أماني 1

حوا بطواش

– 1 –

الصّباح الباكر كان باردًا في عكا. ريحٌ باردة هبّت من البحر، نوارسُ بيضاء تطايرت فوق الأمواج، حطّت على الشاطئ، تسكّعت قليلا ثم طارت من جديد. بضع أناس فقط تواجدوا على المتنزه يمارسون رياضة المشي. معظمهم كنتُ أعرفهم… أعرفهم ولا أعرفهم، فوجوههم مألوفة، ذلك أني أراهم كل يوم، لكني لا أكلّم أحدًا منهم، ولا أحد يكلّمني. كلٌ يمارس رياضته… ويختفي. ولكنني لا أبالي، فما قيمة الكلمات أمام حضرة البحر؟
اتّجهَتْ خطاي، دون دراية مني، إلى تلك الصّخرة النائية… الوحيدة. تساءلتُ في داخلي إن كانت ستأتي اليوم إلى هنا.
جلستُ على الصّخرة وملأتُ صدري بالهواء المنعش الآتي من فوق الموجات واستغرقتُ في تأمّل طويل.
بحر عكا كان صاخبا أكثر من أي صباح، كأنّه يناديني. لا صوت هنا سوى هدير البحر، ورائحة البحر تحتلّ المكان، تنفذ إلى الأعماق. لا أدري لِم أنتظرها بهذه الرّغبة. إنها لم تقُل إنها ستأتي في هذا الوقت بالذّات. قالت فقط إنها ستمشي هنا مثلي. أتعجّب لماذا، منذ أن دخلتْ إلى غرفة مكتبي لأول مرة ووقع نظري على وجهها، خالجني ذلك الشعور الغريب شديد الوطأة، الذي لم أجد له تفسيرًا حتى الآن. الموظفة الجديدة في قسم الحسابات في الشركة التي أعمل فيها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، لم تكن آية من الجمال حتى تأسرني بجمالها، ولا كانت فارعة الطول أو رشيقة الجسم أو فاتنة التكوين وكل المواصفات التي يتّفق عليها الرجال عادة في انجذابهم إلى المرأة… ولكن شيئا ما في ملامحها أيقظ من أعماقي شعورًا جميلا، دافئا، مباغتا، كنتُ أظنّه مدفونًا منذ زمنٍ طويل. أهي تلك الإشراقة البهيّة على وجهها؟؟ أم هو ذلك الغموض الذي في عينيها؟
دبّت الحياة في عروقي من جديد. لم يكُن ذلك أمرًا عاديًا بالنسبة لي، فمنذ أن افترقتُ عن فريال، زوجتي السّابقة، منذ أكثر من عشر سنوات، لم يخفق قلبي لإمرأة، وكنتُ حريصًا ألا يحدث ذلك، فما شهدتُ معها من عذاب ومعاناة جراء المشاحنات اليومية، ذاك أمرٌ لم أستطِع التغلّب عليه في داخلي. سنواتٌ مضت وما زالت تلازمني شحناتُ غضبي وقهري من كل النساء… بسبب فريال. فقدتُ ثقتي وتجمّدتْ عاطفتي.
«مرحبا يا أستاذ وجدي.» ألقتْ عليّ التحية بنبرة صوتها الرّزينة، المفعمة بالجدّية، وعرّفتني عن اسمها، أماني.
أماني!!
أول ما لفتَ نظري هيئتُها البسيطة، فقد كانت قامتها متوسطة الطول، جسمها نحيفٌ أكثر من العادي، ولها شعرٌ بنيٌّ غامق، متموّجٌ، يصل إلى كتفيها، ولباسها كان عمليّا، لا يشدّ الناظر أكثر مما ينبغي.
خلال أجزاءٍ صغيرة من الثانية اجتاحني سيلٌ من الأفكار بشأنها. تساءلتُ في نفسي: كم عمرها؟ خمّنتُ أنّها قد تعدّت الثلاثين قليلا. إنها لا تبدو فتاة صغيرة السّن، بل إمرأة ناضجة تلوح في عينيها النباهة والذكاء.
لماذا أحسستُ برغبة أن تضيف شيئا ما أكثر من اسمها؟ لم تفعل. فقط أرسلتْ نحوي ابتسامةً صغيرة، وقورة، وقالت إنها الموظفة الجديدة في قسم الحسابات، سلّمتني بعض الأوراق وسألتني بعض الأسئلة عن أمور العمل، تبادلنا من خلالها حديثًا قصيرا… وذهبتْ، ولم تذهب عن بالي منذُ تلك اللحظة. حتى عندما جلستُ مساءً على شرفة بيتي المطلّة على عكا القديمة بأزقتها وبيوتها القديمة ومساجدها، أحتسي القهوة بمفردي، وجدتُ الأفكار تهطلُ عليّ، كرشقٍ من الأمطار المباغتة، تجذبني إليها لا محالة، وصورتها تتردّد في ذهني دون انقطاع.
في اليوم التالي، تملّكتني رغبةٌ في معرفة بعض التفاصيل عنها، فسألتُ عنها رائد، زميلي في العمل وصديقي القريب. لاحت على وجهه علامات العجب والاستغراب إزاء سؤالي. لا بد أنه تساءل في نفسه عما دهاني! ولكنهُ لم يسألني أية أسئلة لمجرد إشباع فضوله، بل أخبرني ببساطة ما قال إنه يعرفُ، بأنها من إحدى قرى الجليل الأعلى وأنها انتقلت مؤخّرا للسّكن في عكا، وقال مضيفًا بطريقةٍ شبه عفويّة… إنّها عزباء!

يتبع…

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد