم, بوعيدهم, بتبسمهم, بدمعهم, بفرحهم, بحزنهم.

قالت : لك حروفي وأنا, فداعبني متى شئت وارتضيت, اليوم علمت بإنني لن أخان
قلت : وغدا من سيمتطي صهوة الفواصل والنقط إن اغتالني الرفض.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد