قصة قصيرة بعنوان / عفاف الفقير للكاتب محمد علي الجبير

محمد علي ابراهيم الجبير

قصة قصيرة بعنوان / عفاف الفقير

حماده حارس ليلي في احد دوائر الدولة المعروفة بكثرة وارداتها وضعف رواتب منتسبيها ،
حمادة متزوج يسكن مع زوجته زكية وبناته الستة في بيت ايجار مبني من الطين والطابوق ،وسط حي يسكنه مختلف طبقات الناس، فمنهم الميسور الذي يسكن في بيت كبير، ومنهم الوسط الذي يسكن في بيت اصغر ولكن افضل من بيت حماده..
راتب حماده لايكفيه لكامل ايام الشهر ؛ ،فلهذا كان لزاماً على زوجته زكية ان تدبر الامور لنهاية الشهر؛ وتعتمد على المواد التي توزع من خلال البطاقة التمونية المخصصة من قبل الدولة ، ومنها الرز و الطحين لاعداد الخبز.. وتشتري ما يتيسر من الطماطم والبطاطا والباذنجان والبقوليات الجافة من السوق ، من راتب زوجها الضعيف الذي يستلمه حماده ..
أما اللحوم او الاسماك الكبيرة فلاتدخل الى بيتهم ، واذا رغبوا شراء السمك فانهم لايشترون الا صغار السمك الرخيص ؛واحيانا لاتستطيع ان تشتري أي شيء اذا
طلب منها شراء اي حاجة للبنات أو للبيت؛
وكل معاناتهم هذه التي يمرون بها لايعرفها احد
؛ ومع ذلك فان بنات حماده يشاهدن ابناء وبنات جارهم الميسور يقومون برمي افضل المأكولات في المكان المخصص لرمي النفايات
ان تعفف حمادة ونفسيته العالية لاتسمح له نفسه ان يكلم جاره او يستيدين منه ( اي يقترض منه ) ولا من غيره ولايشكو الى أحد قلة ماله وحاجته او يشتكي بعدم كفاية راتبة ، كان عفيفاً ابياً عزيز النفس ،وعندما سمع بناته وهن يخبرن والدتهن بما يفعله ابناء وبنات جارهم الميسور .،
وجّه بناته بعدم النظرالى مايفعله اولاد جارهم ؛ الذي لم يخطر بباله في اي يوم من الايام أن جاره في امس الحاجة الى المأكولات التي ترمى في القمامة وكان جارهم الميسور يعتقد بان حمادة لديه راتب وليس بحاجة الى اي شيءهكذا كان اعتقاده؛؛
زوجة حمادة ابية ونفسها عزيزة ، هي الاخرى لاتططأ راسها ولا تبين انها في حاجة أو عوز ..
في احدالايام وفي منتصف احد الاشهر وبعد ان اكمل تناول وجبة الغداء ( طماطة في الدهن مع الخبز )
قالت لزوجها :- لم يبقى من الراتب اي شيء ليوم غدٍ ،فأجابها :- الله كريم،
ذهب للدائرة بعد الظهر كالعادة لاستلام واجب حراسة الدائرة ، لفت نظره كثرة الحمام العائدة الى اوكارها في سقوف احد القاعات العائده الى الدائرة، المستغلة لحفظ الاخشاب المتنوعة ، والحمام يدخل الى القاعة من خلال الفتحات الموجودة في الشبابيك ؛؛
فقرر ان يصعد ليلاً الى اعشاش الطيور ويمسك منهن عدد يكفي لغدائهم؛؛استطاع ان يمسك عددا من الحمام بعد ان صعد على اكداس الخشب الموجود في القاعة..
في اليوم الثاني دخل بيته مسروراً وهو يحمل بيده الحمام وسلمه الى زوجته بعد ذبحه ، قامت زوجته بتنظيفه وطبخه واعدت لهم وجبة فاخر احسوا بطعم الغداء؛؛
واعتاد حماده الصعود لأعشاش الحمام لمسك ثلاثة او اربعة يومياً ؛؛
وفي احد الايام جاءت زوجة الحارس للدائرة مستفسرة عن زوجها لعدم حضوره للبيت في وقته المعتاد يوميا الساعة الثامنة في صباح كل يوم..
استغرب مدير الدائرة بعدم وصول الحارس حمادة الى بيته ؛ وبعد أن عرف من الموظفين ، بعدم مشاهدة الحارس في ذلك اليوم وهو يخرج من الدائرة من قبل أي موظف ؛طلب من موظفي الدائرة ان يفتشوا عليه في كل مكان في الدائرة ، لم يجده احد ، وطلب مدير الدائرة التفتيش عنه في مخزن الخشب ، واثناء التفتيش في مخزن الخشب ،لاحظ احد الموظفين احد اطراف رجلية تحت الاخشاب الكبيرة وعند رفعها وجد حمادة تحتها جثة هامدة محاطة ببقعة دم واسعة ، ومن خلال النظر الى مكان سقوطه بين الخشب ،عرفوا ان سبب سقوطه من المكان العالي عندما كان صاعدا للمسك بالحمام وقد انزلقت رجله وسقط على رأسه واصطدم بارضية القاعة المبلطة بالكونكريت المسلح ..وكانت زوجته مع الموظفين اثناء التفتيش عنه، و عندما شاهدته وهو تحت الانقاض فقدت صوابها ، وهي ترى زوجها المسكين ميتاً تحت انقاض الخشب ، صرخت بأعلى صوتها ، ومزقت ثيابها ولطمت على وجهها و صدرها ، وابكت الموظفين والموظفات على حالها وعلى وفاة زوجها وهي تقول :حمادة من لي ولبناتك الستة ؛؛لامعين لنا ولاناصرهذه الدنياغيرك؛ لمن تركتنا ؛ هونت عليها بعض الموظفات ، وطلبن منها ستر نفسها والصبر على هذه المصيبة الكبيرة ؛؛ وتقول لها احد الموظفات ربنا موجود ولايترك عباده ،وعليك بالصبر يا أختي ؛امر مدير الدائرة بنقله الى بيته ؛وهم يعرفون بعدم استطاعة زوجته القيام بدفنه لعدم وجود اي شيء لديهافقرروا ان يجمعوا لها المال اللازم لتمشية امورها وامور بناتها .. كما تكفلوا بتجهزة ودفنه على حسابهم وهكذا فقدت العائلة معيلها الوحيد، فكر مدير الدائرة بمصير العائلة لعدم شمول حمادة بالراتب التقاعدي لخدمته القليلة ، فقرر ان يرفع تقرير بان سبب الوفاة وقع من جراء الخدمة في الدائرة وقد مات وهو يؤدي واجب الحراسة ولم يتطرق بانه صعد اثناء تأدية واجبه الى اوكار الحمام لصيدها يومياً وتشتيتها وذبحها من اجل اطعام عائلته من لحمها الطيب ، وبتقريرمدير الدائرة الانساني والمصادقة عليه من قبل الشرطة ومسؤول الضمان الاجتماعي الاستاذ علي المعروف بانسانيته ايضاً واستنادا الى هذا التقرير فقد احتسب له راتباً تقاعديا يحفظ عائلته من الضياع والحرمان ؛ واستمرت حالتهم كما كان حمادة على قيد الحياة وبرعاية الله….

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد