استغاثة: قصة قصيرة

صبيحة شبر
استغاثة: قصة قصيرة
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان …… وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار…. ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة …ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان …. وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء
صبيحة شبر

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد