قصة ليست من نسج الخيال

مصطفى داود كاظم
قصة ليست من نسج الخيال
**********************
لم يكن محدثي غريباً ، عرفته غنيّ النفس طيّب الشمائل ،جميل الطباع ، محمود الخِصال…يفزع مع الفجر ملبياً النداء ، وفي قلبه يقين أنّ ما قُدّر له لن يكون لغيره…
غالباً ما كان يستذكر مقولة سمعها وأُعجب بها أيّما إعجاب وهو لم ينل من التعليم الاّ أدناه… كانت المقولة قد انحفرت في ذاكرته كنقش في حجر حين سمعها من معلمه في بواكير صباه :
– اعلموا أبنائي انّ للإيمان مراتب ،أجَلّها الأخلاص وهو” أن تعتقد أنّ مافي يد الله أوثق مما في يدك”
كعادته خرج مع الضياء الأول للفجر بحيويةٍ طافحة ،مطمئن القلب رخيّ البال …أدار محرك سيارته ملبياً نداءً آخر …
يومٌ جديد سيباركه الله ،
ألم يقل جلّ شأنه (( وفي السماء رزقكم وما توعدون)) والذي سبب الأسباب قيّض له سيارته وسيلةً يكسب منها رزقه ورزق عياله … لم يكن يفكر مطلقاً بما سيعود به في آخر النهار.. كَثُرَ أو قَل.. لانّ في شفتيه وِردٌ يوميّ “علمت أنّ رزقي على الله فاطمأنّ قلبي”
لكنه في الواقع كان يعاني ضائقة مادية كبيرة وعليه مستحقات كثيرة ،منها اثنتان استوجبتا الدفع هذا اليوم حتماً ..لم يكن قلقاً لشيىء سوى الوفاء لمن ضرب لهم موعداً لقضاء ما عليه….
هل أكمل القصة أم أدعه يتحدث اليكم مباشرةً ؟
ليكن الحديث مباشراً بينكم وبينه….
((خرجت في الصباح الباكر ،ولم يكن في جيبي سوى خمسة آلاف دينار “أو هكذا ظننت” قاصداً مكان عملي كسائق سيارة أجرة …في إحدى المحطات تلمست جيبي للتأكد من وجود الـــ خمسة آلآف دينار التي أحتاج بعضاً منها لتناول فطوري لكني لم أجد النقود ..فتشت عنها في جيوبي الأخرى فلم أجدها..قلت مع نفسي:
“الحمد لله ،سيعوضني الله خيراً منها ” (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) .
وطفقت أطوف في شوارع العاصمة مدققاً النظر في أرصفتها بحثاً عن يدٍ تومىء لي ،. لكن هذا لم يحصل …مرّت الساعة الأولى والثانية دون أن أحظى بتلويحة أو إشارة ، في ذات الوقت كانت عيناي ترقبان مؤشر الوقود الذي بدأ يقترب من حافة النفاد…لم يسبق لي أن مررت بحالة مشابهة ،فالطرق التي تغص بالسابلة والمنتظرين على الأرصفة لم تكن لتتأخر عني كل هذا الوقت…
ها قد أتى الفرج بعد ثلاث ساعات حينما صعد راكب وطلب مني إيصاله الى مسافة قريبة ، لبيت طلبه على الفور وأوصلته الى حيث أراد…من جديد بدأت رحلة البحث ، لم أحظَ بعد ساعتين منها غير توصيلة قصيرة … الإنتظار عندي ليس مرهقا ،. لكن التجوال أتعبني ،،عندها قررت أن أختم سعيي لهذا اليوم،. فدلفت الى أقرب محطة تزود بالوقود بما حصلت عليه من مبلغ بسيط وما كان هذا المبلغ ليسعفني بأكثر من بضعة لترات من الوقود تمكنني من العودة الى بيتي سالما غانما”لا لي ولا عليّ “…
اقترب بي الوقت من منتصف النهار، وحين خرجت من محطة الوقود لاح لي مشهدٌ أثار انتباهي…رأيت رجلاً عجوزاً يتوكأ على عكازته وهو يَهمّ بالصعود في سيارة أجرة… توقفت بمحاذاته قليلاً ،لكنّ سائق السيارة ما إن لمح الرجل بعكازته حتى غيّر رأيه ومضى مسرعاً غير عابىء بالعجوز الذي أقبل عليه..
إقتربت بسيارتي وتوقفت عند الرجل العجوز ..قلت له:
– اركب ياعم
تحامل الرجل على نفسه ولملم شتات ماتبقى من قوته وصعد مع عكازه…
في اللحظات التي سبقت صعوده ،قررت مع نفسي أن أصطاد غنيمتي التي لم يكن للمال فيها أدنى رغبة ،،قررت أن أُصحح الخطأ الذي ارتكبه السائق عندما ترك الرجل يلهث بأعوامه التي حامت على السبعين ، وأنا أدرك في قرارة نفسي السبب الذي جعله يفعل مافعل .
تفحصت ملامح الرجل الذي تواشجت السنين أخاديدَ على صفحتي وجهه
قلت بنبرة معتذرة :
لاعليك ياعم ..سأوصلك الى حيث تريد …كنت أُراقب ما حدث لك مع سائق السيارة الأجرة الذي لربما استثقل صعودك معه أو لربما خطر في باله أنّك سوف لن تدفع له أجرة مجزية ..ها أنذا تحت إمرتك وطوع بنانك ودون مقابل …
كان العجوز يستمع لي بهدوء وتركيز …قال دون أن يعلق على ماقلته:
أريد أن توصلني الى المكتبة في نهاية الطريق لاشتري صحيفة ومجلة ثم أعود وسأدفع لك ثلاثة آلاف دينار وإن أحببت أن تنتظرني ريثما أشتري ما أريد فسأدفع لك ثلاثة آلاف اخرى لتعيدني الى نفس المكان الذي حملتني منه..
قلت :
– يا عم أنا قصدت أن أُسدي لك خدمة دون مقابل ..لم يكن دافعي الحصول على أجرة لاني رأيتك رجلا كبيرا السن فقير الحال “أو هكذا توقعت ” على الأقل وفي كل الأحوال فأنا رأيت أن أقوم بما يمليه عليّ ضميري تجاهك …
ران صمت قصير ،كان العجوز بحاجة اليه ليعيد ترتيب رد مناسب على ماقلته…قال
– شكراً بُنيّ على نبل أخلاقك …توقعك ليس في محله في الشق الثاني من توصيفك ،،نعم كما تراني رجل عجوز ،. لكني ميسور الحال بفضل الله …عملت قاضيا لسنين طويلة ..كنت ومازلت أُنفق المال الذي رزقني به الله على نفسي دون إسراف وعلى المحتاجين دون إمساك ، وأنا الآن أتقاضى راتباً تقاعدياً مجزيأً يكفيني ويزيد منه الكثير لانفقه في أوجه الخير.
-فليبارك الله في رزقك ياعم ، سأنتظرك ريثما تعود.
تَرجّل الرجل العجوز… تَفحّصته مليًّا هذه المرّة وهو يمضي الى المكتبة ،كان يرتدي بنطالاً ومعطفا أخفى ما تحته من ثياب،. لكنه لم يُخف بنيته الضعيفه وانحناء ظهره …لم تمض سوى دقائق قليلة حتى عاد يحمل عكازه في يده والصحيفة والمجلة في اليد الأخرى،،صعد بهدوء ووقار..فانطلقت بالسيارة ، في تلك الأثناء ،دس الرجل يده في جيبه ليخرج محفظته ويضع أجرة السيارة في يدي..ثم دس يده مرة أخرى في جيبه الآخر ليستل منها رزمة من الأوراق النقدية ويفرد منها ورقتين من فئة خمسة وعشرين ألف دينار…في تلك اللحظة صوب العجوز نظراته باتجاهي وبكلمات ودودة قال:
أرجو أن تقبل مني هذه الهدية المتواضعة تقديراً مني لنبل أخلاقك ولن أقبل منك عذراً ،،فهذا رزقك ربك ))

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد